روايات

زيارة المي.ت للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كنت بلعب أنا وصاحبتي بعد الضهر قدام البيت رغم إن الجو كان حر بطريقة شديدة أوي، وتقريبًا كان الشارع كله فاضي مفيش فيه غيرنا أحنا الاتنين، ورغم إن أمي فضلت تنادي عليا بس عملت نفسي مش سامعة وكملت لِعب.. ووسط ما كنا بنلعب اتفاجئنا باتنين ستات لابسين أسود في أسود، عباية صوف تقيلة وغريبة في جو حر زي ده، وكأن اللي لبساها مش حاسة بالنار اللي في الجو أو يمكن بتنت.حر، لقتها قربت مني بهدوء وقالتلي:

ـ فين مدخل المقابر يا حبيبتي؟؟ صاحبتي بصتلها بخوف لكن أنا تشجعت وشاورتلها على آخر الشارع، شكرتني واتحركت هي والست اللي معاها، شوية وبصت ناحيتنا تاني وقالتلي: ـ تحبي تيجي تقرأي الفاتحة معانا على أمي اللي اتوفت وتاخدي ثواب؟؟ وقتها حسيت بتردد غريب، أول مرة حاجة زي دي تتطلب مني، وفي نفس الوقت كنت لسة طفلة عشان تبقا عندي القدرة على الرفض أو التفكير في إن ده ممكن يتسبب ليا في مشاكل كبيرة، ولقيت نفسي ببتسم وبهز راسي يعني”ممكن طبعًا”، صاحبتي خافت بس أنا قلتلها:

ـ دول أغراب عن هنا وممكن يتوهوا إنما أحنا حافظين المقابر هندخلهم ونقرأ الفاتحة معاهم ونخرج تاني عادي.. وفعلًا أقنعتها واتحركنا معاهم لقلب المقابر، دخلنا لجوا وغصب عننا بدأنا نحس بالخوف، المقابر في حر الصيف بتبقا مُرعبة أكتر من نص الليل للي مش عارف، صاحبتي سألت الست إن كانت عارفة مكان المقبرة اللي هتقرأ عندها الفاتحة بس الغريب إنها مردتش عليها من الأساس..

شوية ولقيت صاحبتي (عزة) بتتنفض وعمال تعض في دراعي، بصيت ناحيتها بغضب لقيتها بتشاور على جلبية الست اللي ماشية قدامنا، بصيت عشان أفهم هي بتشاور على أيه أو عايزة تلفت انتباهي لأيه، بصيت بخوف ناحيتها وشوفت حاجة من أغرب الحاجات اللي ممكن حد يشوفها في حياته، جلبية الست كانت بتطلع دخان وكأنها بتولع، ومع ذلك الست ماشية عادي خالص ولا كأن فيه أدنى مشكلة..

صاحبتي خدت ديلها في سنانها وطلعت تجري وأنا وقفت مكاني، هي قدرت تهرب بس أنا مكنتش قادرة، وفي اللحظة دي الاتنين بصوا عليا وسألوني ليه صاحبتي جريت، مقدرتش أنطق وفضلت أشاور على جلبية الست، لقتها مسكتني من إيدي بقوة وقالتلي: ـ يالا عشان قربنا نوصل خلاص.. مشيت معاها ودموع الخوف بدأت تنزل من عيني، حاسة إن الست دي هتعمل فيا حاجة مش كويسة، أقلها إنها هتأذيني، وفي اللحظة دي بدأت أفتكر كلام أمي وازاي مينفعش أمشي مع الأغراب ولا أتكلم معاهم، وفي الوقت ده لقتها بتشاور على مقبرة وبتقول:

ـ يالا أحنا وصلنا.. بصيت للمقبرة وبقيت مش فاهمة حاجة، اتكلمت بخوف وقلت: ـ بس دي المقبرة اللي اتدفن فيها أبويا، مش مقبرة والدتك.. لقتهم الاتنين ابتسموا، وفي اللحظة دي لقيت نفسي قادرة أهرب، جريت زي الرهوان لحد ما خرجت من المقابر كلها ومنها للبيت ومخرجتش منه طول اليوم، فضلت قاعدة بترعش وخايفة في أوضتي ومش مصدقة اللي ممكن أكون شوفته، بس روحت ولا جيت فأنا برضه طفلة وغصب عني هنسى الموضوع وهبقا عايزة أخرج ألعب مرة تانية وحياتي تكمل..

وبعد يومين تقريبًا وأنا بلعب ومندمجة في اللعب قدام البيت اتفاجئت بنفس الستات الاتنين تاني واقفين على راسي، جسمي كله قشعر أول ما شوفتهم، لقيت واحدة منهم قالتلي: ـ بقالنا كتير مقرأناش الفاتحة مش يالا بينا بقا.. وقبل ما تكمل كلامها كنت دخلت البيت وقفلت الباب من الخوف اللي أنا فيه، وقعدت أعيط في صمت وألف حاجة مقيداني من إني أروح أحكي لأمي، أبويا الله يرحمه هو الوحيد اللي كنت بقدر أحكيله كل حاجة مخوفاني وكان بيشيل الخوف من قلبي بكلمتين منه بس..

إنما دلوقتي أنا لوحدي خالص، لوحدي بطريقة تخوف، وبالليل وأنا نايمة فوقت على صوت اتنين ستات بيتكلموا في الأوضة بتاعتي، فتحت عيني وأنا مش فاهمة لقيت نفس الاتنين ستات واقفين جوة أوضتي، ولقيت واحدة بتقول للتانية: ـ لا هي محترمة وبتسمع الكلام وهتيجي معانا.. ولقتها بصت ناحيتي بصة جمدت الدم في عروقي وقالت: ـ مش كدا ولا أيه.. واستخبيت تحت الملاية، وفضلت أعيط من الخوف لحد الصبح تقريبًا، بقيت محبوسة في البيت خايفة أخرج، وبدأت مذاكرة في الفترة دي، بس غصب عني كنت بلاقي مكتوب جوة الكراسة بتاعتي

ـ بابا عايز يشوفك أطلعي عشان نروح مع بعض.. أحداث ومواقف تشيب مكنتش أتخيل إني أتعرض ليها وأنا مجرد طفلة لسة بتشوف الدنيا، لحد ما كنت راجعة مرة من المدرسة وقابلوني من تاني، وأصروا إنهم ياخدوني من تاني لقبر أبويا، ومشيت معاهم وأنا تقريبًا ببكي، بس الغريب إني الناس في الشارع كانوا وكأنهم مش شايفين الطفلة اللي بتعيط، أو فاكرينها ماشية مع أمها وخالتها ومش من حقهم يسألوا عن سبب بكائها..

لحد ما وصلنا من تاني لقبر أبويا، ولقتهم بيطلبوا مني أفتح الباب عشان أسلم عليه، وقتها بس كانت قوة تحملي شبه أنهارت وهربت منهم مرة تانية، بس هربت وأنا خلاص أعصابي فلتت مني، مبقتش قادرة أتحمل الرعب اللي أنا عايشة فيه ده، قعدت قدام البيت أعيط، وأمي كالعادة غافلة عني تمامًا ولا كأنها هنا.. ووسط بكائي فوجئت بكف إيد بيتحط على كتفي، بصيت لقيته (عم حامد) صاحب أبويا الله يرحمه، الاتنين اللي كانت روحهم في بعض، طبطب عليا وسألني:

ـ مالك يا غالية يا بنت الغالي؟! فضلت أكمل عياط ومبقتش عارفة أتكلم، وكأني فقدت القدرة على الكلام، بس أسلوبه كان شبه أبويا، بل نظرات عنيه كانت زي عنين أبويا بالظبط، وده خلاني أتشجع وأتكلم بعد ما صبر عليا يجي خمس دقايق، وحكتله كل حاجة، الستات اللي بيظهروا وياخدوني لقبر أبويا، ولحد ما طلبوا مني أفتح القبر.. لقيته أحتار أوي وقالي: ـ أنا يا بنتي بشوف أبوكي بينادي عليا كل ليلة بس كنت بكذب الحلم، ودلوقتي استحالة أكذبه..

طمني وقالي إنه هيتصرف، وفعلًا خد اتنين من قرايبه وراحوا على المقابر كأنها زيارة وراحوا ك.سروا القفل بتاع المقبرة وفتحوها، وكانت الصدمة لما ملقوش أبويا ولا جثته وهو مدفون من شهر واحد بس.. عم حامد كان بيعتبر أبويا أكتر من أخوه، عشان كدا قرر يشوف الموضوع ولو هيكلفه روحه، راح لسميح التُربي وهدده بالمو.ت أو إنه يبلغ عنه لو مقالش ج.ثة أبويا راحت فين، بدأ وقتها يتوتر ويقلق ولما هددوه أكتر قال أسألوا مراته، اللي هي أمي..

وقتها عم حامد عرف إن فيه لعبة كبيرة اتلعبت، وراح على القسم فورًا بلغ عن الموضوع كله واستدعوا سميح اللي قال إن بعد دفن الحاج أبويا بتلت أسابيع مراته وأخوه اللي هو (عمي) طلبوا منه يطلع الج.ثة يدفنها في مكان بعيد عن المقابر وهما هيدفعوله كتير، وأكتر من كدا هو ميعرفش حاجة.. واستدعوا أمي، وعم خالد أخو أبويا وبدأت سلسلة تحقيقات وواجهوهم بأقوال سميح، وهناك ظهرت النتيجة الكارثية..

أبويا الراجل الشيخ المتدين اتلعبت عليه لعبة قذرة من أمي وأخوه اللي كان شاب وشكله وسيم، قامت علاقة بينه وبين أمي وبعدها قرروا يخلصوا من أبويا وياخدوا البيت كله وبعدها يتجوزوا بحِجة إنه عشان يربي بنت أخوه اللي هي أنا، بس بعد ما ق.تلوه بطريقة تبعد عنهم الشكوك ودفنوه بدأت تحصلهم أحداث مُخيفة وغريبة، عشان كدا أمي كانت من وقت للتاني بتصرخ بالليل وأنا مش فاهمة ده أيه، ولما راحوا لدجال قالهم لازم الج.ثة تد.فن برة قبرها عشان ترتاحوا من الزيارات دي، وفعلًا كلموا سميح وخرجوا الج.ثة دفنوها بعيد..

وبدأ الاتنين ستات دول يظهروا وياخدوني للقبر كل شوية عشان أكتشف اللي حصل، هما مين وجم منين معرفش، لما الحكاية اتعرفت قالوا دول من الجِن، وبعض الناس قالوا دي دعوة الشيخ اللي كان بيدعيها ليل نهار (اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك).. وفعلًا ربنا استجاب وستره في حياته وفي مو.ته وردله حقه ورجع جثمانه لقبره من تاني، يمكن مقدرتش أتخطى الأزمة دي سنين طويلة، بس بقيت بردد على لساني ليل نهار، (اللهم استرنا فوق الأرض وتحت الأرض ويوم العرض عليك)..

الله يسامحك يا أمي ياللي بعتي آخرتك كلها عشان نزوة.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى