روايات

عامل باليومية للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أنا شغال عامل باليومية، وما أدراك ما عامل باليومية، بتنزل الصبح مش ضامن هترجع بفلوس تكفي إنك تجيب حاجة تاكلها ولا لا، بتنزل وأنت أصلًا مش ضامن ترجع ولا لا، فما بالك بقا لما تزور شقة عايزة تدفنك جواها عشان مترجعش للأبد.. يومها لافف صباعي الكبير بالشاش وبتألم في صمت تام، حتى دموعي متحجرة جوا عنيا مبتنزلش، حياة قاسية، قاسية لدرجة إنها مش سمحالي أجيب أكل زي خلق الله ليا ولأمي المريضة، بس أنا دايمًا بواجه باليقين والشُكر وحسن الظن بالله، رجعت يومها معايا عشر أرغفة عيش وعلبة جبنة صغيرة وشوية طعمية، كنت بجري عشان ألحق أمي تاكل وتاخد دواها..

وصلت للبيت اللي شبه بيوت الأشباح ووقفت اتأمله زي العادة، زقيت الباب الخشبي المتهالك ودخلت، ريحة عطنة وحيطان من الطوب اللبن اللي خلاص هينهار، غرف صغيرة قذرة الحيوانات نفسها متستحملش تعيش فيها، كل غرفة عايش فيها حد زي حالاتي، وفي نص البيت حمام مشترك لينا كلنا.. بس هعمل أيه، هلاقي منين أوضة إيجارها مية جنيه في الشهر بس غير دي، دخلت الأوضة بهدوء كانت أمي نايمة على السرير، هيكل عظمي عمال يتحلل يوم بعد يوم..

وكل اللي قادر أعمله إني أجيب العلاج وأجبلها الأكل، غير كدا والله ما هقدر، بوست على راسها وإيديها لقيتها صحيت، ولقيت عنيها اللي قربت تبيض بصت على صباعي وح.ضنته بإيديها الناشفة، وبصوت واهن خالص: ـ مش قولتلك تخلي بالك من نفسك يابني؟؟ ـ معلش يا أمي المطرقة عملتها معايا ونزلت على صباعي.. ـ والله هيراضيك، أنا اتكلمت معاه امبارح وأنا بصلي وعاتبته وقولتله يالا بقا يا حنين راضي ابني.. ح.ضنتنها برفق وقومتها، ادتها الدوا وادتها كام لقمة كلتهم ورجعت نامت، وفرشت أنا جمبها على الأرض عشان أنا.م، بس وجع صباعي منعني إني أنام، خلاني افتكر كل حاجة صعبة في حياتي..

شقتنا اللي اتحرقت، وأختي اللي قاطعتنا نهائيًا، ومراتي اللي طلقتها من تلت شهور بس، مراتي اللي بقت تصحا وتنام وهي ناقص تض.رب أمي، مع إني أجرت ليا وليها أوضة غير أوضة أمي، بس هي كانت شايفة إن المية جنيه إيجار أوضة أمي والكام لقمة اللي بتاكلهم أحنا أولى بيهم، عشان كدا طلقتها، وخدت معاها حاجات كتير أوي، حتى فلوسي اللي حوشتها.. ورجعت أفقر بمراحل من الأول، لدرجة إني بقيت مع أمي في أوضة واحدة، وبعدها على طول المقاول اللي شغال معاه طردني، وبقيت لوحدي في الحياة، بطلع كل يوم الصبح بالعدة بتاعتي..

أجنة وشاكوش ومطرقة ضخمة أفضل قاعد على القهوة مستني أي حد عايز عمال، وبيحصل يوم ويومين لا، وبرجع لأمي أوقات بعيش حاف لأني مش معايا فلوس.. وهنا بس بكيت، بكيت من الضيق اللي بقا جوايا، ضيق شديد أوي، لحظتها افتكرت كلام أمي، كل ما تضيق أهرب للمكان الواسع، اتوضيت وقعدت على الأرض جمب سرير أمي ورفعت إيدي لفوق.. ـ يااارب أنت اللي عالم بحالي، يارب أنا خلاص تعبت، تعبت ولسة راضي، تعبت ولسة عندي يقين بيك، يارب افرجها من عندك..

وانف.جرت في بكاء صامت عشان أمي متصحاش، حتى بكائي عليه قيود، ونمت، ومع شروق الشمس صحيت متأخر وجريت زي المجنون، الساعة عدت سبعة ودي كا.رثة، مش هلحق حتى الطابور اللي بنقف فيه كعمال باليومية، وأنا محتاج فلوس بأي طريقة عشان أخر الشهر خلاص، وعلاج أمي تقريبًا خلص.. ومن استعجالي وجريي في الشوارع وفي لحظة حسيت بعربية بتفرمل قدامي بلحظات بس، وخبطت مقدمتها في ضهري بقوة، وقعت على الأرض وأنا حاسس بوجع مكان الخبطة.. نزل الراجل بسرعة منها واتلمت الناس، بس أنا كنت كويس، سألني الراجل اللي كان سايق بقلق عن حالتي:

ـ أنت كويس؟؟ ـ أيوة أنا كويس الحمد لله.. طمنت الناس عليا وقمت لميت العدة بتاعتي ولسة همشي لقيت الراجل بيقول: أنت شغال باليومية؟؟ ـ أيوة.. ـ طيب أنا كنت نازل أجيب حد يكسرلي حيطة الحمام وربنا بعتك ليا، أيه رأيك؟؟ ابتسمت من تدبير ربنا وقولتله: ـ يالا بينا.. ركبت معاه العربية في صمت تام، الراجل وقف عند مطعم واشترى أكل، حاولت اتمنع رغم جوعي الشديد بس هو أصر، وكلت معاه لحد ما وصلنا للبيت بتاعه، دخلت وأنا حاطط بصري في الأرض لقيته وراني الحمام وقالي إنه محتاج يكسر الحيطة اللي فاصلة بين الحوض والحمام..

كان الشكل غريب ولكنه إبداعي الصراحة، بيفصل بين الحمام والحوض حائط ض.خم وله باب صغير، كنت مضايق من التك.سير وتشويه الشكل الجمالي دا، بس طبعًا دا شيء ميخصنيش، استعنت بالله وبدأت أض.رب بمطرقتي على الحيطة.. الحيطة كانت ضخمة وقوية جدًا، كانت محتاجة تقريبًا تلت عمال مش عامل واحد، بس أنا قولت هكمل وهخلصها بأمر الله، وفضلت أض.رب بكل قوتي على الحيطة، شوية بالأجنة والشاكوش، وشوية بالمطرقة الضخمة..

بس فعلًا الموضوع كان صعب، صعب جدًا، وعلى نص اليوم مكنتش خلصت حتى نص الحيطة اللي كانت عاملة زي الخرسانة في تكسيرها، ريحت شوية وقمت اتوضيت عشان أصلي العصر وأكمل، صليت جمب الحمام في المطبخ على جمب وفوجئت بصوت عالي، روحت للحمام لقيت الراجل متعصب وبيقولي: ـ سايب شغلك يا باشا وبتعمل أيه؟؟ صوته كان أعلى من اللازم وده خلاني أحس بضيق كبير: ـ يا أستاذ الحيطة مش سهلة وكمان أنا شغال لوحدي، ومن حقي أريح شوية وأصلي..

ـ تقوم تدخل المطبخ وتلف في البيت براحتك؟! ـ يا أستاذ حضرتك قولتلي التلاجة جوا لو حبيت تشرب وأنا كل اللي عملته اتوضيت وصليت، وعامة أنا آسف يا أستاذ ومش عايز حساب الشغل اللي اشتغلته هات حد تاني يكمل.. وفعلًا تهيأت إني أمشي، مهو مش هيبقا تعب وذل وإهانة كمان، لقيت صوته وطي خالص وقال: ـ استنا.. ـ نعم؟؟ ـ حقك عليا يا ابني، أنا بس مضغوط شوية واتعصبت عليك لما لقيت الشغل لسة محتاج وقت..

ـ بس أنا شغال فعلًا يا أستاذ موقفتش.. ـ اعتبرني أخوك الكبير ومتزعلش بس أنا بنتي تعبانة أوي وحياتي متدمرة حرفيًا، فسامحني يابني.. ـ حصل خير يا أستاذ إن شاء الله هخلصها انهاردة وربنا يشفي بنتك.. كملت شغل وأنا مبتسم، حسيتإ إن لسة حد بيحترمني كإنسان، شوية ولقيت الراجل جايب كوبايتين شاي وطلب مني أوقف شغل ونشربهم مع بعض، خدت منه الشاي وأنا مبتسم ولقيته بدون مقدمات سألني: ـ أنت بتصلي دايمًا؟؟ ـ الحمد لله، ماهو مش هيبقا خسارة دنيا وآخرة..

ابتسم وقال: ـ مالها الدنيا بس؟! ـ أهو ربك بيعين الحمد لله.. في الوقت دا معرفش ليه حسيته مألوف أوي، كان مكبوت كبت السنين، ماصدق إننا نتكلم وحكالي، حكالي عن بنته اللي بقالها ١٠ سنين بعد ما اطلقت وهي مريضة بمرض غريب، لف بيها بلاد ومعرفش يعالجها، وصرف عليها كل ما يملك ومفيش أي حل، لدرجة إنه هيبيع المصنع بتاعه عشان يعملها عملية كبيرة برا..

دعيت لها بالشفاء وغصب عني حكيتله عن حياتي، أمي وطليقتي وأختي وحياتي الصعبة، لدرجة إننا ضحكنا في الأخر لما الموضوع قلب مننا بؤس لأبعد مدى، صليت المغرب وطلبت منه أجي بكرا أكمل بس هو استأذني أخلص الحيطة انهاردة ضروري مهما كان، حتى لو هسهر، وهو هيديني أجر كويس.. بلغته إنه مينفعش أبقا في البيت بالليل، قالي إنه واثق فيا، هو هيطلع ينام فوق مع بنته وأنا هكمل شغل عادي، وافقت في النهاية بعد ما اتصلت بجارتنا تروح تطمن على أمي وتديها العلاج وتديها أكل من اللي حاطه جمب السرير..

وكملت شغلي بكل همة ونشاط، وعلى الساعة واحدة بالليل قعدت قدام الحمام أخد نفسي بعد ما حسيت إن طاقتي حرفيًا خلصت، ووسط صمتي وتفكيري وفجأة حسيت إن فيه حاجة بتتحرك جوا الحمام.. كأن فيه حد بيتنفس جوا، جسمي كله قشعر وحسيت بخو.ف رهيب، حاولت أكتم أنفاسي وأسمع، فعلًا فيه صوت حد بيتنفس جوا، وقفت وأنا بترعش ومبقتش عارف أعمل أيه.. قربت خطوة ورا خطوة ناحية الحمام، مجرد طوب مرمي على الأرض، بس فيه صوت أنفاس جوا، أنفاس خشنة، مُخيفة، فكرت أهرب وأسيب البيت بس دي أمانة ومينفعش أهرب، طيب أجري على فوق، بس مينفعش الراجل بنته معاه فوق..

جسمي عمال يترعش وأنا ببص في الحمام بخو.ف، قربت ناحية الصوت لقيته جاي من جوا الحيطة اللي بك.سرها، كأن فيه حد حي جوا، شعر راسي كله وقف وقلبي اتنفض، وفي لحظة نور البيت كله قط.ع.. وقفت مكاني زي المشلول بتنفض، عمال بردد في سري الأذكار بكل خو.ف، عمال أدعي ربنا بالثبات، نورت كشاف موبايلي وقربت أكتر، ومن تحت قالب طوب لمحته، وشديته بإيد يابسة من الخو.ف..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى