روايات

أطفالي الصغار للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما خلفت ابني بدأت ألاحظ عليه حاجات غريبة ومش مفهومة، يمكن من أول ما بدأ يتحرك بس بقا عدواني بصورة غريبة عكس كل الأطفال، أي حاجة بيمسكها لازم يرميها، أي حد بيقرب منه لازم يضـ,ـربه، حتى وهو بيرضع كان بيتعامل بقسـ,ـوة غير مفهومة، وكأنه طفل بالغ، لدرجة إني كنت بتعذب لما برضعه وقررت أكمل معاه باللبن الصناعي اللي كان غالي جدًا، وكنت بتحجج لجوزي كل شوية إني مريضة عشان يشتري لبن صناعي واترحم شوية من الطفل الغريب ده..

سألت أكتر من حد وقالي إن الموضوع طبيعي جدًا، وفيه أطفال كتير بيتولدوا بالصورة العـ,ـدوانية دي لكن مع الوقت بيتغير وبيكون أحسن، وفضلت منتظرة الحال يتحسن، لكن الولد كل ما كان بيكبر كانت الكـ,ـوارث اللي بيعملها بتزيد.. دايمًا بيلعب بالسـ,ـكينة، ولو طال البوتجاز بيفتح الغاز، أي حاجة قدامه بيكسـ,ـرها، وأي فلوس بيقطعها، كان عبارة عن فساد في البيت، وأبوه كان دايمًا في الشغل وبيقدمله اعتذارات وبيرمي اللوم عليا، أنا اللي المفروض أراعي البيت كويس وأراعي الطفل وأخلي بالي منه..

لكن فشلت في ده تمامًا، كان يوميًا تقريبًا بيقع ويتعـ,ـور، اتخيط في راسه ٦ مرات وجـ,ـرح نفسه كتير أوي، البيت بقا عامل زي الزريبة من أفعاله لدرجة إني بقيت بربطه بحبل في السرير، في البداية الموضوع نجح لكن مع الوقت بقا يخبط براسه في السرير ويجرح نفسه عشان أفكه.. شوفت معاناة لمدة ٤ سنين مشوفتهاش في حياتي، أوقات كنت بصرخ زي المجانين والجيران يتلموا عليا، وكل ده من أفعال ابني (حسين) لدرجة إني أكتر من مرة صِدقًا فكرت أتخلص منه، ممكن تستغرب كلامي لكن أنا بقيت على وشك إني أتجنن بسببه، لكن كل ده اتغير لما حملت مرة تانية..

والغريب إن هو نفسه اتغير وبقا هادي نوعًا ما، حمدت ربنا ألف مرة لأني مش هتحمل أفعاله أبدًا وأنا في الوضع ده، وفضلت طول فترة الحمل في حالة هدوء كامل لحد ما خلفت (جويرية) وبقيت طايرة بيها من الفرحة، وكأن روحي اتردت ليا مرة تانية.. وعلى عكس حسين، البنت من أول يوم كانت طالعة حنينة حنية غير طبيعية، تطبطب عليا، تحضن فيا، مبتبكيش كتير وتضايقني، ودايمًا مبتسمة وبتضحك، وفي وقت قليل البنت بقت حتة من روحي، لدرجة إني مبقتش أقدر أغيب عنها لحظة واحدة، دايمًا معايا وفي حضني، دايمًا حاسة بالأمان وهي معايا..

كل ده وحسين صامت، مشاكله قلت وبقا منعزل دايمًا وبيلعب بالألعاب بتاعته، وفضل الحال ده ٣ سنين، حسين كبر وبقا ٨ سنين تقريبًا وجويرية كمان كبرت وبقا عندها ٣ سنين، وبقوا دايمًا يلعبوا مع بعض ويجروا ورا بعض وخلوا حياتي كلها بهجة وفرحة.. لكن مع الوقت بدأت الأفعال العـ,ـدوانية تظهر على حسين مرة تانية، لما دخلت عليه في مرة لقيته ماسك أخته وبيقطع شعرها وهي بتصرخ من الألم، جريت عليه وأنا مخضوضة وضـ ـربته علقة مـ ـوت..

الغريب إنه متأثرش، كان بيتضـ,ـرب ويتألم في صمت وفي عنيه نظرات غِل غير طبيعي، لدرجة إني بقيت خايفة إنه يأذي أخته أو يتعرض ليها بحاجة، صارحت أبوه وحكيتله نعتني بالإهمال وقالي إني المسؤولة ولازم أخلي بالي كويس منهم وإنه استحالة يأذي أخته.. لحد ما دخلت عليه مرة تانية ولقيته بيلعب مع أخته بالسـ,ـكينة، المشهد كان كفيل يرعبني وهو عمال يهوش ناحيتها وهي بتضحك ومش مستوعبة اللي بيحصل..

حاولت أبعته عند أختي فترة يقعد هناك متحملتوش، بعته عند أبويا مكملش أسبوع ورجع مرة تانية، وبقيت عمالة أفكر ازاي أفصله عن أخته لأن وجوده خطر عليها، أخته اللي بقيت متعلقة بيها بصورة مرضية، ومش قادرة اتخيل إنها ممكن تتأذي ولو بأبسط حاجة.. وحاولت بكل الطُرق، حاولت وحاولت أفصل بينهم لكني مقدرتش، وبقيت أدخل مرة ألاقيه بيلسعها بالولاعة، مرة بيضـ,ـربها بالعصاية، مرة بيهوشها بالسـ,ـكينة، حاولت معاه بالضـ,ـرب، ومرة بالكلام، ولكنه مكنش بيستجيب أبدًا، وتأكدت من جوايا إنها مسألة وقت وهتحصل مصيبة في بيتي، لو متحركتش وحاولت أوقف المهزلة دي في أسرع وقت..

وفعلًا بدأت فكرة غريبة تيجي في ذهني، وهي إني أتخلص من حسين ولكن بطريقة متخليش أي حد يشك فيا، أنا مكتفية بجويرية ومش عايزة حاجة من الدنيا غيرها، لكن مش هودي نفسي في داهية وأخسر كل حاجة لو الموضوع اتكشف، عشان كدا لازم التأني في الموضوع.. حاولت أتواصل مع أكتر من حد يخـ,ـطفه معرفتش، وخوفت أكلم حد أعرفه يبلغ عني أو يقول لجوزي، فكرت أرميه من البلكونة لكن خوفت إن حد يشوفني من أي شقة من الشقق اللي قصادي، طيب أضـ,ـربه بسـ,ـكينة، الموضوع مش سهل..

خططت أكتر من مرة لكنه كان وكأنه بيقرأ أفكاري وكان بيهرب ويجري مني، كنت بشوف في عنيه كأنه فاهم أنا بعمل أيه، أو بفكر في أيه، وده رعبني منه أكتر وأكتر، لحد ما دخلت عليه في مرة لقيته معلق أخته بحبل من البلكونة، صرخت بأعلى صوتي..

لقيته بص ناحيتي وابتسم وقام راميها، رمى بنتي من الدور التالت، ابني قــ,ــتل بنتي، قتـــ,ـل أغلى حاجة في حياتي، محستش بنفسي غير وأنا بغرز ضوافري في وشه، لعـ,ـنته ألف مرة، قولتله طالما أنت مش ابني فأنت اللي كان لازم تمـ,ـوت مش هي، وقومت رمياه هو كمان، كل ده الناس شافوه، لأني صرخت، والناس خرجوا، وشافوني برمي ابني، وبدون تفكير رميت نفسي معاهم..

لكن عشان العذاب يتضاعف الاتنين مـ,ـاتوا لكن أنا لا، جسمي كله اتكسر لكن فضلت عايشة، عشان أتحاسب على أسوأ جـ,ـريمة عملتها في حياتي، كنت خايفة من جوزي لما اتأخرت في الحمل أحسن يطلقني، ولما حملت بصعوبة وبعلاج كتير الجنين نزل مريض ودخل الحضانة، وبلغوني بعد يومين إنه مـ,ـات، انهرت انهيار تام..

عرضت على الممرضة دهبي كله مقابل إنها تديني طفل غيره وتقول إن اللي مـ,ـات بتاع أهل الطفل اللي هاخده، ووافقت، ونجيت من الطلاق وكلام جوزي وأهله، لكن الطفل كان سيء، أسوأ طفل ممكن تشوفه في حياتك، ولما خلفت تاني تمنيت إنه يمـ,ـوت وينتهي، لكنه كمل، كمل وأذاني لحد ما اتخلص من بنتي، وكان لازم يمـ,ـوت وراها لأنه شر وكان لازم أتخلص منه..

لكن واضح إن رحلة العقاب بدأت، بدأت بشهر في المستشفى وبعدين تحقيقات وسجن طويل أوي ولعـ,ـنة من كل الناس اللي يعرفوني، ليه دايمًا بنعمل حساب الناس على حساب أقدار الله، مبتخلفيش ودي حاجة بأمر الله يبقا متهابيش كلام الناس ولا كلام جوزك، دي حاجة مش بإيدك، متتحايليش بالحرام عشان ترضيهم وتغضبي ربك.. خلي نظرتك دايمًا ربنا ورضاك بأقداره حتى لو هتخسر كل الناس، إنما ترضي الناس وتخلي ربك يسخط عليك، هتتفاجئ بحياة قاسية ونهاية أشد قسوة..

(من التمس رِضا اللهِ بسخَطِ الناسِ؛ رضِيَ اللهُ عنه، وأرْضى عنه الناسَ، ومن التَمس رضا الناسِ بسخَطِ اللهِ، سخِط اللهُ عليه، وأسخَط عليه الناسَ) أخرجه الترمذي بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى