روايات

دِ.ماء صباح للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

صباح اتقتـ,ـلت.. صباح اتقـ,ـتلت.. كل الناس بتجري وبتطلب من ربنا الستر، ستات فوق في الدور الأخير من العمارة بيصـ,ـرخوا بهيسـ,ـتريا، الناس واقفة تحت العمارة بتضـ,ـرب كف على كف، صحيت من نومي مفزوع على صوت الصراخ، خرجت من أوضتي اللي علي أول المقابر أجري ناحية العمارة وأنا مش فاهم أيه اللي بيحصل.. أول ما الناس شافتني بدأوا يرددوا، صباح مـ,ـاتت ياعم حكيم، حسيت إن قلبي اتقسم نصين من الحزن، جريت على فوق لقيت الباب مفتوح والناس مغطيين جـ,ـثة صباح، دموعي نزلت في صمت وأنا بردد

ـ إنّا لله وإنّا إليه راجعون.. شلت الملاية من عليها لقيت أثر طلق ناري في بطنها ورقبتها، كانت نظرة عنيها مرعبة، مخيفة، مديت إيدي على راسها وطمنتها بكلام الله فملامحها استكانت شوية، مين قال إن الجـ,ـثث مبتسمعش وتحس بينا، أنا أكتر واحد عارف إن الجـ,ـثث بتحس وتسمع زينا بصفتي شغال حارس مقابر من تلاتين سنة كاملين.. شوية وجت الشرطة وتحفظوا على الجـ,ـثة وبدأ شغل رجالة المعمل الجنائي، كنت في عالم تاني من الحزن، بفتكر صباح اللي كانت كل يومين تجيلي وضحكتها منورة وتحلف إنها عاملة صنف أكل جديد وأنا أول واحد لازم يدوق منه..

كانت بتتردد جوايا كلمة يا عم حكيموو فتخليني أضحك بأعلى صوتي، بنت كانت بألف راجل، عمرها ما سابت حد، حتى الرجالة اللي كانوا بيقعدوا على القهوة برة آخر الشارع كانوا كلهم بيعتبروها أختهم، بنت محدش عرفها غير وحبها حب نقي بدون أي شروط.. أيام وأنا بتابع عشان نعرف من الشرطة مين اللي قـ,ـتلها، بس في النهاية محصلش أي جديد، وعدى تلت شهور علي الحادث، وجه أربعة من الطلاب عايزين شقة رخيصة للسكن، والمستأجر دلهم على شقة صباح وخد منهم شهرين مقدم، ووصلني الخبر بصفتي كبير المنطقة، اه أحنا مش في بلد أرياف بس كل الناس هنا واحد وبيحترموني ويوقروني..

خدت معايا شوية فاكهة وطلعت أزورهم وأشوفهم لو محتاجين حاجة، الواجب بيحتم عليا أعمل كدا، طلعت خبطت على الباب وفتح ليا شاب صغير، ابتسمت له بس الولد كان متردد جدًا ووشه أصفر، دخلت جوة وقولتله: ـ أمال فين أصحابك؟؟ ـ كلهم مشيوا من شوية.. ـ ليه يابني حد ضايقكم في حاجة؟! ـ عرفنا إن كانت فيه قـ,ـتيلة هنا وكلهم مشيوا.. ـ طيب وأنت قاعد ليه؟! ـ أنا حالي على أدي ومش معايا جنيه تاني أسكن بيه برة وصاحب الشقة وافق أقعد فيها شهرين من غير ما أدفع مليم زيادة، وطبعًا عشان يثبت للناس إن الشقة سليمة ويرجع يكسب منها تاني..

ـ ربك هيرزق يابني، أنا عمك حكيم، التربي بتاع المقابر دي وكبير المنطقة، أي حاجة مهما كانت تحتاجها أنا عنيا ليك، أوضتي اللي هناك دي على مدخل المقـ,ـابر.. وشاورتله من البلكونة اللي كانت بتطل على المقـ,ـابر على أوضتي، ابتسم وهدي شوية وكأنه حس بالأمان وقالي: ـ نعمل شاي بقا.. ـ ماشي يا أستاذ اااا هو أنت اسمك أيه يابني؟؟ ـ فادي يا راجل يا طيب..

كان شاب ابن أصول، باين عليه محترم، ربنا يحفظه بحفظه، خرجت من عنده ومرت الأيام بهدوء شديد، اللهم إلا إني مفتقد صباح اللي كانت عملالي إزعاج كل شوية عشان جايبة أكل للراجل اللي بتعتبره أبوها وأكتر… وفي ليلة اشتد فيها البرد ونزل المطر زي السيل لقيت خبط هيستيري على باب الأوضة، جريت على الباب وفتحته لقيت فادي واقف بيترعش ومش قادر يقف على رجله.. سندته بسرعة ودخلته جوة الأوضة، كان جسمه متخـ,ـدر، وشه أصفر ،حاولت استوعبه واسيبه يهدى خالص قبل ما أعرف منه سبب اللي هو فيه ده، عملتله ينسون عشان جسمه اللي عامل زي لوح التلج ده يفك شوية..

وبعد ساعة فعلًا بدأ يهدى ويتكلم، يتكلم بكلام مُخيف، مُخيف جدًا.. ………………. فادي…. بعد ما أنت مشيت من عندي اطمنت شوية إن فيه حد واقف جمبي، وعدى يوم والتاني وكل حاجة كانت هادية، مفيش أي مشاكل بتواجـ,ـهني، لحد من أسبوعين تقريبًا وأنا في أوضتي سمعت صوت كوباية بتتكسر، جسمي كله اتلبش وجريت على الصالة لقيت كوباية مكسورة، حاولت أهدى وقولت يمكن فار وقعها ولا حاجة، ونمت..

الشقة يوم بعد يوم كانت بتزيد في البرودة بعد منتصف الليل، خاصة إنها منطقة خلاء وأحنا في يناير، من كام يوم حسيت إحساس غريب أوي، كأن فيه حد معايا في الشقة، حد في الحمام، كنت خايف والإحساس ده عمال يزيد، قربت من الحمام سمعت صوت حركة، قلبي وقف من الرعب، حاولت أهرب من الشقة بس حسيت إن ده جُبن مينفعش أعمله..

فتحت باب الحمام لقيت الشباك مفتوح، غريبة أنا ملمستش الشباك ده من يوم ما جيت، وأنا بقفل الشباك لقيت ظل أسود برة، كأنه متعلق في الهواء، أنا اتجننت ولا أيه، جريت وفتحت البلكونة في البرد ده عشان اتأكد، بس الحمد لله مفيش حاجة خالص، كل حاجة تما…… شهقت، شهقت بفزع لما لقيت بنت واقفة تحت العمارة، مكنتش ملامحها باينة، بس كانت واقفة بصالي في ثبات رهيب، مين دي وواقفة كدا ليه في البرد ده، نظراتها كانت بتخلي جسمي كله يقشعر، وقلبي يدق بعـ,ـنف وريقي ينشف..

قفلت البلكونة وحاولت أنام، بس شكلها مكنش بيتمحي من ذاكرتي، معرفتش أنام خالص، رجعت أفتح البلكونة وبصيت منها، مكنتش واقفة، يمكن كنت بتخيل من التوتر، بس العجيب إني شوفت وسط ظلام المقـ,ـابر فيه مقـ,ـبرة ضوء النجوم ظاهرها دونًا عن أي مقـ,ـبرة تانية.. بصيت بذهول لقيت شبح البنت دي فوق المقـ,ـبرة عمال يتهز يمين وشمال، كأنه في الحضرة مثلًا أو في قعدة ذكر، وقتها حسيت بالرعب، قفلت البلكونة ونزلت تحت البطانية اترعش..

الليلة بقا دخلت أنام زي العادة، وبعد منتصف الليل سمعت صوت أنفاس ثقيلة في الأوضة، حسيت إني بحلم بس لما فوقت وعلى النور الضعيف اللي جاي من برة شوفت بنت واقفة بثوب غرقان دم قدام السرير، كانت بصالي بعيون ثابتة مبتتحركش، شهقت شهقة عـ,ـنيفة وفضلت اتحرك مكاني زي المعوق، أنفاسي باخدها بصعوبة وقلبي بقا بيوجـ,ـعني كأني بمـ,ـوت..

شوفتها بتلف وتخرج من الأوضة، قمت من سريري بتنفض، مين دي وعايزة مني أيه، دخلت هنا ازاي أصلًا، مشيت بحذر ناحية الصالة وأنا عمال أشهق، وشوفتها، شوفتها بتنط من شباك الصالة، من الدور الأخير، كتمت صرختي وجريت على البلكونة خرجت منها وبصيت لقيتها واقفة نفس وقفتها قدام العمارة، وبدأت تشاور ناحية المقابر.. حسيت برغبة كبيرة إني أمشي وراها، أفهم فيه أيه، وفعلًا أخدت الجاكيت بتاعي ونزلت، دورت عليها لقيتها عند مدخل المقابر، مشيت وراها بحذر عشان المطر يبدأ ينزل علينا، وكأنه بيكمل لوحة الفزع دي، مشيت جوة حارات المقابر لحد ما وقفت قدام مقـ,ـبرة مكتوب عليها، “معتز المسعودي”..

وشاورت قدام المقـ,ـبرة على التراب، وبعدت خالص، ولقيت نفسي بحفر، بحفر في الطين، المطر خلى الحفر سهل خالص، وشوية شوية لقيت كيس مقفول، فتحته لقيت مسدس، قلبي اتقبض لما فكرت إن فيه كـ,ـارثة ورا المسـ,ـدس ده، بصيت عليها لقيتها راجعة تاني ناحية العمارة.. جريت وراها لقيتها طلعت السلم، طلعت وراها وأنا مرعـ,ـوب وسمعت صوت صراخ مكتوم، جريت وفتحت باب الشقة لقيت راجل أصلع راسه ضخمة وعنده شامة في خده اليمين، كان بيتكلم وبيقول: ـ بعد كل ده عايزة تروحي لحد غيري!!

لقيت واحدة غريبة في شقتي بترد وتقول: ـ دي حياتي وملكش دعوة بيها.. ـ وأنا يا صباح؟! ـ أنت بقيت ماضي وانتهيت وإن مخرجتش من هنا هصرخ وألم عليك الدنيا.. وفعلًا بدأت تصرخ، لقيته طلع مسدس من جيبه في لحظة وقال: ـ يبقا ولا هتكوني ليا ولا لغيري.. وضـ,ـرب طـ,ـلقتين، طلقة جت في رقبتها والتانية في بطنها، المسـ,ـدس كان مزود بكاتم صوت فمحدش سمع حاجة، وطلع يجري برة الشقة، خرجت وأنا جسمي بيتنفض وجريت على أوضتك ياعم حكيم..

………………. ـ أنت متأكد يابني من اللي بتحكيه ده؟؟ ـ اه والله يا عم حكيم.. ـ طيب هات المسـ,ـدس.. لقيته خرج مسـ,ـدس ملفوف من جيبه وقالي ـ أهو، أنا ملمستوش عشان البصمات.. ـ أوصفلي اللي أنت شوفته بيقـ,ـتلها ده.. ـ ضخم، راسه ضخمة وأصلع وعنده شامة في خده.. ـ لا حول ولا قوة إلا بالله.. ـ أنت تعرفه ياعم حكيم؟! ـ ده طليق صباح طلقها من سنتين ويمكن أكتر عشان كان بتاع حشيش.. ـ هنعمل أيه ياعم حكيم؟؟

ـ أنت مش هتعمل حاجة أنت هترجع شقتك، وأنا هسلم السـ,ـلاح للقسم وأقول إني لقيته وأنا بحفر في الترب، وهجيب اسم طليقها قدام الظابط عشان يستدعيه تاني، لأني عرفت إنهم استدعوه بس ممسكوش عليه دليل، بس بالسـ,ـلاح ده إن شاء الله يقع.. ـ وأنا هروح فين دلوقتي؟؟ ـ هترجع شقتك تشغل فيها سورة البقرة ووعد مني مش هتشوف حاجة تخـ,ـوفك تاني.. وفعلًا روحت القسم وسلمت السـ,ـلاح، واتهمت طليقها، وبعد أيام سمعنا إن التهمة اثبتت عليه وإنه فعلًا قتـ,ـلها واتحول للمحكمة، وقتها بس حسيت إن النار اللي جوايا هديت شوية..

لحد ما لقيت فادي جالي في ليلة مبتسم: ـ أزيك ياعم حكيم.. ـ أزيك يا فادي يابني، فيه حاجة بتخـ,ـوفك في الشقة؟! ـ لا من يومها وكله تمام بس ليا طلب عندك.. ـ أؤمرني يابني.. عايزك تحكيلي حكايات زي اللي عشناها دي مرت عليك، أعتقد إن عندك ألف حكاية وحكاية.. ـ يااااااه يابني هتفتح الماضي ليه بس، على العموم أشرب شايك واسمع مني الحكاية دي.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى