روايات

زجاجة لبن للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أسـ,ـوأ شعور ممكن يحصل للراجل هو لما مراته تمـ,ـوت بعد زواجهم بمدة قصيرة، ويكتشف فجأة إن حياته كلها أصبحت بلا معنى، وإنها كانت فعلًا حياته كلها اللي عايش علشانها، بس دي كانت حكمة ربنا سبحانه وتعالى، رغم إنها تعبت جدًا في أيامها الأخيرة لما السـ,ـرطان أتمكن منها وبقت بتتنفس بصعوبة، وبدأ جسمها يتحلل وهي على قيد الحياة.. شوفت مراتي وهي بتتحول لهيكل عظمي، وشوفتها وهي تحت جهاز الأكسجين، وشوفت دموع الألم وسمعت منها آهات العذاب، لدرجة إني كنت بدعي ربنا يعجل بمـ,ـوتها عشان العذاب اللي هي فيه، لحد ما روحتلها مرة المستشفى بعد ما الإدارة اتصلت بيا بعد الفجر..

جريت وأنا إيدي على قلبي أنا وبنتي الصغيرة سهام، عشان اتفاجئ بمراتي لابسة الخمار وبتصلي صلاة الضحى، معرفش ازاي قامت ودب فيها النشاط ده كله، وقتها حضنت بنتها وكانت مبتسمة وفي قمة الهدوء، وقالتلي إنها بقت أحسن وخلاص مفيش وجع تاني، كان وشها منور بطريقة غريبة أوي، وفي النهاية طلبت مني أرجع على البيت وأجي على العصر..

حاولت أستفهم منها عن السبب بس رفضت تجاوبني، وعلى العصر جالي خبر وفاتها من المستشفى، ووقعت في نوبة بكاء وحزن محصلتش من يوم وفـ,ـاة أبويا الله يرحمه، مكنتش أعرف إنها بتودع الحياة وبتودعنا، قالولي في المستشفى إنها ماتت والمصحف في إيديها، ودفـ,ـنت مراتي يومها وأنا حاسس إن أنا أضعف خلق الله..

يومها كنت باخد القوة من حـ,ـضن بنتي سهام الصغيرة اللي لسة مكملتش ست سنين بس، لحد ما أكرمت مراتي ودفـ,ـنتها، وخدت العزاء بتاعها كمان، وبدأت تليفونات الشغل تزن عليا عشان أرجع، وحقيقي كنت ناوي أعتزل الدنيا كلها بعد مـ,ـوتها، بس بنتي اللي كانت وصية مراتي، واللي كان لازم أرجع للحياة من تاني عشانها واتحمل الدنيا بعد فراق أغلى واحدة لقلبي..

وكانت المشكلة، الشركة واخدة مشروع جديد ومطالب مني أقعد تلت شهور في سكن تبعهم، ومكنش ينفع غير إني أخد بنتي معايا، بس سكن الشركة مش هينفع، وكلمت إدارة السكن اللي تفهمت الموقف وبعتت مندوب للمحافظة اللي هسكن فيها وجابتلي شقة خلال ٢٤ ساعة، كانت بعيدة شوية عن سكن المهندسين بس قولت مش مهم طالما العربية هتعدي عليا يوميًا.. وجهزنا حاجتنا وخدت بنتي اللي أول ما خرجنا من البيت سألت سؤال دمر أعصابي كلها: ـ مش هناخد ماما معانا؟؟

وحضنت البنت ومردتش عليها بنص كلمة، وركبنا القطر وانطلقنا، وعلى بالليل وصلنا الشقة وكان عندي شغل الصبح، نزلت بسرعة اشتريت أكل كتير حطيته في التلاجة وظبطت دولاب بنتي ونمنا من التعب، وتاني يوم نبهت عليها تفضل في الشقة تتفرج على الكارتون لحد ما أرجع ومش هتأخر عليها، والأكل حضرته على السفرة عشان تاكل لو جاعت..

ونزلت على الشغل وأنا بدعي ربنا يسهل الأمور من عنده، وخلصت أول يوم شغل ورجعت لقيت البنت نايمة وشكلها مُرهق وحزينة جدًا، لأنها مش متعودة تقعد لوحدها، فكرتني بملامح مراتي لما كانت تسهر للساعة واحدة ومتنمش لحد ما تطمن إني رجعت، عملت الغدا واتغدينا وقعدنا مع بعض شوية لحد بالليل ونمنا.. وبدأت الأيام تمر رتيبة، يوم بعد يوم بعد يوم، لحد ما في مرة بنتي الصغيرة طلبت مني أجيب ازازة لبن أطفال وأنا راجع، استغربت من طلبها بس محبتش أرفضلها أي حاجة لأنها وحيدة وأنا مقدر اللي هي فيه..

ولما رجعت من شغلي لقيت ازازة اللبن خلصانة، استغربت لأن بنتي مبتحبش اللبن ولا كانت بتدوقه، بس عديت الموضوع، ويوم بعد يوم بدأت تطلب ازازة لبن يوميًا، وكنت غصب عني بجبها وأنا مش عارف بتخلصها فين، لحد ما في يوم سألتها بحزم عن اللبن بعد ما بدأت أشك في أفعالها.. لقتها بكل براءة قالتلي: ـ عشان خاطر مروان.. ـ مروان مين بقا؟! ـ مروان النونو.. ـ أنتِ بتتخيلي يا حبيبتي، ومفيش لبن تاني..

لقتها بدأت تدبدب برجليها على الأرض وتعيـ,ـط بطريقة مستفزة جدًا، زعقتلها واتعصبت عليها لحد ما خافت وسكتت، وعلى بالليل صالحتها وخدتها عشان تنام جمبي، بس كانت صامتة ومستسلمة تمامًا.. وفي نص الليل صحيت على صوت بكاء طفل في قلب شقتي، قمت من مكاني مفزوع وأنا مش فاهم الصوت ده جاي منين، الأول تخيلتها بنتي بس لما لقيت بنتي نايمة جمبي خفت..

خرجت للصالة ومنها للأوضة التانية اللي كان جاي منها صوت البكاء، وفضلت أتقصى المكان لحد ما اكتشفت إن البكاء جاي من الحيطة نفسها، قولت يمكن من عند الجيران وتجاهلت الموضوع، بس صوت البكاء فضل في ودني طول الليل لدرجة إني معرفتش أنام ساعة واحدة بس..

وتاني يوم كان جسمي متكسر من قلة النوم، ومطلبتش بنتي اللبن وأنا تجاهلت الموضوع، بس الغريب إن البكاء استمر تاني ليلة برضه وبطريقة مستفزة جدًا، لحد ما تاني يوم ومن القلق والسهر والتوتر خبطت على الجيران وبأسلوب مهذب بلغتهم إني بشتغل شغل مُرهق وصوت الطفل بالليل بيكون مزعج جدًا، بس الغريب إنهم استغربوا جدًا وقالولي إنهم معندهمش أطفال، راجل عجوز ومراته وبس.. واعتذرت عشان الموقف كان محرج ورجعت شقتي، لقيت بنتي جاية بتبوسني وبتوشوشني في ودني وبتقول:

ـ أنت عايز مروان يبطل عياط يا بابا؟؟ حسيت بخوف كبير أوي وقتها وقلتلها: ـ أيوة.. ـ يبقا هات لبن معاك.. وقررت أجيب لبن وأنا حاسس بخوف كبير على بنتي، وفعلًا تاني ليلة مسمعتش أي صوت، وغصب عني كان لازم أفهم أيه اللي بيحصل في شقتي، قررت أجيب اللبن الصبح كالعادة ومروحش الشغل، هنزل ساعة وهرجع بسرعة، وفعلًا عملت كدا، ودخلت شقتي وأنا بتسحب، وسمعت صوت بنتي بتقول بصوت عالي: ـ يالا أشرب اللبن يا مروان..

وبعدها صوت صمت غريب ولقتها بتقول: ـ بابا رجع تاني.. قلبي اتنفض من مكانه، أنا داخل بتسحب واستحالة تكون سمعتني، لقتها طالعة وبتبص ناحيتي بلوم وعتاب كبير وبتقول: ـ ربنا يسترها عليك يا بابا.. وفضلت طول اليوم قلقان، عمال بفكر في الجنان اللي بيحصل في شقتي ده، وعلى بالليل خدت بنتي في حضني عشان ننام، وفي نص الليل بدأت أسمع صوت حاجة بتزحف قدام باب الأوضة، كأن حد بيجر شوال تقيل، أو حاجة وزنها تقيل أوي وبتزحف، قمت من على السرير وفضلت باصص ناحية الباب وأنا بستعيذ بالله لحد ما بدأت أشوف حاجة شكلها غريب وغير مفهومة..

حاجة مكورة بس من اللحم، أو جسم مالوش أطراف، لحد ما شوفت الوجه، وشهقت شهقة واحد بيحتضر، كنت شايف وش طفل أزرق وعروقه بارزة بطريقة مرعبة، وكان باصص ناحيتي بعيون سودة زي الليل ومبتسم، وفي لحظة زحف بسرعة كبيرة وهرب من قدامي.. وقفت مكاني وأنا قلبي بيدق، وجسمي بيتنفض، وخايف على بنتي، اتحركت بسرعة وراه وفضلت أدور في الشقة بس مكنتش لاقي حاجة، دورت مرة واتنين بس مفيش، لحد ما روحت وأنا مرعوب وصحيت بنتي وقولتلها:

ـ بالا نودي اللبن لمروان.. ابتسمت وفرحت وقالت: ـ يالا.. خدتني على الأوضة التانية وبعدها كانت فيه فتحة بسيطة ورا الدولاب زحفت عشان تعدي منها، وبعدها طلبت مني أناولها اللبن، طلبت منها أوديله أنا اللبن، بس قالتلي مش هتعرف تدخل، الدولاب كان ضخم وكبير، بذلت مجهود جبار لحد ما زحزحته من مكانه، وفي النهاية كشف عن كسر صغير في الحيطة، مسكت شاكوش صغير وبدأت أضـ,ـرب لحد ما وسعته، ومسافة ما نورت النور شوفته، هيكل عظمي لجـ,ـثة صغيرة وجمبها علب اللبن اللي كنت بجيبها..

خدت بنتي بسرعة ونزلنا عملنا محضر في قسم الشرطة اللي حضرت فورًا وشافوا الجـ,ـثة وبدأوا يستدعوا صاحب العمارة اللي بدوره قال عن اللي كانوا ساكنين قبلي في الشقة، وقدرت الشرطة تستدعيهم، كان واحد ومراته مطرودين من الشقة بسبب إن الست كانت سيئة الخُلق وناس كتير اشتكوا إنها بتجيب رجالة الشقة من ورا جوزها، وإنه طلقها لما عرف كدا..

واعترفت الست في النهاية، قالت إنها كانت متجوزة الراجل بعد طلاقها، والراجل كان عنده طفل مولود بدون أطراف، وكانت كارهة حياتها وهي بتراعيه بحُكم شغل جوزها، وكانت خاينة وبتعمل علاقات كتير في الحرام لما كان جوزها بيسافر بالأسبوع في شغله، لحد ما في مرة كان معاها راجل والولد كان بقاله يومين تعبان وهي متجاهلاه وغرقانة في الحرام لحد ما مات، ولما مات خافت من جوزها وقررت تعمل حيلة..

بمساعدة الراجل كسرت الحيطة ودفـ,ـنت الواد فيها، وغطتها بالدولاب، واتصلت بيه بعد ما عورت نفسها وقالت إن فيه ناس هجموا عليها وضـ,ـربوها وخطفوا الواد، الراجل جه هيتجنن من السفر عشان يعرف من الجيران إنها سيئة السمعة ومحدش صدقها، بس الراجل كان مسكين، من الناس اللي عقلهم صغير، طـ,ـلقها ومقدرش يعمل معاها أي حاجة بحُكم عقله الصغير..

وتلف الأيام والست تتكشف عن طريقي أنا وبنتي الصغيرة، وتتحاكم الست في القضية، ومن يومها خدت بنتي وبدلنا الشقة وأنا بحمد ربنا إنه نجانا من اللي أحنا فيه ده، حاجة علمتني إن فيه ستات في الدنيا يتحطوا على الجـ,ـرح يطيب زي مراتي، وعشانها تحارب الدنيا كلها، وفيه ستات أسوأ من الشـ,ـيطان وقادرة تدمر حياتك كلها.. العبرة كلها في الاختيار، الله يرحم زوجتي ويسكنها الجنة لأني عرفت قيمتها أكتر وأكتر بعد الحكاية دي، وعرفت واتأكدت فعلًا إن خير متاع الدنيا الزوجة الصالحة..

(تُنكَحُ المَرأةُ لأربعٍ: لمالِها، وحَسَبِها، ودِينِها، وجَمالِها؛ فاظفَرْ بذاتِ الدِّينِ تَرِبَتْ يَداكَ) صحيح البخاري ومسلم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى