
نظرات عنيه كانت كلها سخرية واستهزاء، وكلماته الغريبة كانت دليل قاطع إن الشخص ده إما متخلف عقليًا أو عايش على كوكب تاني، أو يمكن لسة صاحي من غيبوبة وقع فيها لأكتر من تلاتين سنة، شرحتله كل ظروفي اللي هو كان عارفها من قبل ما أجي، بس هو كان مريض، مريض بمرض مصاب بيه شريحة كبيرة من كبار السِن اللي شايفين شباب اليومين دول مش بتوع شغل، وإنهم أهل للمسؤولية وقدروا يكونوا حياتم لأنهم أكثر اجتهادًا..
وبعد صمت طويل اتكلم وقال: ـ يا محمود يابني أنا مش هعترض على مبلغ الشبكة، بس حاول تجيب شقة في مكان أحسن شوية لأن الشقة دي صغيرة خالص.. بصتله باستغراب واتكلمت بصوت حاولت إنه يكون أقل عصبية وقلت: ـ يعني حضرتك تفتكر هجيب منين ٣٠٠ ألف جنيه عشان اشتري شقة تانية.. ـ ممكن تبيع دي وتكمل عليها.. ـ هبيع شقة في بيت أبويا وأدخل ناس غريبة على أخواتي البنات بقا ده كلام يا عمي!!
مقتنعش، وشايف إني لازم أجتهد وأسعى شوية لو شاري بنته، معرفش أيه علاقة الشراء بالطلبات التعجيزية دي، دنا محوش ٥٠ ألف بعد شغل أربع سنين ويادوب هجيب شبكة بـ ١٠ آلاف والباقي هجيب بيه الباقي من عفش الشقة، وده عمال يتشرط ويتكلم في أمور كأننا عايشين في مدينة الأثرياء، بيتكلم عن الـ ١٠٠ ألف كأنهم بييجوا بالشغل لمدة يوم أو اتنين، وبعد شد وجذب وحِدة في الحوار طلع معندوش كمان ذوق في معاملة الضيف، حتى مرفضنيش في التليفون، ورفضني من أول مقابلة، مع إن هو نفس الأب اللي كلمته في التليفون ورحب بيا جدًا وقالي ميهمكش أي حاجة وتعالى..
هو ليه الناس بتحب الكيل بمكيالين، ليه الناس عندها نقص في شخصياتهم، من أمتا بقينا بنقيس الناس على أد فلوسهم، ومن أمتا أصحاب البيوت الشبعانة بقوا جعانين أوي، ببساطة كدا تقدر تقول إني اتكسرت، شخص حساس وطول عمره بيتعامل مع الدنيا بقلب أبيض، مبيعرفش يتلون ولا ينافق، مبيعرفش يشوف الناس غير كويسين، وبعد ليلة من التفكير وكسرة النفس سبت شغلي تاني يوم بس، وده كان بعد إرهاق جسدي ونفسي كان هيجبلي أمراض الدنيا كلها..
إدارة فاشلة عشان زميلي له قريب فيهم فمكنش حد بيلومه، وأنا اللي بشتغل يوميًا لأكتر من ١٢ ساعة ومع أول مشكلة نصفوه عليا، رغم إنه كان أفعى عايشة على الأرض، عارف ازاي يتصدر المشهد بعد أي إنجاز في الشغل، وعارف ازاي يمارس دور الضحية رغم إن أسلوب شغله كان كله غلط في غلط، وأنا اللي ياما اتحملت وسهرت وضحيت مكنش ليا أي قيمة، ومع أول شكوى مني بعد مدح سنين محدش وقف معايا..
صدق واحد صاحبي لما قال هما عايزينك طول الوقت بتشتغل وبصحتك، لكن لما تمرض أو يحصلك مشكلة محدش هيقف معاك ولا هيفتكرولك أي حاجة حلوة، ولما أجبروني أكمل بالوضع المهين ده قدمت استقالتي ومشيت.. في يوم وليلة ضاع مجهود أربع سنين شغل، أربع سنين اتعرفت فيهم على دعاء، اتقيت الله فيها لأبعد مدى عشان تبقا زوجتي، واشتغلت في الشركة من يومها بكل طاقتي عشان اتجوز، وفي يوم وليلة طارت دعاء، وطارت الوظيفة، وعلى بالليل جالي الرد الأسوأ من كل ده..
روايتي اللي فضلت سنة كاملة اكتبها وبعتها لدار نشر كويسة جالي الرد عليها انهاردة بس، الرواية اترفضت لأنها لا تناسب سياسة الدار، كل حاجة حلمت بيها في يوم بقت سراب؛ يوم الفرح وأنت بتوريها كل خاطرة كتبتها عشانها، تخيلاتك وأنت راجع من الشغل مرهق ودعاء مستنياك بابتسامة، حفل توقيع روايتك يوم المعرض ودعاء جمبك وفرحانة..
وكمل اليوم معايا بمشكلة مع والدي انتهت بكلام خلى الدنيا كلها أسودت قدامي حرفيًا، خرجت من البيت قعدت على القهوة وأنا مبتسم زي الأهبل، ابتسامة بتحمل جواها كمية مرار ملوش حدود، والأسوأ إن مرار الفقد كان أهون من مرار العشم، لما بتتعشم في حاجة أوي وتتعب عشانها ومتاخدهاش وأنت شايف إن كل اللي حوليك بيحققوها بنص المجهود اللي بتبذله، وقتها بتحس بقهر كبير أوي، بتحس إنك مظلوم، مقهور، والدنيا مش هتديك أي حاجة..
وبكل برود الدنيا دخلت على الكشك اللي جمب القهوة جبت كارت فكة عشان أفتح نت واشتريت سيجارتين، أنا اللي عمري ما دخنت في حياتي بعترف بالهزيمة، وبعترف كمان إن الصالح مينفعش في الزمن ده، وكل ما بفتكر كل لحظة حافظت فيها عليها بلوم نفسي ألف مرة، كنت قادر أغويها بألف كلمة حب واخد منها كل حاجة وأرميها، بس شوية الضمير اللي مش عارف تتعامل معاهم، وأظن إن خلاص، مبقاش ليهم لازمة..
ولعت السيجارة وفتحت موقع إباحي وبدأت أغيب عن الواقع في أعماق الدخان والإباحية، رغم إني من أيام بس كنت بشوف اللي بيشوف ده مجرد مريض، بس واضح إن أنا اللي كنت مريض لما كنت بتعامل بمثالية في كل حاجة، ووسط إثارتي افتكرتها، ياسمين، واحدة كنت أعرفها من سنة من جروب المدينة اللي ساكن فيها وطلبت مني صراحةً نعمل الحرام مع بعض، أعتقد جه الوقت لعمل أي حاجة حرام..
كلمتها والغريب إنها ردت في ساعتها، وكانت طايرة من الفرحة ومستعدة تعمل أي حاجة عشان نرجع نتكلم، وبعدها كلمت واحد صاحبي وطلبت منه مفتاح شقته الفاضية وعرفته إن معايا صديق ليا هيبات معايا ومش عارف استضيفه فين، ببساطة خلال ساعتين ياسمين كانت جاية تقضي معايا ليلة في شقة صاحبي، الحلال اللي فضلت أربع سنين أحارب عشانه، ومعرفتش أطوله، والحرام خلال ساعتين جايلي مجانًا من خلال مكالمتين تليفون، أهي تجربة تستحق في النهاية..
وصلت الشقة واستنيت ياسمين اللي بلغتني إنها في خلال ساعة هتكون عندي بس مش عارفة تهرب من أمها المريضة بأي حِجة، قعدت على شوق وانتظار ولأول مرة قدرت فيها أدفن ضميري بالحيا، أعتقد إن الحياة مبتديش غير الوسخ اللي عنده استعداد يعمل أي حاجة، من الآخر خليك ناشف وخد اللي أنت عايزه من تحت ضرس أي حد مهما كان، ووسط تصفحي على الفيس بوك لقيت بوست غريب أوي.. تشارلي.. تشارلي.. هل أنت هنا..
واحد كان كاتب عن اللعبة المعفرتة دي، وبيقول إنها فعلًا بتستجلب الجِن، خاصةً لو نفذت كل التعليمات بطريقة صحيحة، هتجيب ورقة وتقسمها لأربع مربعات، وتحط قلم رصاص على الخط الفاصل بين المربعات وتكتب في مربعين نعم ومربعين كلمة لا، وتحط قلم فوق القلم التاني على هيئة + وتبدأ تسأل وتقول: ـ تشارلي هل أنت هنا؟؟
وتسأل أسئلة زي ما تحب لتشارلي، والقلم هيتحرك ناحية نعم أو لا، حاجة سخيفة وملهاش قيمة، بس معرفش ليه وبما إني في حالة إحباط وتحرر قررت أخوض التجربة لحد ما ياسمين تيجي، دورت في الأدراج لقيت قلمين وورقة، رسمت أربع مربعات وحطيت القلمين فوق بعض، قللت الإضاءة وخدت نفس عميق وبدأت.. بس قبل ما ابدأ فتحت البوست تاني عشان اتأكد من الخطوات لقيت كومنت بيقول إني لازم أقول التعويذة دي قبل ما ابدأ ……….، وقولتها تلت مرات من باب المغامرة، وبدأت؛ تشارلي هل أنت هنا؟!
مفيش أي استجابة.. جربت تاني، تشارلي هل أنت هنا؟! ولا أي استجابة من تاني.. ركزت شوية وبدأت اتكلم بانسيابية عجيبة ـ على فكرة أنا كنت بحب دعاء أوي، وكان نفسي اتجوزها وأعيش معاها، بس واضح إن الدنيا مش عاوزة تديني حاجة واحدة صح، تفتكر هي ممكن تكون من نصيبي؟ وفجأة لقيت القلم بيتحرك ناحية كلمة لا.. قلبي اتنفض مكانه، مع إني عارف إنها كلها ألعاب نفسية أو ممكن الهوا اللي طالع من الفم هو اللي بيحرك القلم، بس أنا كنت بعيد، والمكان مقفول وكاتم الهوا خالص، اتكلمت من تاني بهدوء وقلت:
ـ اتظلمت في شغلي بطريقة غريبة وضحوا بيا كأني ماليش أي قيمة، تفتكر أنا ممكن أرجع شغلي؟ والغريب إن القلم دار نصف دورة ناحية المربع التالت عند كلمة “لا” برضه.. حسيت بإثارة غير طبيعية، كملت كلامي وسألت هل هنتصالح أنا ووالدي، والمرة دي اتحرك القلم على كلمة “نعم”، ولعت السيجارة التانية وحسيت إن أنفاسي هتقف من فرط الإثارة، وفضلت حوالي ربع ساعة اتكلم مع اللعبة وهي تجاوب كأنها كائن حي، وفي النهاية سألت سؤال أخير:
ـ تفتكر هعمل علاقة ناجحة مع ياسمين انهاردة؟ لقيت القلم بيتحرك ناحية كلمة “لا” حسيت بانزعاج كبير وقلت: ـ يعني هعمل حاجة الليلة ولا لا؟ لقيته اتحرك على كلمة “نعم” ـ مع ياسمين ولا لا؟ ـ لا.. ـ يعني واحدة غيرها؟! ـ أيوة.. في اللحظة دي سمعت صوت جرس الباب، قلبي اتقبض مكانه، فتحت الباب بهدوء لقتها هي، ياسمين، دخلتها بسرعة وشوفت في عنيها نظرات رغبة فجة، بس أنا كنت في مود تاني خالص، شدتها من إيديها وقعدتها قدام اللعبة، وبكل هدوء سألت:
ـ تفتكر ياسمين بتحبني؟ واتحرك القلم على كلمة “لا”.. بصتلها بحذر وقلق عشان تتكلم بضحك وتقول: ـ أيه الغباء اللي أنت بتعمله ده، أحنا هنضيع الليلة في الألعاب الغريبة دي.. بصتلها بصة قرف وكملت: ـ طيب هي جاية عشاني؟ اتحرك القلم على كلمة “لا”.. ـ يعني لو أي واحد طلبها هتروح؟ اتحرك القلم على كلمة “نعم”.. وقتها بصتلها بقرف أكبر وهي واقفة بحذر غريب, وسألته: ـ هي شايفاني راجل طيب ولا مجرد نزوة؟




