روايات

جنا.زة من الج.ن للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

ادخل عنوان ثانوي هنا

زمان وأنا صغيرة كانت ليا عيلة متكونة من أب وأم وأخوات، وكنت عايشة زي أي طفلة في الدفى والونس ومش شايلة هم أي حاجة إطلاقًا، والدنيا مشيت تمام لحد ما كملت ١٢ سنة تقريبًا وبعدها كل حاجة اتقلبت ١٨٠ درجة، حادثة عربية بشعة خدت الكل إلا أنا، أنا اللي طلعت من الحادثة ومفيش فيا خدش واحد، في حين إن أبويا وأمي وأخواتي اتفرموا في الحادثة..

وأول ما وصل الموضوع للجيران والأهل الكل جه يجري على المستشفى واتعملت جنازة كبيرة أوي في بلدنا، جنازة عيلة كاملة متبقاش منها غير بنت عندها ١٢ سنة بس، وعشان السيناريو يكمل والمأساة توصل لمرحلة الوحش زي ما بيقولوا الشقة اتباعت واتنهشت من أعمامي وبقيت بلا مأوى، واحدة عايشة عند الجيران بالفعل.. واحدة ست كبيرة خدتني عشان أعيش معاها وقالت إنها هتتكفل بيا، وبقت بتعاملني وكأني بنتها بالظبط، وكان ليها ابن لسة متجوزش عنده تقريبا ٣٥ سنة اسمه نُعمان، وتقريبًا مكنش بيتنادى غير بالشيخ نُعمان من كتر ما كان إنسان صالح وتقي وزاهد في الحياة..

وكانت أكبر مشكلة بينه وبين أمه هي فكرة الجواز، وكان دايمًا بيقول إنه هيمو.ت صغير ومش هيلحق يهني البنت اللي هيتجوزها، وكانت عنده قناعة تامة بالفكرة دي، ولما الست قربت تمو.ت بدأت تزن على الشيخ نُعمان عشان يتجوز، كان وقتها وصل لـ ٤٠ سنة وأنا كان عندي ١٧ سنة، عرضت الست عليا أتجوز نُعمان وأعيش معاه في البيت اللي هيكون كله بتاعه، وتطمن علينا أحنا الاتنين، ووافقت، وأهلي اللي حضروا على استحياء وافقوا بدون تفكير..

وبعد جوازنا بأيام ماتت أم نُعمان وعشت أنا مع نُعمان في بيت طويل عريض، ولو هقول كلمة حق فدا مكنش راجل عادي، ده كان ولي من أولياء الله الصالحين، بيتعامل معايا بكمية ذوق وأخلاق وبيحتويني كأني بنته مش مراته.. وفضلنا على الحال دا خمس سنين كمان مخلفناش فيهم خالص ومحدش فينا اعترض على دا وهو قال لما ربنا يأذن هنخلف، لحد ما حصلت حادثة جديدة، وكأن الحوادث مش عايزة تسبني في حالي، نُعمان اتعمى، جالي في يوم من برا وعنده تلف في عنيه الاتنين بسبب مادة كاوية نزلت عليها..

وبقيت في يوم وليلة مُطالبة أشيل مسؤولية راجل أعمى، راجل مبيعرفش ينضف نفسه ولا يلبس ولا ياكل إلا من خلالي، يمكن في الأول صمدت شوية، بس بعد كدا بقا الموضوع لا يُطاق، وبقيت بستريح لما بيروح يوميًا الجامع من المغرب لبعد العشاء، لأني مبقتش بطيق وجوده في البيت.. من جوايا بدأ يتولد سخط كبير على حاجات كتير جوايا، ليه متجوزة واحد داخل في الخمسين، وأنا لسة صغيرة في زهرة شبابي، مش عارفة أعيش حياتي، وكمان بقيت مطالبة أشيل مسؤولية واحد أعمى..عشان كدا مع أول فرصة وقعت، وقعت بدون ذرة تفكير..

كان فيه شاب بروحله على أول الشارع فاتح محل موبايلات، اتعرفت عليه وبقا بيجددلي الباقة، مع شوية هزار وضحك، خدنا أرقام بعض وبقينا بنتكلم مع بعض ليل نهار، حبيته وخرجت من جوايا طوفان من المشاعر كان محبوس، حبيته أكتر من أي حاجة في الدنيا كلها، وحكيتله كل تفصيلة عن حياتي..ا وبدأ يتطور الموضوع مع الوقت وبقا بيجيلي بالليل وجوزي برا، وحتى لو كان موجود فهو في النهاية أعمى، وامتنعت عن زوجي تمامًا في علاقتنا الجسـ ـدية، بقا معايا شاب بيلبي كل حاجة جوايا، مشاعر، جسد، احتواء، كل حاجة..

لحد ما بدأنا نخطط مع الوقت ازاي هنتخلص من نُعمان، ونخلص منه وناخد كمان البيت، واحد أعمى وسهل يمضي على عقد بيع للبيت بسهولة، وبعدها أطلق منه أو نختار الأسهل ونخلص عليه، وده واحد أعمى هنقول خرج ومرجعش، وكل الناس بيشهدوا بأخلاقي واستحالة حد يشك فيا.. وفعلًا قدرنا نمضيه على عقد بيع البيت، وبقا مش ناقص غير طلب الطلاق، بس كانت فيه مشكلة، لو أطلقت وطالبته بالبيت الجيران ممكن يدبحوني وهيعرفوا إني نصابة، الجيران بيحبوه أكتر من نفسهم ومش هيسمحوا أعيش بينهم، عشان كدا قتله كان الحل الأضمن ألف مرة..

ورسمنا خطة بمساعدة الشيطان، وكان باقي على التنفيذ يوم واحد بس، وقبل ما ننفذ قعد معايا يومها وقالي جملة غريبة أوي، قالي أنا بتمنى لما أمو.ت تبقا جنازتي كبيرة، خايف أمو.ت ومحدش يطلع ورايا، كلامه هزني أوي، بس مكنش ينفع أقف، وتاني يوم بالليل استدرجته في منطقة زراعية في توكتوك كان بيسوقه الشاب اللي بحبه، وهناك وقدام عنيا طعنه في رقبته وكان مجهز حفرة دفنوا فيها وردم عليه التراب..

ورغم إني حسيت بالنصر وإني هعيش حياتي أخيرًا زي ما عايزة إلا إني كنت حاسة وكأن فيه مليون عين باصة علينا وشايفانا، رجعت البيت ولا من شاف ولا من دري وقفلت الأبواب كويس، وحاولت أطرد الخوف من جوايا وأفكر في حياتي الجديدة مع الشاب اللي حبيته واخترته..

بس وأنا نايمة في الليلة دي شوفت حلم غريب أوي، شوفت عدد كبير من الناس كلهم لابسين جلاليب بيضا ووشهم باهت خالص، وقفوا حولين الحفرة اللي دفنا فيها نُعمان، حفروا وطلعوا الجُثمان غسلوه على طاولة لونها أبيض زي التلج، وكفنوه بكفن أبيض، ووقفوا يدعوله كتير، وبعدها شالوه على كفن لحد المقابر ودفنوه في مقبرة العيلة بتاعته..

صحيت من الحلم ده قلبي بيدق بهيستريا غريبة، وكأني كنت شايفة حاجة حقيقية قدامي، وفضلت طول اليوم بترعش وخايفة ومش قادرة أفكر في حاجة غير الحلم، لحد ما في النهاية اتصلت بسعد اللي بحبه وقولتله، استهزأ بيا وقالي أهدى اليومين دول لحد ما كل حاجة تعدي، بس أنا مقدرتش، وروحت للمكان إياه وكانت المصيبة، الجثة طلعت من مكانها والحفرة فاضية، لا وشوفت آثار مية وكأن كان فيه حد بيرش مية في المكان، أو بيتغسل في المكان..

رجعت البيت وأنا همو.ت من الر.عب، لدرجة إني وقعت على السلم أكتر من مرة، دخلت أوضتي وأنا خايفة ومش قادرة أتكلم، عمالة أبكي وبس، شوية وسمعت صوت المفاتيح في الباب وحد دخل من باب الشقة، بصيت برعب ناحية الباب لقيت نُعمان.. نُعمان ماسك العصاية اللي كان بيمشي بيها وداخل عليا وعنيه لونها أبيض تمامًا، ملحقتش أصرخ، وملحقتش أنطق، لأنه نزل عليا بالعصاية بكل قوته وعلى جسمي، استحملت ض.ربتين وفي التالتة كنت فقدت الوعي من حالة الرعب اللي مسكتني..

ولما صحيت لقيت البيت كله متكسر، الدولاب واقع هو والسرير، الهدوم مرمية في كل مكان، والمية شغالة ومغرقة البيت من فوق لتحت، قمت زي المجنونة قفلت المية وقعدت أربع ساعات بمسح وبنضف البيت اللي بقا أشبه بالزريبة..

بس وأنا بمسح وبالأخص السلم حاجة زقتني عشان أقع على ركبتي وقعة حسيت فيها إن روحي خرجت من مكانها من شدة الوجع اللي كنت فيه، ووقعت في نص الصالة الوجع كاتم على صدري ولساني ومش عارفة أقول كلمة آه، وقدام عنيا لقيت نفس الناس، الوفد اللي شوفته في الحلم، كانوا نازلين من على السلم ومعاهم تابوت فاضي، وشاوروا على التابوت عشان أدخل جواه، وقتها بس صرخت، صرخت بأعلى صوت، صرخت وجتلي حالة صرع غريبة..

حالة لما فوقت منها لقيت الجيران حوليا ورابطني بحبل غليظ وواخدني على المركز، لأني في حالة الصرع قولت إني قتلت جوزي ودفنته، وبما إنه غايب بقاله يوم عن المسجد فكان الكلام منطقي، وفي المركز حكيت كل حاجة، والغريب إنهم لقوه مدفون في قبره جمب أمه مش في الحفرة.. قبضوا على سعد وعليا، وطلعت البلد كلها يومها، طلعوا لقبر الشيخ نُعمان وفضلوا يدعولوا ١٢ ساعة، البلد كلها طلعوا صدقات باسمه، وزي ما دعوله صبوا عليا اللعنات لدرجة إني كنت حاسة إني هتحرق بنار الدنيا قبل ما أتحرق بنار الآخرة..

ولو ليا كلمة أخيرة هقولها قبل الإعدام لكل ست فهقولها إن أكتر حاجة بيدخلك منها الشيطان هي المشاعر، بيحاول يقلل من قيمة جوزك قدامك ويظهرلك أي شخص تاني إنه أحسن راجل في الدنيا، بيخليكي تكرهي جوزك حلالك وتجري ورا واحد أصغر منك أو محرم عليكي عشان تستمتعي بكلمة حرام أو نظرة أو حاجة تروي بيها ظمأك للمشاعر، لو دخلتي في السكة دي فأحب أبشرك بالفض.يحة والمو.ت، عشان كدا أهربي منها في أسرع وقت، أهربي.. [وَلَا مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ] سورة النساء

بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى