روايات

كتاب الأرواح للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

امبارح بعد نص الليل النور قطع بدون أي مقدمات، ومسافة ما المروحة وقفت بدأت أحس بنار في المكان اللي أنا فيه، وغصب عني قمت من على السرير وروحت على الحمام عشان أغسل وشي، وكانت الصدمة التانية إن المية قاطعة، وقفت أبص للحنفية في الضلمة وأنا مخنوق خنقة السنين ورجعت على سريري مرة تانية..

بس مسافة ما قعدت على السرير بدأت الصهدة تزيد ومكنش قدامي أي حل غير إني أروح أقعد على السطح شوية، مفيش أجمل من النسمات الربانية خاصة إننا في الأرياف والبيت بتاعنا عالي، فتقعد على السطح تحس إنك طاير، خدت ازازة مية ساقعة معايا وقعدت اتأمل السما والهدوء واستمتع بشوية الهوا الحلوين دول..

ووسط الهدوء والتأمل والجمال ده بدأت أسمع صوت خطوات ماشية بانتظام من مكان ما، أرهفت السمع شوية بس فعلًا كان فيه صوت واضح وضوح الشمس، بدأت أقرب من سور السطح عشان أشوف الصوت ده جاي منين وفعلًا لقيته جاي من السطح اللي جمبنا بتاع الجيران، وبما إن البيت بتاعهم أقل مننا بدور فكنت شايف السطح بتاعهم بوضوح شديد..

بس ده لو كان النور شغال، أما في الظلام ده فأنا مش شايف غير شمعة، شمعة مولعة وماشية وسط الظلام، أكيد حد من الجيران ماسكها وبيتمشى بيها حاجة طبيعية جدًا بما إن النور قاطع، بس غصب عني كنت براقبه أو براقبها معرفش ده جنسه أيه، بس الغريب إنه كان بيمشي بانتظام غريب، بيتمشى في مسار دائري وكأنه بيطوف بشيء ما، حتى إني لوهلة بدأت أحس بقشعريرة بتمسك في جسمي من رهبة الموقف..

حاولت أقنع نفسي إني ببالغ شوية عشان الأمور تهدى بس أنا مكنتش ببالغ، وده لأني لمحت حاجة غريبة طايرة في الجو، في البداية مكنتش مستوعب أيه دي، بس لما ركزت شوفتها على نور القمر، واحدة ست طايرة ولابسة فستان، طايرة بمحاذاة السطح بتاعنا واللي شايل الشمعة ده كأنه بيطوف من تحت منها، ركزت أكتر يمكن بتخيل بس كنت شايفها، شايفها بوضوح شديد، و.. النور رجع…

وشوفتها قدامي بوضوح شديد، حاجة عاملة زي المانيكان، ست ببشرة باهتة أوي وعنيها جاحظة وطايرة في الجو، ومن رعبي وصدمتي وقعت في الأرض ورجعت بسرعة، وفي لحظة كنت نازل جري لحد ما دخلت أوضتي وقفلت الباب، فضلت أتنفس وأحاول أسيطر على دقات قلبي وأقنعت نفسي إن كل ده كان مجرد وهم ليس إلا..

عدت الليلة ومكنش فيه أي مشاكل إطلاقًا، وتاني يوم فوجئت بوالدي بيقولي إنهم هينزلوا البلد تلت أيام عشان فرح ابن عمي، بس أنا عشان شغلي كان لازم أفضل هنا، ورجعت ليلتها من الشغل لقيت البيت كله فاضي، وبما إني اتغربت كتير فهعرف أعتني بنفسي كويس ومش هغلب يعني..

اتعشيت ودخلت عشان أنام، وقبل ما أروح في النوم بلحظات بدأت أحس بحر شديد من تاني، بس صوت المروحة كان موجود وده معناه إن النور مقطعش، بس الحر حرفيًا كان لا يُطاق، وكأن الهوا اللي بيجي على وشي طالع من شواية مش من مروحة، وفتحت عنيا، ومسافة ما عملت كدا، شوفت نفس الست، المانيكان اللي كان طاير على سطح البيت اللي جمبنا، شوفتها طايرة فوق سريري، ست ضخمة ووشها شاحب وعيونها جاحظة ولونها أحمر دموي، واللي تخطى كل الحدود في الرعب إنها كانت مبتسمة وبتبص ناحيتي بصات خلت شعر جسمي كله كان هيشيب..

قعدت على سريري مشلول، بحاول أنطق، أتحرك، أهمس، مفيش أي إرادة مني إني أعمل كدا، مجرد فزع، وجسم يابس وقلبي هينفجر من دقاته، وفي لحظة وقع على دماغي كتاب، كتاب تقيل حسيت بألم أول ما نزل على دماغي، صرخت من الألم واختفت الست تمامًا..

قمت من مكاني مرعوب وفتحت نور الأوضة وقعدت مكاني اترعش، بصيت بتوتر ناحية الكتاب لقيته مرمي على الأرض، قربت بحذر من الكتاب ومسكته، كان كتاب عادي بس الورق بتاعه قديم أوي، والحبر اللي مكتوب بيه كان أحمر دموي، فتحت أول صفحة لقتها مكتوبة بلغة غريبة وغير مفهومة إطلاقًا، حاولت أفهم أي حاجة بس مقدرتش أفهم حرف واحد من اللي مكتوب..

وفي لحظة النور قطع، اتنفضت من مكاني وجريت ناحية السطح، أنا مش مستعد إطلاقًا إني أفضل في مكان ضلمة مع الكيان الغريب اللي بيظهر قدامي ده، وطلعت على السطح وبدأت أذكر الله شوية، عشان الدنيا تهدى معايا، ووسط الصمت ده بدأت أسمع صوت نواح غريب، قربت من سور السطح وأنا بتنفض وخايف اللي شوفته يتكرر من تاني..

بصيت بهدوء تام لقيت اللي ماسك الشمعة ده ماسكها من تاني بس بينوح بصوت مش عالي، بينوح وكأنه بيصرخ على حاجة مهمة جدًا فقدها، وكان الصوت نسائي وسهل أوي تميزه، ورجع النور، اتخفيت عشان متشوفش إني براقبها، وفعلًا شوفتها، واحدة ست بس مش شايف ملامحها كويس، كانت عمالة تدور يمين وشمال على السطح بهيستريا وجنون، وكأنها فقدت أغلى حاجة في حياتها، معرفش ليه جسمي اتنفض لما تخيلت إنها ممكن تكون بتدور على الكتاب..

سبتها ونزلت على تحت وفضلت صاحي لحد تاني يوم، اعتذرت لمديري ومروحتش الشغل وخرجت من البيت قعدت مع واحد صاحبي، كنت محتاج أفصل شوية من الجنان الغريب اللي عمال بشوفه ده، ووسط الكلام قولتله وأنا بتصنع اللامبالاة: ـ هي الست أم حمد محدش بقا بيشوفها ليه هي وعيالها الاتنين الصغيرين بقالهم كام يوم!! لقيته بصلي بتعجب وقال: ـ يابني الست خدت عيالها ومشيوا من أسبوعين بعد ما جوزها مات على طول وقالت هتقعد عند أمها فترة..

بصتله بخوف وحاولت أتمالك أعصابي وقولتله: ـ يابني الست موجودة في بيتها.. بصلي بتحدي وقال: ـ تراهن.. بصتله بسرعة وقولت: ـ أراهن.. راح متجه ناحية البيت وفضل يخبط يجي خمس دقايق، ومفيش أي صوت إطلاقًا، بصلي بابتسامة وقال: ـ هتدفع كام بقا؟؟ سبته وأنا شارد الذهن وحاسس إني هتجنن خلاص، وفضلت في البيت مخرجتش لحد بالليل، وفي نفس الوقت خايف ألمس الكتاب، وعلى بالليل وبالنص اتكرر نفس الموضوع قطع النور، طلعت على السطح وأنا بدعي ربنا الأمور تعدي على خير، ولقتها على نفس السطح، عمالة تزوم، وتدور يمين وشمال بخوف شديد، وكأنها هتموت لو ملقتش اللي بتدور عليه..

نزلت جبت الكتاب ووقفت أتفرج عليها وأنا مش عارف أعمل أيه، هل احدفلها الكتاب، ولا لو عملت كدا المانيكان ولا الست المخيفة دي هتيجي تجبهولي تاني، ورجع النور، واتخفيت شوية عشان متشوفنش رغم إنها مكنتش بتبص لفوق خالص، كانت عمالة بتدور في كراكيب السطح زي المجنونة، فتحت الكتاب وبدأت أتصفح فيه بدون وعي.. بس لما وصلت لنص الكتاب لقيت ست صفحات مكتوبين بالعربي، وبدأت اقرأ وأنا مرعوب.. ـ تحضير أرواح الأموات وإحياء الموتى.. ـ إعادة الأرواح بواسطة دم المُقربين..

ـ طائر العنقاء يخرج من بين الرماد والبشر من بين الدماء.. جسمي كله اتنفض وأنا بقرأ، ووسط اندماجي ده حسيت بحاجة بتطير فوق مني، بصيت بفزع لقتها نفس الست، وكانت نفس الابتسامة المُخيفة على وشها، استخبيت بسرعة لقتها نزلت على سطح الست، بصيت عليهم لقيت الست بتقول: ـ العفو، العفو والرحمة أكيد هلاقي الكتاب وأكمل.. بس كلها لحظات وبدأت تشهق كأنها بتتخنق، ووقعت على الأرض وبدأت تتشنج بهيستريا، وفي اللحظة دي شافتني، وبصت بعيونها في عيني ولفظت أنفاسها الأخيرة بصوت حشرجة كان هيجبلي سكتة قلبية..

نزلت بسرعة واتصلت بأبويا وطلبت منه يسيب أي حاجة ويرجع فورًا، وتاني يوم الصبح كان فعلًا موجود، حكيتله إني كنت على السطح وشوفت جثة الست ومحكتش أي حاجة تانية، وفعلًا اتحرك فورًا وجمع الجيران وحكالهم وكسروا الباب ودخلوا بعد ما بلغوا الشرطة وحضرت..

وكان الجحيم في انتظار الجميع، أولادها الاتنين مدبوحين، جثة جوزها الميت معاهم، تقريبًا طلعتها من قبرها، وكل دول وسط الكراكيب بتاعة السطح، طلاسم مرسومة ودم وفي النهاية جثتها هي وعلى وشها علامات فزع مهولة، الناس بدأوا يستعيذوا بالله وقالوا إنها ساحرة، بس محدش كان يعرف غيري، الست دي أكيد كانت بتحضر روح جوزها، أو جنانها أوهمها إنها هتصحيه من تاني بدم أطفالها..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى