
اتحركت من مكاني لأوضة المكتب أجيب مشرط جديد عشان أُفاجئ بصوت غريب جاي من صالة التشريح، روحت من تاني عشان أُفاجئ بعوض ماسك عصاية وبيض.رب الج.ثة على رجليها جامد، والمُر.عب إني كنت سامع صوت تأوهات ضعيفة جدًا وكأن الج.ثة بتتألم.. أنا اتشليت مكاني ومبقتش فاهم أي حاجة إطلاقًا، جريت عليه ومسكته بع.نف وأنا بقول: ـ أنت مجنون بقا!! لقيته زقني بقوة وقال: ـ البت دي مش هتحترم نفسها غير بالض.رب، عمالة تتحرك وتتكلم ومش عارفين نشتغل..
ـ لا دا أنت مجنون فعلًا.. مسكت من إيده العصاية بع.نف وك.سرتها وقولتله يخرج من المكان كله، قالي إنه هيسكت بس مينفعش أنا أطرده من المكان لأني مليش حق في كدا.. حسيت إني لو كملت كلامي معاه هغرز المشرط في عنيه، وبدون إرادة مني لقتني بطبطب على الج.ثة وبعتذر لها، كنت ناقص أبكي عشانها، دي بني آدمة حتى لو كانت ميتة.. وكملت تشريح وأنا في ودني صوت بكاء جاي من بعيد أوي، لدرجة إن دموعي نزلت على الج.ثة وأنا بشرحها، في النهاية خلصت وحطيتها في الدرج ورجعت أوضتي وأنا مش طايق نفسي..
وفوجئت بعوض في الأوضة على سريري، كلمته بغضب وقولت: ـ أنت أيه اللي جابك هنا؟! ـ أوضتي يا دكتور اللي أنا مقيم فيها.. ـ آمال أنا هقيم في أدراج الج.ثث؟؟ ـ يا دكتور إدارة المستشفى لسه موفرتش لك مكان وبتعتمد إني بسيب أوضتي للدكتور وبتتأخر، وبما إنك بتعاملني كدا فأنا هاخد أوضتي منك.. ـ وأنا هنام في الشارع يعني؟! ـ مش مشكلتي يا بيه، استنا لبكرا لحد ما الإدارة تيجي وتفتكرك..
رجعت لصالة التشريح وأنا حزين جدًا، حزين على كل حاجة بتحصل قدامي وأنا مش عارف اتصرف، حتى الأوضة فهي في النهاية حقه لأنها أوضة العامل مش الدكتور، المفترض يتوفرلي مكان قريب من المشر.حة كسكن، بس واضح إن الإدارة بتستسهل وتكبر دماغها..
وغصب عني لقتني بكلم نفسي، بفتكر كل القرف اللي شوفته في حياتي لحد انهاردة، حتى مشهد الج.ثة وهي بتض.رب قدامي، كان مشهد قاسي جدًا، وفجأة النور كله قطع، وبقيت قدام درج الج.ثة لوحدي وسط الضلمة، بدأت أتحرك ناحية الباب عشان أحس بإيد قوية بتزقني لبرا، شهقت وحاولت أبص لورا بس كنت كل ما أبص الإيد تزقني أقوى في الضلمة لحد ما لقيت نفسي برا المشر.حة كلها، في الغيطان..
قعدت مكاني وأنا بتنفض ومش مستوعب اللي بيحصل قدامي، وقعدت برا تحت نخلة قدام المبنى الغرقان في بحر من الظلام لحد تاني يوم، أكتر من ست ساعات وأنا قاعد تحت النخلة مبتحركش، مستني الصبح بفارغ الصبر عشان أمشي من المكان ده كله بعد ما أبلغ عن المجنون ده.. ليلة تقريبًا كانت من أسوأ الليالي اللي عدت عليا، في النهاية طلعت الشمس ودخلت للمشرحة يمكن أفهم أي حاجة، وعشان استنا الإدارة وأعمل معاها مشكلة كبيرة بسبب السكن، بس أول ما دخلت شميت ريحة غريبة أوي وقلبي كله اتقبض، قربت ناحية صالة التشريح وجسمي كله اتنفض..
كان فيه جسمين نايمين على الطاولتين، الجسم الأول للج.ثة اللي شرحتها امبارح بتاعت البنت واللي دخلتها بنفسي في الدرج بتاعها، بس المفزع هو الجسم التاني اللي كان جسم عوض.. عوض كان ممدد على الطاولة ج.ثة بلا روح وعنيه كلها اتحولت للون الابيض ووشه كان أسود مُخيف وفاتح بقه على آخره، كان شبه المومياء الصارخة اللي شوفت ليها صور من فترة، شكله كان مُرعب بكل معاني الكلمة.. اتصلت فورًا بالإدارة وبلغتهم وجت الشرطة تحرر محضر بالواقعة، وتم التحفظ على الجسمان وبعتوا يجيبوا دكتور يشرح ج.ثة عوض لاكتشاف سبب الوفاة لأني كنت مشتبه فيه..
بس كنت عارف ان مع تقرير الطب الشرعي هيظهر إني مش الجاني، وقتها وبالصدفة لقيت دفتر فيه أسماء وأرقام دكاترة تشريح كانوا شغالين في المشر.حة دي قبل كدا.. وبدون وعي اتصلت مرة واتنين وتلاتة، وكنت بسألهم كلهم عن عوض، والكل أجزم إنه مجنون سا.دي بيض.رب الج.ثث ويعذبها ويتعامل معاها بخشونة، وده لأنه هنا بيعتبر كببر أكبر عيلة في المنطقة، إنسان غريب والكل بيتحاشاه من الأساس، حتى مجلس الإدارة اللي يعتبر ضيوف على البلد، وعوض كان عنده مرض إنه بيعتبر نفسه إله، من حقه يض.رب فلان ويعذب فلان بل ويقتل فلان، عيلة كلها من المطاريد وقتالين قتلة..
وطلع التقرير إن الراجل مات بسكتة قلبية وهبوط حاد في الدورة الدموية، وطبعًا فضلت يوم كامل مستني التقرير اللي طلع بالليل، ووثقت الشرطة المحضر وطلعت إذن الدفن والجثمان يطلع الصبح.. أهله مكنش عندهم أي خبر، والشرطة بلغتنا نبلغهم بكرا عشان لو عرفوا الليلة هيجوا يك.سروا المشر.حة وياخدوه، وفوجئت بنفسي الليلة مع ج.ثة عوض، عوض اللي كنت بخاف منه.. هتصدقوني لو قولت إني حطيته على الطاولة ومسكت العصاية، ونزلت فيه ضـ ـرب وأنا بقول: ـ أيه رأيك يا عوض دلوقتي أنا شايف إنك مشاغب وهتتعبني فبض.ربك..
وصدقًا كنت سامع صوت الج.ثة بتزوم وبتتوجع، صوت كان عامل زي صدى الصوت، حرفيًا خليت رجليه تد.مر من الض.رب، حتى إني ولعت سيجارة وطفـ ـيتها في جسمه زي ما كنت بتخيل، وبعدها رجعته مكانه، وفضلت طول الليل ضميري بيأنبني وكمل معايا تأنيب الضمير لحد شهر كامل، وجالي بعدها أمر رجوع.. واليوم اللي كنت راجع فيه بس عرفت من واحدة ست عجوزة غلبانة كانت بتبيع مناديل عند محطة القطر بالصدفة البحتة إن عوض ده كان ظالم، بل وإن أخوه الصغير هو اللي اغتـ ـصب البنت ولما قاومته قتلها، بس محدش كان يقدر يقول..
وعوض كان عارف جبروت أهله، بل كان ممكن يكون بيض.رب ج.ثة البنت عشان قاومت أخوه، راجل مهووس ومجنون ويستحق اللي جراله، وبصراحة حسيت بارتياح لما افتكرت اللي عملته في ج.ثته.. بس الغريب إني بقالي شهرين وأنا بشرح بحس بحنين وهاجس بيقولي إني أض.رب الج.ثث وأعذبها، وخايف أسمع للهاجس ده في مرة، خاصة إني بشوف دايمًا مشهد وأنا بطفي السيجارة في ج.ثة عوض.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




