روايات

استغاثة الأمو.ات للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

مكنتش أتخيل في حياتي إني هدخل مشرحة في يوم من الأيام، ودخولي ليها هيكون في ليلة شتوية وكمان مُتسلل زي الحرامي، بس أحيانًا بتكون الحقيقة أغرب من الخيال زي ما بيقولوا.. يومها كلمت والدي اللي كان راجع من السفر كالعادة عشان اطمن عليه، راجل أقل ما يُقال عنه إنه مبقاش موجود في الزمن ده، كمل الستين من عمره، ولسة بيسافر هنا وهناك ويشتغل عشان يصرف علينا، كان بيسافر محافظات بعيدة وياخد أجازة كل ستين يوم تقريبًا، كلمته وقالي إنه ركب الأتوبيس وهيوصل على الصبح تقريبًا..

دعيت ربنا يوصل بالسلامة وقفلت معاه، وقتها سرحت شوية في والدي الشيخ كِشك، الراجل المتدين اللي علمني الدين الصحيح من صغري لدرجة إني بقيت عارف في ديني اللي ميعرفوش شيوخ كبار، الراجل اللي ساب لنا سُمعة طيبة نقدر نعيش عليها ١٠٠ سنة، كانوا بيقولوا مات الشيخ كشك الشهير، وجه الشيخ كشك والدي..

بس الغريب إن قلبي بدأ يتقبض بطريقة غريبة ليلتها، استعذت بالله من شر القبضة الغريبة دي وصليت ركعتين ونمت، وفي نومي شوفت أبويا داخل من باب حديقة شكلها حلو أوي وأنا واقف عمال اتفرج عليه وأنا مبتسم، وأول ما شافني رجع ح.ضني بقوة وراح ناحية الحديقة، بس الغريب إنه وقف قدامها وظهر عليه بعض الضيق شوية.. وصحيت من نومي، صحيت وأنا حاسس بشعور الح.ضن اللي والدي ح.ضنهولي في الحلم، وقبل ما أحاول أفسر الحلم تليفوني رن، وفجأة سمعت الجملة اللي خلعت قلبي:

ـ أ‌/ أحمد كشك، والدك عامل حا.دثة على الطريق الدولي وهو دلوقتي في مستشفى الحياة.. وقعت من طولي، وقعت وأنا جوايا عارف إنها النهاية، الحديقة والرحيل، الح.ضن والوداع، وسق.طت دموعي بغزارة، ودعيت ربنا وقتها الصبر والثبات والرحيل بسلام، واتصلت بواحد صاحبي عنده عربية وانطلقنا بعد صلاة الفجر ناحية مستشفى الحياة، وطول الطريق كنت بدعي ربنا زي ما والدي علمني بأدعيه باسم اللطيف، بدعيه عشان ييسر الأمور الصعبة اللي مبتتيسرش إلا بأمر الله..

ووصلنا المستشفى اللي كانت مقلوبة بسبب الحا.دثة اللي حصلت على الطريق، وهي الحا.دثة اللي حصلت لوالدي والناس اللي كانوا معاه، وبدأ يخرج كشف مبدأي بأعداد الوفيات والمصابين، وخرج كشف الوفيات وكل الأهالي اللي حضروا إيديهم على قلوبهم من الخوف والرعب، وللأسف مكنش فيه في الكشف غير اسمين وبس.. كِشك عبدالله كِشك.. رحمة.. ووقعت من طولي، ودموعي بتسيل على خدي بغزارة، وأنا عمال أردد ـ لا حول ولا قوة إلا بالله..

روحت على إدارة المستشفى عشان أخلص إجراءات الخروج، بس اتفاجئت إن أبويا والج.ثة التانية اللي معاه لازم يدخلوا المشرحة عشان تقرير الطب الشرعي لأن البعض شاكك إنها حا.دثة مصطنعة، ودخلوني في حوارات وإجراءات قانونية غريبة، واتقهر قلبي لما عرفت إن الشيخ كِشك في آخر حياته يبات في المشرحة، طمنوني إنهم مش هيقربوا من الج.ثمان وإنما هو تشريح مبدأي وبس، وإن ده أمر ضروري عشان لو الحا.دث كان مصطنع..

ولما سألت والدي هيقعد وقت أد أيه في المشرحة اتقالي إنهم تلت أيام لحد ما يخرج، حاولت معاهم مرة واتنين وتلاتة بس مكنش فيه أي أمل إنه يخرج غير بعد تلت أيام، وعلى آخر اليوم صاحبي خدني عشان نرجع نستريح ونتابع معاهم يوميًا لحد ما الج.ثمان ما يخرج، كنت حزين حزن السنين وقتها، حزين وحاسس إن الدنيا كلها سودة في وشي..

ورجعت الشقة صليت وبكيت كتير أوي لحد ما نمت، نمت نوم غريب كله قلق واضطرابات، بس لما صحيت منه وأنا مشوش شوفت والدي واقف قدام سريري وعلى ملامحه غضب شديد، وكانت معاه بنت صغيرة واقفة وعمالة تتحامى في ضهره بطريقة غريبة وتبصلي من ورا جسم والدي بخوف، بصيت لوالدي بذهول ورددت: ـ أنت عايش يا حاج؟!

فضل باصص ناحيتي وساكت مبيتكلمش، وإنما نفس النظرات، نظرات الغضب بدون أي كلام، وبعد كدا خرج من باب الأوضة في صمت تام، قمت من على السرير وجريت في الشقة أدور على والدي بس مقدرتش ألاقيه أبدًا في الشقة، وقتها افتكرت إنه ميت، وإنه موجود في المشرحة، ورجعت أبكي من تاني، أبكي كتير أوي.. وتاني يوم كنت عند المشرحة بحاول أتفاوض معاهم من تاني عشان يخرجوا الج.ثمان، بس برضه كانت الحِجة إن التشريح المبدأي لسة مخلصش وإنهم هيحتاجوا يومين كمان، ورجعت البيت في حالة أسوأ ألف مرة من حالة امبارح، وبعد بكاء طويل وقعت من طولي ونمت مرة تانية..

ونفس اللي اتكرر ليلة امبارح اتكرر مرة تانية، فقت من نومي وأنا حاسس بتشويش، كأني بين عالم الصحيان وعالم النوم، وشفت والدي من تاني واقف قدام سريري غضبان ومعاه نفس البنت الصغيرة اللي كانت بتتحامى فيه وخايفة.. الموضوع بدأ يتطور وشوفت حاجة سودة ملهاش أي ملامح وبتحاول تشد البنت بالعافية، وهي متمسكة بوالدي وهو ماسك فيها بكل قوته مش عايز يسبها، البنت كان بيطلع منها صوت أنين مُخيف، كأنها بتتقطع بالسواطير، ووالدي ولأول مرة أشوف دموعه بتنزل قدامي، دموع من دم..

المشهد كان بشع، خلاني صحيت من نومي وأنا بتنفض وخايف، وفضل قلبي يدق مرة واتنين وتلاتة لحد آذان الفجر وأنا كنت لسة قاعد مكاني هتجنن من اللي بشوفه ده، مين البنت دي، وليه أبويا بيجيلي بالشكل ده وهو غضبان أوي.. بس في الليلة التالتة وتقريبًا كانت الساعة 11 بالليل وكنت هربان من التفكير بالنوم، فوجئت بخبطة غريبة في الأوضة، وفقت كالعادة وأنا مشوش عشان أشوف والدي واقف ومعاه البنت، بس الغريب إن البنت كانت هدومها مقطعة، وفيه أجزاء من عـ ـورتها ظاهرة وعمالة تبكي بنفس صوت الأنين وهي ماسكة في والدي بكل قوتها..

وظهر من تاني نفس الكيان الغريب وبدأ يقطع هدومها ويكشف جسمها أكتر، وهي بتئن أكتر ووالدي بيظهر عليه الغضب، وبدأ وجهه يحمر، ويزيد في الاحمرار لحد ما صرخ صرخة نفضتني من على سريري وقال: ـ قوم انجدها.. وصحيت وأنا قلبي هيقف من الرعب، أنا مش فاهم حاجة، بس لازم اتحرك بسرعة، أنا حاسس إن فيه كارثة بتحصل، اتصلت بصاحبي وحكيت له كل حاجة وهو تفهم الموقف رغم غرابته وطلعنا بالعربية ناحية المستشفى اللي كانت بتحتاج سواقة ساعتين بسرعة عالية..

ووصلنا للمستشفى ونزلنا من العربية ولفينا على رجلينا لحد باب المشرحة، وهناك لمحنا دخان طالع وحارس المشرحة قاعد هناك، الجو كان برد شديد وده خلاه ملفوف في أكتر من حاجة وقاعد باصص للنار ومش شايفنا، اتكلمت مع صاحبي وقولتله إني لازم أدخل المشرحة دي بأي طريقة، أنا لازم أفهم أيه اللي بيحصل جوة..

وهو فورًا اتجه ناحية الحارس وفضل يتكلم معاه شوية، وكأن عربيته عطلت على الطريق وفورًا أنا جريت ونطيت من على سور المشرحة، ومشيت بسرعة ناحية المبنى الوحيد اللي كان جوة واللي كان الباب بتاعه مش مقفول بالمفتاح، دخلت بسرعة للمبنى وبدأت البرودة تزيد، كنت وقتها بتابع على الواتس مع صاحبي اللي بيدردش مع الحارس واللي عرف منه إن ج.ثث الحوادث الجديدة بتكون في صالة ٣..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى