روايات

نورة الطقاقة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

الحكاية بدأت مع مغنية مشهورة جدًا كويتية اسمها نورة الطقاقة، واسم الطقاقة كان لقب بيطلق على المغنيين اللي بيحييوا الأفراح ويغنوا كدا ويعملوا ليلة أنس وطرب.. ونورة كانت أشهر طقاقة في الكويت كلها، وكان الطلب عليها متزايد بطريقة رهيبة، وبالتالي كان الأجر بتاعها عالي جدًا هي والفرقة بتاعتها اللي كانت مكونة من سبع بنات تقريبًا.. ولكن العجيب إن نورة اعتزلت الغناء مرة واحدة بدون أي أسباب بعد ما شهرتها وصلت لكل مكان، وطلعت علامات الاستفهام تلف حواليها، ليه تعتزل مرة واحدة كدا وبدون أي مقدمات..

وخرجت نورة عشان تحكي أمر رهيب اتعرضت له هي والفرقة بتاعتها، وقالت نورة إن تليفونها رن في يوم الإجازة الخاصة بيها وبالفرقة، ولما ردت لقت واحدة ست بتطلب منها إنها تيجي تحيي فرح بنتها العروسة.. اعتذرت نورة وقالت إن ده يوم الإجازة اللي بيرتاحوا فيه وإنهم مش هيشتغلوا الليلة، ولكن أم العروسة فضلت تترجى نورة وتقولها إن دي بنتي الوحيدة وإنك لازم تيجي تحيي الفرح بأي وسيلة والكثير من الكلام ده.. وأشفقت نورة على الأم وقررت إنها تروح تحيي الفرح، وعرفت من الأم إن الفرح هيكون الساعة ١٠ في منطقة في الكويت اسمها “الصباحية” وإنها هتاخد ٥٠٠ دينار..

وكلمت نورة الفرقة بتاعتها وطلبت إنهم ينزلوا معاها الفرح، واتجمعت الفرقة بتاعتها بالآلات الموسيقية الخاصة بيهم، وراحوا المكان المنشود عشان يلاقوا بيت فخم جدًا من تلت أدوار ومزين بزينة كتير جدًا، بتقول نورة إن فيه شعور مُخيف فضل ملازمها طول الطريق بدون أي سبب، حتى إن الشعور ده مرحش لما شافت البيت الفخم وشكل المعازيم اللي باين جدًا إنهم من أغنياء المكان بملابسهم الفخمة الغالية..

ودخلت نورة بالفرقة بتاعتها واستقبلتهم الأم اللي كانت لابسة فستان أسود غريب الشكل، واللي كانت ضخمة بطريقة غريبة وكأنها أقرب للعمالقة منها للبشر، والأغرب إن نورة لما سلمت عليها لقت إن ملمس إيديها خشن جدًا ولما باستها حست بقوة وصلابة جلد وجه الست دي وكأنه من الصلب.. تجاهلت نورة الأمر الغريب ده وراحت مع الست دي هي والفرقة لغرفة في البيت عشان يجهزوا للعرس، يغيروا هدومهم، يجهزوا الآلات الموسيقية وخلافه، بس لما الباب خبط ودخل منه مجموعة بنات وسلموا على الفرقة رجعت الأمور الغريبة تضـ,ـرب راس نورة من تاني..

البنات دول كانت برضه إيديهم خشنة جدًا وفيه حرارة شديدة دخلت المكان في حضورهم، ولاحظت الكلام ده بنت في فرقة نورة اسمها شمس وبدأت تصرح بأفكارها وتقول إن فيه شيء غريب في المكان ده، بس نورة تجاهلت الأمر وقالت إنك مجهدة بس شوية وخلينا نخلص الحفل ده ونمشي من المكان كله.. وجت الساعة عشرة ونزلت الفرقة عشان تبدأ في الغناء، بس المريب كان شكل العريس والعروسة، العريس اللي كان لابس زي غريب جدًا يشبه ملابس العثمانيين، والعروسة اللي كانت لابسة فستان أسود مرصع بالذهب، والأغرب إنهم تقريبًا كانوا أقرب للتماثيل بنظرتهم الجامدة وثبات أجسادهم الغريب..

وبدأ الغناء، واندمجت الفرقة في تقديم الفقرة لحد ما انتهوا منها في سلام تام، وكان العرف إنهم هيرتاحوا شوية عشان ينزلوا يقدموا الفقرة الجديدة، في الوقت ده شعرت نورة بتعب غريب، دوخة وزغللة في العين وكأنها هيغمى عليها، ولقت إنها لازم ترتاح بأي وسيلة، وأوضة الفرقة هتكون دوشة ومش هتعرف ترتاح، عشان كدا سابت الدور الأرضي كله وطلعت على فوق..

واتفاجئت نورة بالدور التاني كله اللي كان مهجور تمامًا، وكأن مفيش رجل بني آدم طلعته من سنوات طويلة جدًا، تراب في كل مكان وأعشاش عنكبوت، أثاث متهالك وأبواب قديمة، بس الإرهاق زاد وكان لازم ترتاح مهما كان، فتحت باب أوضة لقت سرير قديم جدًا ومتهالك، وبدون ما تشعر مددت على السرير وسقطت في النوم..

نورة بتقول إنها شافت في الحلم ست ضخمة جدًا لابسة أسود بتجري وراها وبتصرخ، كابوس فظيع خلى نورة تصحى من نومها مفزوعة وتجري على باب الأوضة عشان تفتحه وتخرج، بس للأسف نورة معرفتش تفتح الباب لأنه كان مقفول، وهنا انتابتها حالة هستيرية من الخوف خلتها تشد الباب بكل قوتها لحد ما اتفتح..

اتفتح عشان تلاقي نفس الست المُخيفة اللي شافتها في الحلم واقفة قدامها، نورة من هول الأمر كان قلبها هيتوقف، دارت الارض بيها وغمضت عينيها وفتحتها تاني عشان تلاقي الست دي اختفت تمامًا، وقبل ما نورة تهرب من المكان لقت طفل شكله عادي جدًا واقف قدامها مبتسم، جت تكلمه قام الطفل جري منها وطلع على الدور التالت..

طلعت نورة وراه ظنًا منها إنه ابن حد من أهل الفرح وإنه ممكن يكون المكان خطر على الطفل، ولما طلعت الدور التالت لقت برضه الدور كله مهجور، وضحكات الطفل جاية من كل مكان تقريبًا، وفجأة ظهر الطفل في آخر الممر ودخل أوضة وقفل الباب، راحت وراه نورة عشان تاخده وتنزل بيه، ولما وصلت للباب كان المكان كله صمت تام.. ولما قررت تنزل لقت شيء غير مرئي مثبت رجليها بقوة شديدة ومش قادرة تتحرك، وبعدها سمعت حد بيهمس في ودنها وبيقول:

ـ غني أنا بحب غناكي.. بدأت تترعش وتنهار، ورددت: ـ أنا خايفة.. جاوبها نفس الهمس: ـ متخافيش محدش بيمـ,ـوت ناقص عمر.. ـ غني يا نورة أنا صديقك.. في الوقت ده قدرت إنها تتحرر مع المقاومة من الشيء ده وتجري وتهرب لتحت وتدخل أوضة الفرقة عشان تفاجأ بالبنت شمس بتبكي بشدة.. ولما استفسرت منها عن سبب بكائها بوجه أصفر شاحب حكت شمس الآتي:

ـ كنت بدور عليكي وقالولي إنك طلعتي فوق، طلعتلك فوق لقيت المكان كله مهجور، ولقيت راجل لابس أسود ملوش ملامح وكان فيه شيء بيجذبني ليه بقوة، قربت منه أكتر وشوفت وشوش مرسومة على الحوائط شكلها بشع، وفي الآخر اختفى الراجل ده وأنا رجعت لهنا، أحنا لازم نمشي من المكان ده..

طمنتها نورة وقالتلها إن دي أخر فقرة هنقدمها ونمشي أحسن ما حد يضرنا بشيء، ونزلت الفرقة وبدأ الغناء، وبدأت المعازيم تندمج وتغني بصوت رهيب، بعدها قاموا وراحوا يرقصوا بهيسـ,ـتريا فظيعة وكأنهم دراويش، وبعدها بقوا بيغنوا بصوت أشبه بالصراخ مع الفرقة، ومع الرقص والغناء ومن تحت فساتين المعازيم شافت نورة والبنات رجليهم، رجليهم اللي مكنتش رجول بشر، بل كانت رجول حيوانات..

وأصاب الفزع كل أفراد الفرقة، وبدأوا يتراجعوا، ولكن نورة حست إنهم لو بطلوا غناء هيمـ,ـوتوا على إيد الناس دي، وكملوا غناء وهما بيرتجفوا من الرعب، وفجأة سقطت شمس مغمى عليها من الرعب، وقامت واحدة من المعازيم، وبدأت ترقص بطريقة هيسـ,ـتيرية بغباء لدرجة إنها قطعت شعرها بقوة ونزل من مكان القطع ده دـ,ـم، وقام شخص تاني خرج ألة شكلها غريب زي كف الإيد عليها طلاسم غريبة وبدأ يعزف مع الأغاني..

وقتها بدأ شكل المعازيم يتغير لكائنات بشعة، غريبة، ودخل المكان معازيم أكتر وأكتر، العشرات منهم دخلوا لحد ما حاوطوا أفراد الفرقة تمامًا، وأدركت الفرقة إنهم ميتين لامحالة، وكانت النجاة في أذان الفجر اللي أول ما أذن انطفت الأنوار كلها، واختفت كل الأصوات، شالوا شمس وجريوا زي الصاروخ بره البيت وسابوا كل المعدات بتاعتهم، واتفاجئوا وهما بيجروا براجل عجوز شكله مُخيف..

طبعًا وجوده أصابهم برعب كبير، وبعد ما حكوله إنهم كانوا في فرح في البيت اللي هناك فوجئوا بشكل البيت بقا غريب ومهـ,ـجور وقديم جدًا، وبدأ الراجل يقولهم إن البيت ده مهجور من سنين طويلة وإن البيت ده محدش بيقدر يقرب منه إطلاقًا، ومن يومها اعتزلت الفرقة الغناء للأبد، بعد ما تيقنوا إن الحفلة دي كانت حفلة للجـ,ـن.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى