
بنتي الصغيرة من يوم الحادثة وهي بتتنبأ بأي خطر أو ضرر ممكن يحصل لأي حد في العيلة، ٤ سنين كاملين مكنتش بتنطق غير كل كام يوم وتقول “قولوا لفلان ميعملش كذا عشان هيحصل كذا” أو “قولوا لفلانة متروحش المكان الفلاني عشان هيحصل كذا”.. ولما كنت أحاول استفهم منها هي ازاي بتتوقع ده لدرجة إن العيلة كلها بقوا بيسمعوا كلامها بطاعة تامة كانت بتقول إن فيه حد بيجلها بالليل وهي نايمة ويقولها الكلام ده وهي بتحفظه وبتقوله، مش أكتر ولا أقل، وبيشترط عليها متقولش كلمة واحدة كذب وتقول اللي اتقال لها نصًا وإلا العواقب مش هتكون سليمة إطلاقًا..
وعدت الأيام وأحنا على الحال ده، لدرجة إن بنتي بقا اسمها في المنطقة وفي العيلة “الشيخة هاجر” وفضلنا على الحال ده سنتين كمان، لحد ما بنتي صحيت في ليلة عنيها زايغة بطريقة غريبة وعمالة تبص يمين وشمال وتبص في وشي ووش أبوها بقلق كبير، ولما حاولنا نفهم طبيعة الحالة اللي هي فيها دي بدأت تبكي بهيسـ,ـتريا وتقول: – أنا مش عايزة اتكلم بس هي قالتلي لازم أتكلم.. سألناها باهتمام ليه مش عاوزة تتكلم قالت إن الموضوع المرة دي غريب شوية والصوت كان وكأنه مشوش، وإن الكلام هيأذي العيلة كلها، وبعدها بدأت تقول:
– أبويا بيخون أمي مع واحدة في الحرام.. مسافة ما سمعت الكلمة دي بصيت لجوزي بصدمة كبيرة أوي، مكنتش مصدقة اللي هي بتقوله، رغم إن كلامها بقا شيء مُصدق واستحالة يكون كاذب.. بنتي اللي طلبت نمنع ابن اختي يسافر ولما مراحش العربية اللي سافر فيها أصحابه عملت حـ,ـادثة واتحـ,ـرقت استحالة تقول حاجة غلط، اتصلت بأهلي وأنا منهارة، وعملنا قعدة كبيرة، كل ده وجوزي مبيتكلمش، ساكت، ومصدوم، وفي القعدة بدأ ينكر إنكار تام إن ده ممكن يكون حصل من الأساس، بس مين هيكذب هاجر، ده كان ممنوع ثم ممنوع..
ولما طلبت نفتش في تليفونه كانت الصدمة، محادثات إباحية مع أكونت فيك، ووقتها كان الحُكم، ساب الشقة وأداني تعويض وطبعًا طلبت الطـ,ـلاق وكان واجب ينفذ لأن العادات كانت في العيلة بتمشي على الكل بلا استثناء وهو كان ابن عمي كمان، وقعدات الحق بيتنفذ اللي بيتقال فيها رغمًا عن الكل..
واتطلقت وخدت الشقة والتعويض واتحكم عليه بنفقة كبيرة للبنت، وهو صراحةً قال إنه مش هيأخر أي فلوس عن بنته، وبقيت حُرة من راجل خاين مقدرش تضحياتي الكبيرة عشانه، ومشيت الدنيا نوعًا ما كويسة إلا إن بنتي رفضت الكلام إطلاقًا، ومبقتش بتتنبأ بأي حاجة إطلاقًا وكأن الموهبة دي اختفت مرة واحدة بدون أي مقدمات حرفيًا.. وبعد أيام بدأ ابن عمي الثالث اللي اسمه حسين يقرب مني ويتودد لأنه كان عايز يرتبط بيا أصلًا، ولما أبويا عرف وخد رأيي معارضتش، وقولت أهو راجل يعتني بيا وببنتي أحسن من وجودي لوحدي في الشقة..
وطبعًا الاتفاق تم بسرعة لأننا عيلة واحدة وكمان أنا أصلًا مطلقة وتاني جوازة ليا، وفعلًا حددنا ميعاد الزفاف بعد أسبوعين، بس في الفترة دي زادت وحدة بنتي أكتر وبقت بتقعد لوحدها كتير، وحتى كلامها اللي كانت بتقوله كل أيام كتنبأ فقدته تمامًا وبقت فاقدة للنُطق.. بس كنت بحس بيها دايما بتراقبني، أكتر من مرة، مرة في المطبخ كنت بطبخ وحسيت بيها ورايا وأول ما بصيت جريت وملحقتهاش، ومرة وأنا في الحمام شوفت عين بتبص عليا من فتحة الباب، ولما قمت مخضوضة وفتحت الباب ملقتش حد، وهكذا استمرت المواقف الغريبة دي لحد يوم الفرح..
بنتي هتقعد أسبوع عند أختي لحد ما نفرح بجوازنا وبعدها ترجع تاني، وفعلًا عملنا الفرح ودخلنا عِش الزوجية مع بعض، بس بعد دقايق بس بدأنا نسمع صوت برة الأوضة، صوت حد بيبكي، جوزي الجديد قام مستغرب وخرج للصالة يشوف فيه أيه بس رجع وهو مستغرب أوي وقال إن العفش بتاع الشقة متحرك من مكانه بطريقة غريبة..
حاولت أطمنه عشان الليلة متبوظش وفعلًا رجعلي تاني، بس مسافة ما ضلمنا الأوضة وهو تقريبًا غايب في تفاصيلي بدأت ألمح حاجة واقفة في الضلمة، جسم صغير قدام السرير بيتفرج علينا، شديته بعـ,ـنف وأنا خايفة وشاورتله، ومسافة ما ولع نور الأباجورة شوفت بنتي، أيوة بنتي اللي المفترض مع أختي في شقتها، كانت واقفة وعنيها فيها نظرة غضب رهيبة.. الغريب إن جوزي اتخض ووقع من مكانه وكأنه شايف شـ,ـيطان حرفيًا، وهي سابتني ومشيت، اتصلت بأهله من الرعب ووصلوا بعد دقايق، وجرينا على المستشفى عشان نكتشف الكـ,ـارثة، ضمور في النخاع الشوكي وحالة شلل فريدة من نوعها، جوزي دخل شقته عريس خرج منها مشـ,ـلول..
ومع وصلة رهيبة من التوبـ,ـيخ والاتهام بالشؤم من أهله اتطـ,ـلقت من جوزي ورجعت شقة جوزي القديم، الشقة اللي حاضنة فيها بنتي، دخلت الشقة لقيت بنتي نايمة في أوضتها، صحتها بعصبية شديدة بس نظرة واحدة منها خلتني أبلع غضبي وأسكت تمامًا، بنتي عنيها كانت بتوسع وتضيق زي الحيوانات، حتى اللون كان غريب وكأن عنيها بتتلون..
رجعت أوضتي وفضلت ساكتة، مش قادرة حتى أفكر وكأن عقلي داب جوة مخي تمامًا، وفين وفين لحد ما نمت، بس كلها ساعتين تقريبًا وشوفت حلم غريب أوي، شوفت واحدة ست لابسة أسود ووشها مضلم أكتر من الليل واقفة فوق مقبرة وعمالة تصرخ زي الحيوان السـ,ـعران، وأول ما شافتني صرخت وجريت ناحيتي على أربع زي الحيوانات.. صحيت من نومي مفزوعة وفضلت أشهق وأخد نفسي بالعافية، وفي لحظة لمحتها، بنتي كانت واقفة في ركن الأوضة بس وشها نفس وش الست اللي شوفتها في الحلم، وفي لحظة هجمت عليا وغرزت سنانها في فخذي بشراسة خلتني أصرخ بأعلى صوت ممكن..
وخرجت، خرجت وسابت جـ,ـرح عميق ومحفور والدـ,ـم بينزل منه بغزارة، كتمت الجرح وعشت ليلة من أسوأ الليالي لحد ما قدرت تاني يوم أروح أغير على الجرح اللي بقا لونه أزرق بطريقة مخيفة.. رجعت أعرج على رجلي ودخلت شقتي عشان أشم ريحة بخور تقيلة أوي وأسمع صوت همهمات غريبة، ومن أوضة بنتي شوفتها، نفس الست كانت خارجة وفي إيدها عود بخور مولع، أول ما شوفتها محستش بنفسي غير وأنا فاقدة الوعي تمامًا..
رغم إني حسيت إن فيه حاجة بتخـ,ـربش في جسمي بس مقدرتش أتحرك إطلاقًا، لحد ما عدى النهار بطوله وصحيت بالليل، صحيت وجسمي كله مولع نـ,ـار، قمت بسرعة وكشفت جسمي وبصيت في المراية عشان أشوف كلام كتير محفور في جلدي، وكأنه اتكتب بسيخ ملتهـ,ـب بالنـ,ـار.. وفضلت ليلة كاملة بتألم بالنـ,ـار اللي في جلدي، لحد ما كنت خلاص هرمي نفسي من البلكونة من الوجع، روحت لبنتي في أوضتها ومسكتها بعـ,ـنف عشان تفهمني اللي بيحصل، بصت ناحيتي بغضـ,ـب وقالت:
– أنتي السبب.. – فهميني وهعمل اللي هتقولي عليه عشان أصلح الغلط ده!! – هتعملي أي حاجة؟؟ – أيوة أي حاجة.. يوم الحادثة لما روحنا المقـ,ـابر بالليل نقرأ الفاتحة وأنا سرحت منك ولقتوني مغمى عليا جوة تربة فاكرة، يومها شوفت ست سودة هي اللي استدرجتني وخدتني جوة التربة، بس قبل ما تمسكني جت واحدة تانية وضـ,ـربتها بسوط من نـ,ـار وقالتلها متقربش، وفضلت جمبي وقالت إنها هتحميني طول عمري منها بشرط إني مكذبش ولو بكلمة..
وكانت بتقولي على أي شر ممكن يحصل لحد قريب مني وأنا بقول اللي بتقوله، لحد اليوم اللي سمعت صوت في نومي بيقول إن أبويا بيخون أمي، مكنش صوتها، بس خوفت مبلغش رسالتها تغضب، ومسافة ما بلغت الرسالة جتلي وهي غضبانة وقالت عقاب الكذب إنها هتسبني للست السودة.. ومن يومها والست السودة بتخليني أعمل حاجات وحشة وأخوفكم، وكمان هتخليني أعمل حاجات أوحش، وليها شرط إنك تروحي المقبرة اللي أنا وقعت فيها زمان وتسترضيها، وإلا هتدمر حياتك..
وقتها بس عرفت مقدار الجريمة اللي عملتها، أنا اللي حبيت حسين أوي من ورا جوزي، ولما اتفقنا نتجوز ونخلص من جوزي فكرت كتير، وفي الآخر قررت أهمس لبنتي وهي نايمة عشان تصحا تقول الكلام ده وكأني الصوت اللي بتسمعه، وفعلًا قامت قالت كدا، وكنت مفبركة شات بين جوزي وبين أكونت تبعي بما إن موبايله معايا على طول، واتطلقت منه بعد ما عملت فضـ,ـيحة، واتجوزت حسين، بس خليت بنتي تكذب، واتسلمنا للشـ,ـيطانة اللي كانت بتحمينا منها الست التانية، ودلوقتي لازم، لازم أروح المقبرة وإلا هيكون عقابي شديد..
وبعد تفكير ومواقف أبشع من البشاعة روحت للمقبرة إياها، وطول ما كنت ماشية في المقابر وأنا كنت حاسة بصوت خطوات ورايا، خطوات تقيلة ومخيفة أوي، لحد ما وصلت للمقبرة، وزي ما شوفت في الحلم، كانت الست فوق المقـ,ـبرة واقفة زي الغراب، وبتبص ناحيتي بثبات مُخيف، وقبل ما انطق قالت جملة واحدة بس: – هلازمك طول عمرك وهعفو عن بنتك..
ومحستش بنفسي غير وأنا بتنفض مرة واتنين وعشرة، وفضلت نايمة ليلة كاملة في المقابر لحد ما شافوني ورجعوني لأهلي، ومن يومها وبقت ملازماني، بس مش بتحذر من الحاجات الوحشة، دي بتبشرني بالحاجات الوحشة، هتقعي، فلان هيمـ,ـوت، فلان هيعمل حـ,ـادثة، وكانت بتقول بعد وقوع الحادث عشان تعذبني وتوريني كمان اللي بيحصل، جوزي خد بنتي اللي بقت بتتكلم واتعافت تمامًا، وأنا وقعت في شر أعمالي..
سنين طويلة وأنا على الحال ده لحد ما قربت اتجنن وأفقد عقلي تمامًا، بقيت بشوفها في كل حتة، صوتها بشـ,ـع، وشكلها صعب، وأخبارها شـ,ـؤم، بيقال عنها النوّاحة وبتعيش في المقـ,ـابر، بنتي نجت منها بسبب جنية صالحة، بس أنا منجتش منها، بسبب الكذب، الكذب اللي ربنا نهانا عنه تمامًا، الكذب اللي بيضر بصاحبه مهما توهم إنه بينجيه، يارتني صدقت مع جوزي وبنتي ومخدعتهمش، يارتني مخلتش بنتي تكذب بكلمة واحدة، يارتني..
عن عبدالله بن مسعود أن رسول الله ﷺ قال (عليكم بالصِّدقِ فإنَّ الصِّدقَ يَهدي إلى البرِّ وإنَّ البرَّ يَهدي إلى الجنَّةِ وما يزالُ الرَّجلُ يصدقُ ،ويتحرَّى الصِّدقَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ صدِّيقًا وإيَّاكم والكذبَ فإنَّ الكذبَ يَهدي إلى الفجورِ، وإنَّ الفجورَ يَهدي إلى النَّارِ ،وما يزالُ العبدُ يَكذبُ ويتحرَّى الكذبَ حتَّى يُكتبَ عندَ اللهِ كذَّابًا) صحيح الترمذي.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




