روايات

الذكر والأنثى للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من تلت دقايق بس سمعت أسوأ الشـ,ـتايم اللي ممكن تسمعها في حياتك وكلها متوجهة ناحيتي أنا، ولو أنت متخيل إني هروح أضـ,ـرب وأتخـ,ـانق مع اللي كان بيشتـ,ـمني فأنت موهوم، لأني بعد دقيقة واحدة هكون برقص وسط الناس على المركب والمفترض إن ضحكتي تكون على آخرها وأتغلب على أي ست ممكن ترقص قصادي رغم إني المفترض يعني أنتمي لمعشر الرجال..

قصة معقدة وغريبة، بل ممكن تكون أغرب قصة هتسمعها في حياتك، بس مش هقدر أحكيها إلا لما أخلص النمرة بتاعتي، طلعت على المركب وسط النيل واشتغلت الأغاني وبدأت أرقص، وعيون الكل بتراقبني وألف ألف كلمة مزروعة جوة كل العيون، الرجالة بيضحكوا بسخرية، العيال بيتحـ ـرشوا بيا، والستات شايفين قدامهم مسخ مش معروف ده راجل ولا ست..

اتولدت في عزبة مشهورة في القاهرة، أبويا اتوفى قبل ما اتولد وأمي اتجوزت واحد تاجر مخـ ـدرات، واشتغلت عنده عبد بالمعنى الحرفي، عبد لشهـ ـواته ونـ,ـزواته، كنت بجهز كل قعدات الكيف اللي بيقعدها مع أصحابه، وكانوا بيتعاملوا معايا على إني بنت مش ولد، سنين طويلة لحد ما طردني من البيت لما زهق مني ولقيت نفسي مرمي في شوارع القاهرة..

بقيت بقعد ٢٤ ساعة على النيل أتسول، وبقيت بساعد أصحاب الفلوكة (المراكب) عشان يدوني أي فلوس، لحد ما في مرة ركب ٣ شباب كانوا يعرفوني الفلوكة وشافوني، وبدأوا ينادوني بفاتن ويضحكوا، وسمعهم صاحب المركب وقالي أدخل أرقص وسط البنات عشان أجذب الناس وهيتعملي مرتب.. وللأسف مكنش فيه خيار تاني، أو أنا اللي كنت زي الأعمى باصص تحت رجلي، من بعد المغرب كانت الفلوكة تقف على شط النيل تشغل أغاني والبنات ترقص بأقـ,ـذر الرقصات الممكنة عشان الناس تتجمع ويركبوا، وتتحرك الفلوكة وتلف نص ساعة في النيل وترجع بعد ما صاحبها يلم فلوس محترمة، وركزت في شغلي لحد ما اتشهرت وبزيادة..

وبقيت برقص أحسن من أي بنت، وبتعامل كأني بنت، وبيتحـ ـرشوا بيا أكتر من أي بنت موجودة، قرد بصديري وكل الناس بتتسلى بيه، ومع الوقت ولسبب غريب جسمي نفسه وكأن هرموناته اختلت تمامًا وبدأت تظهر عليا معالم الأنـ,ـوثة، تخيل بعد سنتين بقا شكل جسمي أنثى وغير متناسق مع بعضه، والوجه وجه ذكر مشعر أي حد يبصله يقرف منه، وكأن النفسية ممكن تغير حتى من هرمونات الجسم..

بسمع بوداني كلمة (مسـ,ـخ) (الواد البت) (الواد الشـ ـاذ) واكتشفت إن ممكن العـ ـاهرة تتحمل كل الكلام ده وميأثرش فيها أوي، إنما أنا كنت بتأثر فوق ما تتخيل، كنت بخلص يومي وأفضل أجـ,ـرح نفسي بالموس لحد ما أشوف الدم بينزل مني عشان أرتاح، تمنيت أرمي نفسي في النيل أكتر من مرة، أقطع شرايــ ـيني، أعمل أي حاجة في نفسي، بس كنت أضعف من إني أعمل كدا..

نفسيتي هشة أكتر مما تتخيل، وبقيت بحقد على أي شاب لمجرد بس إن جسمه متناسق ويتشاف يتقال عنه راجل عادي، أما أنا من شكلي بس كنت بشوف نظرات القرف والتقزز في عيون الناس، فكرت أكتر من مرة ألبس زي البنات وأخبي وشي، لأن جسمي وكأنه بنت أكتر منه راجل، بس كان هيكون أصعب عليا بمراحل.. وكرهت الناس، كرهتهم يوم بعد يوم، وبقيت بتمنى من قلبي أعذبهم عذاب لا يُطاق، أشوف في عنيهم الخوف مني وبس، أو حتى الرهبة، طيب شوية احترام، لحد ما جت الليلة الأغرب في حياتي..

كنت برقص على المركب والكل بيناديني بفاتن زي العادة لحد ما عيل بدأ يضـ,ـربني بالعصاية على جسمي كله، وشوية وكل العيال بدأت تركب على كتفي ويقولوا (شي يا حمار) والقواعد بتقول إني أضحك وأكمل رقص، وبدأت الدموع تنزل من عنيا وأنا برقص، دموع كتير أوي، ومع ذلك بتكلم بميوعة زي البنات، ممنوع أعمل غير كدا، حتى لو هتجيلك جلطة بسبب كتم مشاعرك..

وبعد ما انتهى اليوم وقفت على سور الكوبري وأنا براود نفسي أبقا شجاع ولو لحظة واحدة في حياتي وأرمي نفسي من فوق، ولأول مرة اتغلب على خوفي فعلًا وكنت خلاص هعملها، لولا إن حد مسكني، كان راجل غريب وشكله مُخيف، دقنه قصيرة ومدببة وعنيه جاحظة ومبترمش خالص وسنانه مكسرة، سحبني بعيد وسألني عن سبب اللي بعمله ده، كنت عايز أبكي بس خوفي منه تغلب عليا أكتر ومقدرتش أعمل أي حاجة قدامه..

لقيته بيحكي عن كل اللي جوايا، وإني بتمنى فعلًا الناس تهاب مني وتحترمني، وإنه يقدر يقدملي ده بس أسمع كلامه، ورغم خوفي منه مسكت فيه بإيدي وسناني، هل فعلًا ممكن أشوف نظرة احترام أو حتى هيبة مني، بدل نظرات الاحـ,ـتقار والسـ,ـخرية والاشمـ,ـئزاز دي.. وطلعنا على مقابر مشهورة أوي في القاهرة، وبالأخص في مصر القديمة، قالي إني هبات عنده وهيورثني العِلم الأحمر اللي هيخليني فوق كل الناس، وزي المجـ ـذوب مشيت وراه، مكنتش بفكر في أي حاجة غير إن الناس تهاب مني وبس، أنتقم لنفسي ولكرامتي من كل لحظة وكل كلمة سمعتها..

وعرفت إنه طالب للعلم الروحاني، وإنه بيفتش عن العلوم الروحانية اللي مش أي حد يقدر يعملها، وإنه بيقدر يسخر خُدَام من الجِن مش أي حد يقدر يسخرهم، ولو أنا سمعت كلامه هيعمل ليا خدمة تحققلي أي أمنية ممكن أتمناها في حياتي، وبدأت الخِلوة عشان أتطهر من حياة الدنيا زي ما بيقول.. فضلت محبوس عـ,ـريان في أوضة لمدة ٤٠ يوم كاملين، باكل تمر ولبن طعمه غريب، وبقضي حاجتي في جردل كبير، ممنوع أشوف نور الشمس، وممنوع أقول إني متضايق أو أطلب الخروج..

٤٠ يوم خسيت فيهم وبقيت هيكل عظمي، ٤٠ يوم عدوا عليا وكأنهم ٤٠ سنة، بس لما خرجت الوضع كان مختلف تمامًا، بقيت بسمع أصوات غريبة في الجو، وبقيت بشوف خيالات في كل مكان، وفهمت منه إني بقيت مهيئ عشان تكون ليا خِدمة، بس لازم أكمل الطقوس، ومينفعش طالما بدأت طقس إني أقف.. تاني حاجة فوجئت بيه بيدخلني جوة قبر وبيسبني فيه تلت ساعات كاملين، تلت ساعات وأنا مرمي على رملة القـ,ـبر، حاسس بملمس العضم وشامم ريحة المـ,ـوت، لحد ما خرجت وأنا شعري أبيض وتايه زي المجانين..

وفضلت معاه أسبوع كمان لحد ما في النهاية قالي إن بكرة هتتم مراسم الخدمة وهيبقا ليا خُدَم من الجِـ,ـن، ونمت، نمت زي المقتول، بس فوجئت وأنا نايم بقزم شكله بشع، عنده عين عورة وأقرع بيصحيني بقسوة وبيشدني بعنف، قمت معاه وأنا مرعوب لقيته بيفتح كتاب وبيدهوني، وقرأت.. قرأت جملة رعبتني: ـ تتم التضحية بخنثى، لا هي من الإناث ولا من الذكور صبيحة يوم الجمعة على غير طهارة، وبعدها يتم إبرام العقد..

ووقع الكتاب من إيدي، رجعته مكانه وملقتش القزم جمبي، رجعت الأوضة وأنا مرعـ,ـوب، بكرة الجمعة، بكرة الراجل قالي إنه هيسخـ,ـر الخُدَّام، بس يعني أيه هيضحي بخنثى، الخنثى دي هي مزيج بين الذكر والأنثى، يعني كان بيستخدمني في أسحاره، عايز يقـ,ـتلني عشان يعمل طقس سحري.. خبيت في إيدي سـ,ـكين واستنيت وأنا مرعوب، وأول ما لمحت في عيونه الغدر طعنته طعنة مـ,ـوت وهربت، هربت من البيت كله وجريت في الشوارع، بجري ناحية النيل عشان أنهي حياتي كلها، بس وأنا بجري خبطت في راجل قوي ووقعت من الخبطة، كنت هزيل وبترعش ومش قادر أتكلم..

لقيته بيطبطب عليا وبيسألني عن سبب رعبي وازاي بجري وسط العربيات بالطريقة دي، وأول ما بصيت في عنيه خوفت، كان راجل بدقن طويلة بيضا وعنيه سودة وشكلها مُرعب، طمني وخدني معاه في عربيته لسبب مجهول، قولتله إني رايح أقـ,ـتل نفسي، وإني خلاص مش هقدر أعيش تاني في الدنيا.. سحبني بهدوء وخدني معاه ناحية المسجد، وكانت أول مرة من سنين طويلة أدخل المسجد، وقفت على الباب زي الصنم مش عارف أدخل، طمني إن كل حاجة هتكون بخير وطلب مني أتوضى وأصلي معاه الجمعة وبعدها هنتكلم..

وسمعت الخطبة، الخطبة اللي خلتني أبكي وسط الناس بصوت عالي، الخطبة اللي كان عنوانها (الله لطيف بعباده) وبعد ما صلينا قعدنا أنا وهو وحكيت كل حاجة، ٣ ساعات كاملين سمع مني فيهم كل حاجة تفصيلًا..

في النهاية قالي إنه شيخ من مشايخ الأزهر بيعالج بالقرآن، وشاف إن فيه أذى فيا عشان كدا قرر يسمعني، كلمني عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، وقالي ازاي إنه اتحول من قمة الكفر لأفضل ثاني رجل في أمة محمد ﷺ، كلمني عن خالد بن الوليد وازاي بعد ما كان بيقتـ,ـل المسلمين بقا سيف الله المسلول، قالي إن أي إنسان في الدنيا بعد الاستعانة بالله قادر يغير حياته كلها للأحسن مهما كان، والغبي بس هي اللي بيستسلم لمصيره بدون ما يحارب..

وإنك سهل جدًا في لحظة واحدة تخرج من قاع الجحيم لقمة النعيم، وذكرني برحمة ربنا اللي تجلت في جن من خدام الساحر قرر يغدر بيه ويعرفني بمصيري عشان أنجو من الفخ ده، ورحمته اللي تمثلت إني أقابله ويكلمني، واتغيرت لدرجة لا يمكن تصورها؛ بقيت بصلي الفرض في المسجد، أجرت شقة واشتغلت في الأزهر، حفظت كتاب الله وربيت لحيتي.. نفسيتي ارتاحت تمامًا وهرموناتي الذكورية اشتغلت تاني، لعبت رياضة لمدة تلت سنين وبقيت بدخل بطولات كمان، بقيت بسمع بوداني الناس بيقولوا عني إن الراجل ده نظراته كلها رهبة وبقوا بيحترموني احترام مبالغ فيه، وقريب كمان هتجوز زي أي إنسان طبيعي..

يمكن كانت تجربة قاسية بس اتعلمت منها كتير، اتعلمت إن مهما كنت فأنت قادر بقدرة الله تخرج من اللي أنت فيه، واحد مدمن مخـ ـدرات، ست واقعة في مستنقع الخيانة، واحد بيـ ـزني ليل نهار، واحد بياكل حرام، واحد حياته كلها متدمرة، أعتقد استحالة هتكون حياتك كانت أسوأ مني أنا، أنا اللي مكنتش أصلًا عارف أنا راجل ولا ست.. لو توكلت على الله بحق هتتحول ١٨٠ درجة وهتبقا أحسن إنسان في الدنيا، ولو مقدرتش فلا تلومن إلا نفسك..

[وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ] سورة الطلاق بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى