روايات

أطفال المق.برة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

مراتي وهي في الشهر السادس من الحمل بدأت تشتكي كل شوية من وجع شديد في منطقة البطن، وروحنا كشفنا مرة واتنين وتلاتة وكان التشخيص دايمًا بيقول إن الحمل غير مستقر وإن الموضوع كله في إيد ربنا سبحانه وتعالى، كلامهم كان صعب أوي بالنسبالي وكنت بدعي ربنا كل شوية إنه يعديها على خير لأني بقالي كتير منتظر الطفل ده..

وكانت لينا جارة ممرضة شغالة في مستشفى البلد اسمها مروة كانت بتيجي تتابع مع زوجتي بحُكم الجيرة، أو يمكن بحُكم إنها كانت بتحبني زمان، بس أنا لقتها لا تصلح كزوجة واتجوزت مراتي دي، وشكلها لسة مش ناسية حبها القديم فبتحاول تقرب مننا بأي طريقة، بس أنا مكنتش مركز، كل اللي كان يهمني إن الحمل يكمل ومراتي تقوم بالسلامة..

لحد ما جت الليلة الأسوأ في حياتي لما مراتي تعبت تعب كبير أوي وحصلها نزيف، خدتها وجريت على الطوارئ وأنا قلبي هيتخلع من مكانه عشان تدخل للعمليات فورا، واستنيت، استنيت كتير أوي لحد ما جالي الخبر اللي خلاني أقع من طولي، مراتي حصلها إج.هاض والجنين اتوفى عشان هي تعيش، ولأول مرة أبكي قدام الناس، أبكي بحرقة على ابني اللي كنت مستنيه بكل الطُرق بس للأسف ربنا كان له تدبير تاني..

دفنت ابني اللي كان عبارة عن حتة لحمة حمرة، وقامت مراتي وهي في حالة إعياء شديدة جدًا، فضلت جمبها تلت أيام بتسند عليها وبتتسند عليا لحد ما أمها استأذنتني تاخدها معاها عشان تقدر ترعاها لأن شغلي هيمنعني من ده، وبالفعل راحت مراتي مع أمها وفضلت أنا في الشقة لوحدي مع شوية ذكريات قادرين يوقعوني مريض في الفراش لأيام، وده لأني فضلت تلت سنين بحلم باليوم ده ومستني اليوم اللي هشوف فيه ابني..

وملقتش حل غير إني أتوجه لربنا بالدعاء والشُكر وإني أصبر قدام أقداره بكل أدب وخضوع، في الوقت ده بدأت مروة تتصل تطمن على مراتي، وبلغتها إنها راحت عند أمها وحاولت أقفل المكالمة، بس كانت لسة بتتودد، لسة عندها أمل إن قلبي يلين عشانها، بس أنا كنت قفلت الموضوع ده للأبد، خاصة لما أدتها فرصة زمان ولقتها استغلالية ومعندهاش أي دين أو مبادئ وممكن تعمل أي حاجة بسهولة..

دخلت عشان أنام بدل ما أسيب نفسي فريسة للتفكير الغريب ده، بس للأسف معرفتش، معرفتش أبدًا، كنت حاسس بضيق، حاسس إني هتخنق من التفكير، ونزلت من الشقة وبدأت اتمشى في البلد شوية اللي كانت كلها هدوء وسكينة.. بلدنا كانت مبنية بطريقة مختلفة شوية، كنت عشان توصل للمخرج بتاعها لازم تعدي على المقا.بر نفسها، وكان فيه شارع صغير قاسم المقا.بر نصين كنا بنعدي منه ونكمل للطريق السريع، وفي النهاية قررت أروح أقعد على القهوة اللي على مدخل البلد شوية، وفعلًا روحت قعدت حوالي ساعتين بس محستش بأي فرق يُذكر وقررت أرجع من تاني..

وأنا راجع كانت البلد زادت صمت وبقيت تسمع صوت خطواتك وأنت ماشي، لحد ما وصلت لشارع المقا.بر اللي بعدي من خلاله عشان أكمل لبيتي، ووسط سرحاني وشرودي سمعت صوت همس غريب جاي من قلب المقا.بر، كأن فيه حد بيوشوش حد، وقفت مكاني وكتمت أنفاسي عشان أسمع الصوت كويس بس مقدرتش أميز أي حاجة، قررت أكمل مشي عشان أسمع من تاني صوت الوشوشة بس كان وكأن في وداني.. ـ بابااااااااااا.. حسيت إن جسمي كله اتنفض، الصوت كان واضح تمامًا، وكأن اللي بيتكلم على جسمي، وكأني شايل طفل صغير، بس بعدها الصوت بدأ يبعد من تاني، وبدأ يردد تاني..

ـ بابااااااااااا.. ـ بابااااااااااا.. حسيت إنه بيستدرجني عشان أدخل لقلب المقا.بر من جوة، بس مقدرتش من الخوف، وخرجت بسرعة من المكان وأنا قلبي بيدق وبتنفس بخوف شديد، ورجعت شقتي وأنا بحاول أتمالك أعصابي واعتبرت إن كل اللي شوفته ده كان مجرد وهم وخلاص، بس الغريب إني حتى لما نمت بدأت أسمع من جديد الصوت بيتردد في أحلامي.. ـ بابااااااااااا.. ـ بابااااااااااا.. وشوفت نفسي واقف في أرض فاضية وفيه طفل صغير واقف قدامي وعمال يعيط بهيستريا، قربت منه في الحلم وأنا مُشفق عليه جدًا، طبطبت على ضهره وسألته :

ـ بتبكي ليه يا حبيبي؟! لقيته وقتها بص ناحيتي وقال: ـ بابااااااااااا.. عض بأسنانه بكل عنف على كف إيدي، صحيت من نومي مذعور وأنا حاسس بوجع شديد في كف إيدي، ووسط خوفي ده بدأت أسمع صوت حاجة بتزحف تحت السرير، جسمي كله وقتها اترعش ومقدرتش أقوم من مكاني أبدًا.. مسكت الموبايل وشغلت قرآن لحد ما الصوت اختفى وكل حاجة رجعت طبيعية، بس الغريب إن تاني ليلة وقبل ما أنام بدأت أسمع الصوت من تاني بيتردد..

ـ بابااااااااااا.. كان بيتردد زي صدى الصوت وجاي من بعيد أوي، بصيت وقتها من شباك الأوضة وحاجة قالتلي إن الصوت جاي من المقا.بر، وكأن فيه حاجة عاوزاني أروح هناك بأي طريقة، حاولت أتجاهل الأصوات بس كانت بتزيد يوم بعد يوم وبطريقة مُخيفة.. ومن كتر الكوابيس اللي كانت بتهاجمني في الأيام دي قررت في النهاية أروح وأشوف فيه أيه، خاصة إني كنت قارئ إن فيه رسايل بتوصلنا من العالم التاني ومينفعش نتجاهلها بأي طريقة، وعلى بالليل مشيت ناحية المقا.بر وأنا جسمي كله بيتنفض من الخوف، وأول ما دخلت لنص الشارع سمعت النداء من تاني..

ـ بابااااااااااا.. ـ بابااااااااااا.. وقتها بس دخلت لقلب المقا.بر والأضرحة وأنا قلبي بيدق بعنف، عمال أردد الأذكار وادعي ربنا إن كل حاجة تعدي بدون أذى، بس الغريب إني كنت كل ما بقرب كان الصوت بيوضح أكتر وأكتر، لحد ما فجأة ومن وسط الظلام شوفت طفل، نفس الطفل اللي كان واقف في الحلم، كان بيشاور ناحية ق.بر ضخم، واختفى من قدام عنيا في لحظة، حسيت وقتها إن شعري بيشيب من الرعب ده، خاصة مع الظلام والصمت وأضرحة القبور..

قربت من الق.بر وبدأت أسمع صوت بكاء أطفال كتير أوي من الق.بر ده، قربت منه وافتكرت، افتكرت إن الق.بر ده قديم جدًا ومحدش مدفون فيه، خاصةً إن مفيش ولا اسم محفور عليه، بس الغريب إن الق.بر كان فيه جزء متهدم منه، جزء صغير يعدي إنسان لجوه الق.بر بالعافية، وبأنفاس مضطربة قربت من الجزء المتهدم ونورت فلاش الموبايل..

وكانت الصاعقة اللي خلت قلبي يتنفض مكانه، شوفت أطفال قاعدين على أرضية الق.بر في حجم القطط الصغيرة تقريبًا، وكانوا كلهم بيبصوا ناحيتي بثبات مُخيف، كنت هقع من طولي وخرجت أجري وأنا مرعوب، ورجعت شقتي وأنا حاسس إني همو.ت، بس الغريب إن ليلتها شوفت حاجة غريبة أوي، شوفت مروة الممرضة قاعدة في الأرض الواسعة وسط الأطفال وماسكة مشرط وعمالة تقطع في أجسامهم.. وصحيت، صحيت وأنا هتجنن، حاسس إني شوية وهفقد عقلي، ومن يومها بدأ النداء يتغير، بدل كلمة..

ـ بابااااااااااا.. بقت كلمة.. ـ مروووووة.. ـ مروووووة.. وفضل النداء ينادي لتلت أيام كاملين، لحد ما قررت أشوف مروة دي عملت أيه، قررت أكمل في المسار اللي اترسم ليا، كلمت مروة اللي استغربت اتصالي وبدأت اشتكي إن أنا حزين وإني عايز أفضفض لأي حد، وهي ما صدقت واتقابلنا أنا وهي في مطعم، اتغدينا وقعدنا على كافيه نتكلم شوية، كنت بحاول بأي طريقة أعرف هي مخبية أيه وليه النداء بيجي باسمها، ومكنش قدامي حل غير إني أفتش في موبايلها..

وقدرت بخدعة بسيطة أسجل برقمها على موبايلي وأغير الباسورد من خلال رمز وصل على موبايلها اللي كنت بعمل منه مكالمة بحجة إني مش معايا رصيد، وفي لحظة فتحت الماسنجر وأنا في الحمام وبدأت أفتش وراها.. كان الجنون كله ومن أول محادثة كأن القدر بيوريني الحقيقة بسرعة غريبة، كانت فيه محادثة بينها وبين صاحبتها اسمها عبير، مروة كانت شغالة في المستشفى من تحت بير السلم مع دكتور في عمليات إج.هاض، وكان ليها زباين كتير، وكانت بترمي جثث الأطفال المجهضة في ق.بر من القبور وهي مروحة، وقدرت من كلامهم استشف كل الأحداث دي في تلت دقايق بس..

قدرت أفهم إنها بترميهم في الق.بر إياه اللي كنت عنده، بس اللي صدمني كانت كلمة صاحبتها: ـ وحبيبك ده مش ناوي يلين بقا.. ـ شكله عنيد بس أنا مش هسيبه، خليت مراته تجهض بالأدوية، ومش هسيبه غير لما يطلقها ويتجوزني ولو بعد مية سنة.. وقعت من طولي على الأرض وأنا مش مستوعب، هي اللي أجهضت مراتي بالأدوية بما إنها اللي كانت بتابع معاها، عشان كدا ابني كان بيتواصل معايا عشان انتقم له وانت.قم لكل الأطفال اللي اتسببت في إج.هاضهم، شيطا.نة ولازم تمو.ت بأي طريقة..

وفكرت، وفكرت، وفكرت، لحد ما رجعتلها وهي كانت مبتسمة ومنتظراني، اتكلمنا شوية وعلى بالليل قررنا نرجع، وعدينا من طريق المقا.بر وبدأت أسمع من تاني صوت.. ـ بابااااااااااا.. وطلبت منها بحزن وقتها تدخل معايا لقلب المقا.بر نقرأ الفاتحة على ابني في ق.بره، الغريب إنها دخلت كأنها مبتهابش المقا.بر، مهي متعودة بقا، واستدرجتها لحد الق.بر اللي بترمي فيه الأطفال، وبدأت ألاحظ عليها التوتر الشديد، وقبل ما تستوعب أنا بعمل أيه ض.ربتها بحجر على دماغها لحد ما وقعت من طولها، وشلتها ودخلت جسمها من فتحة الق.بر عشان تدفن مع كل طفل ق.تلته بإيديها، وعشان انتقم لمو.ت ابني..

وهربت، بس وأنا بهرب من المكان سمعت صوت استغاثات منها وصوت آهات مُخيفة، ومن يومها مظهرتش، واختفت كل الأصوات تمامًا، ورغم إني ق.تلتها بس مش مُشفق عليها إطلاقًا، وشايف إنها تستحق الأبشع من كدا، اللي تمشي في سكة الشيطان عشان الفلوس تستحق، اللي تق.تل طفل في بطن أمه عشان رغباتها تستحق، اللي ميرضاش بالقدر ويحاول ياخد حاجة مش بتاعته غصب، هيتحرق في النهاية بنار القدر.. حاجة تعلمني إني اللي مخدتوش بعد الأخذ بالأسباب يبقا خلاص مش بتاعي، ومينفعش أحاول أخده بالطرق الحرام أبدًا..

[فَأَمَّا الْإِنسَانُ إِذَا مَا ابْتَلَاهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَنِ ۝ وَأَمَّا إِذَا مَا ابْتَلَاهُ فَقَدَرَ عَلَيْهِ رِزْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَنِ] سورة الفجر بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى