روايات

أم شو.ايل للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أمي اتوفت من وأنا صغيرة بسبب طاعون أو وباء تفشى في القرية اللي كنا فيها، ما.تت وأنا لسة مرضعتش منها ست مرات بالعدد، وبعد ما الوباء هدي والدنيا خفت شوية بدأنا نستقر مكانا من تاني، واتطوعت أكتر من ست إنها ترضعني مع أولادها لحد ما أكبر واتفطم، ده اللي اتحكالي وده اللي عرفته..

أبويا من يوم ما ماتت أمي وهو بيحملني مسؤولية مو.تها، بيقول إني شؤم وإني مسافة ما اتولدت الوباء ق.تلها وخسر كمان كتير من ثروته، وبناء عليه كان بيكر.هني، وبيكره كل خالاتي كمان، وحاول أكتر من مرة إنه يوديني أعيش مع واحدة من خالاتي بس مكنتش بكمل هناك وبيرجعوني تاني، ولقى نفسه وكأنه متورط فيا تورط كامل، وسلم للأمر الواقع بس ده خلاه يعاقبني على أبسط حاجة ممكن أعملها..

لحد ما كملت تقريبا ٦ سنين وكان اتجوز وقتها تلت مرات ومكملش معاهم، لحد ما اتجوز في النهاية واحدة ست اسمها نهلة، وعرفت إني من أول يوم وجودها معانا لازم أناديها وأقول ماما نهلة، كنت فرحانة أوي لأني بقا ليا أم غير اللي ماتت، بس اكتشفت بسرعة إني كنت موهومة، لأنها كانت أقسى عليا ألف مرة من أبويا، وكانت أبسط حاجة ممكن أعملها تخليها تعاقبني عقاب شديد، ولو روحت اشتكيت لأبويا تعاقبني عقاب أشد وقدامه، من ض.رب وتلطـ ـيش لتقـ ـطيع الشعر..

كانت بتحبسني في الحمام بالساعات، عشت ١٤ سنة من عمري في كرب وابتلاء، شغالة خدامة عند مرات أبويا، بعمل كل حاجة وأي حاجة، لدرجة إنها في النهاية اقترحت على أبويا إنه يشغلني ويكسب من ورايا، بدل ما أنا باكل وبشرب كدا ومليش أي لازمة أو قيمة في الحياة.. وفعلًا الفكرة لمعت في عنين أبويا، وبقا بيوديني السوق أبيع خُضرة، أصحا من الفجر اشتري الخُضرة وأروح أقعد بيها في السوق من الصبح لحد العصر، وبعدها أرجع على البيت عشان مرات أبويا تسخرني لحد نص الليل شغل في البيت، وفي النهاية أنام زي المقتولة عشان أصحا ويتكرر نفس الموضوع من تاني..

ولما الموضوع كان مكسبه قليل ومش كتير روحت أخدم واشتغل في البيوت، وهناك بدأت المشاكل الأكبر كمان، وأكتر من حد كان بيشتكي مني ومن خدمتي لأبويا ومراته، وبقيت بتعاقب في الشغل وبرا الشغل كمان في بيتي، لحد ما مرات أبويا بدأت تزن على أبويا عشان يتخلص مني تمامً ونهائيًا، بس مكنتش لاقية الدافع اللي يحفزه إنه يعمل ده ويخلص مني..

لحد ما بعتتني في مرة لوحدة تعرفها وقالت إنها هتتبلى عليا إني سرقتها، عشان أبويا يحس بالعار ويتخلص مني، وفعلًا روحت ونضفت ورجعت بيتي وعلى بالليل جت الست ومعاها ناس كتير وقالت إني سرقت الدهب من بيتها، أبويا وقتها ولع من الغضب، وشوفت في عنيه نظرة سفاح قاتل، بس يشاء ربك من وسط كل ده إن بنت الست دي تيجي تجري وهي معاها الدهب وتقول إني بريئة وإن الدهب كان تحت الهدوم، والدنيا هديت عليا بس موضوع الخدمة في البيوت كان لازم ينتهي تمامًا من يومها..

عشان سمعتنا في المكان وكفاية مشاكل لحد كدا، وبدأت مرات أبويا تهدى عليا شوية من يومها، والدنيا بقت أحسن، هي كل اللي كانت عاوزاه إنها متشوفنيش غير وقت النوم، عشان كدا اقترحت إن أبويا يشتري غنم وأنا انزل أرعاهم طول اليوم، ورغم إن الموضوع كان مُرهق ومتعب جدًا إلا إنه كان الحل الأنسب بالنسبالي، وراح أبويا اشترى ٢٠ من الغنم، وبقيت بطلع بيهم يوميًا عندنا في منطقة الجبال يرعوا طول النهار، وعلى آخر النهار برجع أنضف شوية في البيت وأكل واستخبى في أوضتي مخرجش غير تاني يوم..

وعشت مع الغنم والطبيعة أحلى أيام حياتي، بقوا أصحابي، نتكلم مع بعض، نضحك مع بعض، كل حاجة مع بعض فيها، وكنت دايمًا بفضل استهزء بمرات أبويا معاهم، وكنت بسمعهم بيضحكوا، وكرهوها زي ما حكيتلهم، وخروف منهم نطحها في مرة كسرلها قصبة رجلها وفضلت شهر متجبسة وأنا كاتمة ضحكتي بالعافية، ولما فاقت من المرض وقامت وقالت ندبحه قصيت الوبر من على الخرفان كلها عشان متعرفش هو مين فيهم وميتدبحش..

وفضلت على الحال ده سنة كاملة، لحد ما طلعت في مرة وكنت مريضة أوي، نمت تحت شجرة، نمت تقريبًا نص اليوم، ولما صحيت ملقتش خمسة من الغنم، وفضلت طول اليوم بدور عليهم بدون أي نتيجة، ولما رجعت وأبويا عرف كان هيتجنن، قولتله إني أكيد هلاقيهم، بس هو كان عامل زي المجنون..

خيرني بين حاجتين، إما إنه يدبحني أو يرميني في البير البعيد ويتخلص مني، وده كان اقتراح مراته اللي ما صدقت لقت فرصة على طبق من دهب، وأنا من رعبي وخوفي من السك.ينة قولتله يرميني في البير، وفعلًا خدني بالليل ورماني في البير، رماني عشان أمو.ت بالبطيء بدون ما أي حد ينجدني.. …………..

بعد ٤٠ يوم من حادثة البير كان فيه أطفال قريبين من البير بيلعبوا، وأثناء اللعب سمعوا صوت بينادي عليهم من البير، هربوا من الخوف وراحوا بلغوا أهاليهم، والكل بلا استثناء قال إن دي من أفعال الجن، إلا شاب واحد قال إن ممكن يكون حد واقع في البير، وراح هو ومجموعة شباب، ونادوا على اللي في البير ولقوا فيه بنت بترد عليهم، استحلفوها بالله هل هي من الجن ولا الإنس قالتلهم إنها من الإنس..

وطلعوها، طلعوا بنت مرمية في البير من ٤٠ يوم كاملين، هدومها كلها النمل مغطيها، غرقانة في الطين والدود والعقارب بتجري على شعرها، وكان فيه تعبان ضخم واقف في قاع البير معاها، الناس جريوا بيها على المستشفى وهناك فضلت في حالة من التيه لوقت طويل، لحد ما قدرت تتكلم وتحكي كل حاجة..

قالت إنها من يوم ما اترمت في البير وفيه عقربين قرصوها، وبعدها ظهرلها راجل لابس جلبية بيضا مسح على مكان قرصة العقارب وأداها قنينة لبن ومشي، ولمدة 40 يوم كان بيظهر يديها اللبن ويمشي، لحد ما امبارح بس قالها إن انهاردة آخر يوم ومش هيظهرلها تاني لأنها بكرة هتخرج من هنا وقد كان.. أبوها اتقبض عليه من الشرطة وهي قصتها اتشهرت جدًا وخدت بيت من الحكومة واتغنى الشعراء بقصتها وبقوا يستضيفوها في التلفزيون، وبعد ٤ سنين كاملين اتجوزت وعاشت فترة مع جوزها لحد ما توفاها الله بسبب نوبة صرع بعد فترة من زواجها، دي قصة فتاة سودانية اسمها أم شوايل..

القصة حقيقية تمامًا والعُهدة على الراوي، رحمة الله عليها.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى