
من شوية حسيت بصداع غريب أوي، صداع كان عمال ينهش في راسي وكنت شايف دوامة بيضا عمالة تلف حولين عقلي، وكان فيه صوت صفير جاي من بعيد وجسمي عمال يتقل ويتقل، رجليا اتخشبت مكانها وبدأ ظلام عجيب يدور من حوليا، لحظات بس قدرت استوعب فيها إني قدام السرير، ووقعت من طولي عليه ونمت، نمت وكأني منمتش في حياتي قبل كدا.. نوم طويل وكأني نمت عشر سنين كاملين، شوفت شريط عمري بيمر قدام عنيا كأني بتفرج على شاشة سينما، شوفت كل لحظة وكل دقيقة من حياتي، شوفت أبويا وأمي الله يرحمهم وحتى مراتي اللي ماتت كانت موجودة، وبدون مقدمات صحيت..
فتحت عنيا لقيت قدامي ظلام غريب، استحالة يكون نور الأوضة مطفي بس لأني عمري ما شوفت ظلام بالطريقة دي، المصيبة إن فيه صمت غريب، صمت سمعت له صوت صفير طويل، فضلت فاتح عنيا وصامت خالص، مش قادر حتى أفكر ولا استوعب.. ـ أنا اتعم.يت ومبقتش أسمع ولا أيه؟! حاولت اتحرك من مكاني مقدرتش، كأني جسمي كله مربوط بسلاسل منعاني إني حتى أعرف آخد نفسي، غير الحاجة اللي طعمها مُر ومحشورة في زوري ومش قادر اتنفس بسببها، فضلت مكاني بنوح بصوت ضعيف جدًا..
مش قادر أفهم أنا فين وازاي بيحصلي كدا، أنا في النار ولا في كابو.س مخيف مش قادر أصحى منه، دموعي نزلت من الخوف وفضلت أنهج وآخد أنفاسي بطلوع الروح، حاسس إن أنفاسي هتقف دلوقتي وقلبي هيقف من التوتر.. وبدأت أناديه، هو اللي عالم بحالي، بقالي دقايق على الوضع ده وكأني محبوس تحت الأرض، يارب، يارب.. وبدأت أحاول اتحرك من تاني، أحاول وأنازع بكل قوتي، دراعي لازق في جسمي بطريقة رهيبة، وكأنه متخيط في جنبي، ااااااااه
ياااااااارب حاولت من تاني أسحب دراعي من الزنقة دي وأخيرًا قدرت أسحبه لفوق شوية، وبدأت أتحسس الأرض من تحتي.. أيه دا؟! دي حاجة عاملة زي الرملة، أنا فييين؟! ومسافة ما جالي هاجس إني ممكن أكون مدفون جوه قبر، شعر جسمي وقف وحسيت بكهربا عجيبة بتمسك في جسمي كله، صدري بقا بيتحرك بعشوائية وعمال أشهق وأشهق بعنف شديد.. ياااااااااااااااا رب.. أتوسل إليك ياااااااااا رب متسبنيش.. ياااااااااا رب أنا خايف.. ياااااااااا رب متسبنيش.. وبكل قوتي بدأت أخربش في الحاجة اللي مكتفاني دي، وحسيت بيها في النهاية، قماش صلب مربوط بيه جسمي كله، يارب ما يكون كفن، يارب أكون بحلم وبس..
وبكل رعب الدنيا بدأت أغرز ضوافري في الكفن وأحاول أقطعه، ومن قوة خربشتي ورعبي حسيت بسائل دافي بينزل من ضوافري، عرفت إنه دم، بس مكنش ينفع أقف إطلاقًا، فضلت أخربش وأنادي جوايا يارب، يارب، كنت عارف إن استحالة الكفن يتقطع بضوافري لإن قماشه قوي، بس أنا بنادي رب المستحيل.. دقايق طويلة ونار بتاكل في ضوافري من الوجع وأنا عمال أخربش أكتر وأكتر، وفي لحظة حسيت بصباع من صوابعي بيعدي من الكفن، وبدأت أنفاسي تسرع أكتر، الهوا مبيدخلش لصدري وحاسس إني بتخنق..
بموووووووت.. ياااااااارب.. وبكل رغبة مني في الحياة قطعت الكفن من فوق مني واتحررت، خرج دراعي كله، اتحسست على جسمي وحسيت بالعقُد المربوط بيها الكفن، أنفاسي خلاص بتنتهي، بمووووت، وبإيد ناشفة زي الخشب من الرعب فكيت الكام عقدة وخرجت من قلب الكفن، وفي لحظة فتحت بقي وخرجت منه كتلة كبيرة من القطن.. و هاااااااااااااا صرخت صرخة واحد بيحتضر وخدت نفس طويل مليت بيه صدري، ووقفت مكاني ووقعت في لحظتها لأني حسيت بدوار غريب.. حاسس بنفس الكهربا بتاكل في جلدي وقشعرة غريبة ماسكة شعري، مش مصدق إني جوه قبر، الضلمة مخيفة والصمت مرعب، فضلت مرمي مكاني بشهق وبتنفض..
أنا مدفون حي!! أنا بمووووووت!! أنا جوه مقبرة!! ازاي ولادي هان عليهم يرموني حي جوه مقبرة؟! وزحفت ناحية باب القبر، مكنتش شايف غير بحر من الضلمة، بزحف زي المشلول وجسمي كله ناشف زي الحجر، ريقي وكأنه زي الأرض البور اللي مشافتش مية من سنين.. جسمي كله بيتنفض وإيديا ورجلي بيتحركوا في كل اتجاه كل كام لحظة، زحفت أكتر وأكتر وأنا بدعيه ينجيني مرة واتنين، وبعد وقت كبير إيدي لمست حاجة حديد.. أكيد ده الباب، حاولت أشده بس الباب مبيفتحش، حاولت تاني مقدرتش، خدت انفاسي وض.ربت بكف ايدي على الباب بضعف شديد..
ألحقووووني، يا عباد الله ألحقووووني.. صوتي مبيطلعش، مجرد حشرجة عجيبة، حاولت تاني صوتي مخرجش.. ااااااه، بدوخ من تاني، همو.ت خلاص، يارب أنا كنت بتصدق لست غلبانة كل شهر، أتوسل إليك بالعمل ده تنجيني، يارب مش عايز تكون دي نهايتي، يارب أنت رحيم أرجووووك.. ورفعت إيدي من تاني وض.ربت على الباب بكف إيدي، في اللحظة دي اتشل جسمي كله وشهقت بكل قوتي لما سمعت صوت من ورايا.. صوت حاجة بتزحف وجاية ناحيتي، شهقت من تاني وبدأ جسمي يتنفض مرة واتنين وتلاتة، وصوت الزحف جاي يقرب من تاني، في اللحظة دي اتفزعت لما سمعت خبط على باب القبر من بره وصوت بيقول:
ـ مين اللي جوه أنطق.. أيوة، أيوة ده صوت عبدالعزيز التربي، يارب أقدر اتكلم، يارب لساني كان بيذكرك كتير خليه يقدر يتكلم، وبصوت واهن همست: ـ ألحقني يا عبدالعزيز أنا ممدوح.. سمعت صوت من بره بيقول: ـ أعوذ بالله من الشيطان الرجيم أنت حي ولا مي.ت يا ممدوح؟! وقبل ما أرد عليه وفي لحظة قبضت إيد قوية على رجلي، إيد عاملة زي لوح التلج، وصرخت بأعلى صوت، صرخت بصوت خشن، وكأني بتعذب في قلب الجحيم:
ـ ألحقني يا عبدالعزيز أبو.س إيدك، هموووووت، أبو.س إيدك ألحقنييييييييييييييييي، يا عبدالعزيز هموووووووت.. في اللحظة دي بدأت حاجة تسحبني من رجلي لجوه القبر، وبدأت أسمع صوت حشرجة، كأن فيه حد بيطلع في الروح ـ ألحقني همووووووووووووت ألحقني.. في اللحظة دي اتفتح باب المق.برة وحسيت بإيد قوية بتسحبني لبره بكل قوتها واتحررت من الإيد اللي كانت ماسكة في رجلي.. وقعت بره المق.برة وأنا بتنفض، الهوا بيض.رب جسمي العريان اللي عمال يتحرك زي اللي عنده صرع، وسمعت صوت عبدالعزيز عمال يستعيذ بالله من الشيطان وواقف قدامي مش قادر يتحرك..
كل اللي عملته إني بصيت له ودموعي نزلت زي السيل مرة واحدة وقولت: ـ ساعدني متسبنيش كدا أبو.س إيدك.. ووقعت في غيبوبة مظلمة غريبة، وكأني وقعت في بير عميقة من الظلام، أو كأن النور اخت.فى من العالم كله، شوفت في الضلمة دي شيا.طين الكون كله بيقطعوا في جسمي.. في النهاية قمت اتفزعت، كنت حاسس اني في حلم، تايه، شايف سحابة سودة فوق عنيا مش قادر أشوف كويس منها، كنت في أوضة عبدالعزيز لابس جلابية وممدد على السرير..
وقف قدامي يطبطب عليا وفضل يقرأ قرآن في ودني، وبالأخص [اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ] سورة النور قعدت مكاني كتير لحد ما قدرت أهدى، ساعات طويلة لحد ما نور الشمس دخل علينا، في النهاية اتكلم وقال: ـ سامحني يا ممدوح كنت فاكرك مت ودفنتك بإيديا.. وقتها بس قدرت اتكلم بصوت مبحوح: ـ حرام عليك حرااااااام.. لقيت دموعه نزلت وقال: ـ أولادك الاتنين والله اللي أكدوا مو.تك وأهل البلد شيعوك ودفناك قدام الناس كلها ـ أنا عايز أروح وديني عند سهام بنتي..
خرج بره وجاب عربية مخصوص وركب معايا وراح بيا لبيت بنتي وجوزها، نزلنا من العربية وكنت لابس جلبية ولافف وشي بشال أبيض..




