
انهاردة روحت لمدير المستشفى اللي أنا شغال فيها وأنا جسمي كله بيترعش وأعصابي منهارة وكنت شبه همسك فيه وقولتله: ـ المريضة دي بتقوم من سرير العناية المركزة بالليل وتلف في المستشفى.. قولت الجملة ده وأنا شبه ثاير عليه، أما هو فكان باصصلي بكل استخفاف واستهزاء وهو بينفخ دخان سيجارته في هدوء شديد, وبعد ما بصلي أكتر من عشرين ثانية اتكلم ورد: ـ ما شاء الله أنت عايز تقنعني يا دكتور يا عاقل يا بتاع الطب أنت، إن المريضة اللي متشخصة بغيبوبة وتحت الأجهزة بتصحى بالليل كمان..
ـ أنا قولتلك اللي عندي عايز تصدق صدق, مش عايز ميخصنيش, وأنا مش هقعد في الدور ده ولا هاخد ورديتي في الدور ده، ولو مش عاجبك قولي.. طبعا في العادي كان مستحيل اتكلم بالطريقة دي قدام مدير المستشفى، بس بعد الرعب اللي شوفته ليلة امبارح خلاني مش باقي على حاجة، وبعد نظرات حادة من المدير لقيته بيقول: ـ خلاص هنقلك قسم تاني.. روحي ردت فيا لما قالي الكلمتين دول، وفي النهاية سبته ومشيت, مهو مش هبقا دارس سبع سنين طب عشان أول ما اتعين في مستشفى أشوف عفاريت، تولع المهنة باللي فيها، أنا مش هضيع نفسي كدا..
وفي اليوم التاني كنت في قسم تاني، وتولع العناية المركزة باللي فيها، استلمت مكتبي الجديد ونقلت حاجتي فيه وقعدت مبتسم، كان قسم الطوارئ وبما إن المكان هنا هادئ نوعًا ما، فكل أسبوع على ما بتجيلك حالة بالليل تزعجك.. قعدت ألعب على الموبايل شوية لحد ما لقيته قرب يفصل، دورت في حاجتي على الشاحن بس ملقيتوش، الله يخربيت كدا، شكل الشاحن لسة في الأوضة القديمة..
الساعة كانت قربت على اتنين بالليل وقتها، قسم الرعاية كان قصادنا بالظبط، قومت من مكاني وانطلقت ناحية المكتب القديم، الدور طبعا كان هادي تمامًا، مظلم، وخاصة إن كل أوضة فيها واحد واقع في غيبوبة، الممرضة جوه الأوضة ومكبرة دماغها ولو سمعت صوت صفارة أي جهاز هتروح، يعني تقريبًا الدور عامل زي المشرحة، يمكن مرعب أكتر من المشرحة.. وغصب عني عديت على أوضة البنت إياها، وقفت قدام الباب في رهبة حقيقية، كان مكتوب اسم المريضة “ابتهال سامح شكري”..
اتكلمت في سري وأنا بقول: ـ يا ترى أيه حكايتك يا ابتهال؟! فتحت الباب بكل هدوء لقيتها تحت الأجهزة، وشها كله مشوه بالكامل وعليه ضمادات، تمنيت لو قدرت أساعدها، بس افتكرت الرعب اللي شوفته بسببها امبارحؤ قفلت الباب وروحت على مكتبي، وزي ما توقعت، الشاحن في الفيشة اللي جمب الحيطة، تأملت المكتب لثواني وخدت الشاحن وخرجت.. عديت على أوضة البنت وحاولت مبصش عليها، بس المرعب إني لقيتها في أول الممر بتتمشى، نفس البنت ووشها محاط بالضمادات، جسمي كله اتنفض زي امبارح من تاني، بصيت لها وأنا بحاول ارجع بكل هدوء عشان متشوفنيش..
بس الم؟خيف انها بصتلي, بصتلي وشاورت, كانت بتشاور على صندوق القمامة الكبير اللي في اول الدور, بصيتله بعدم فهم وجريت, جريت بعيد خالص وخرجت من اخر الدور ونزلت على الدور الأرضي, وبعدها لفيت من برة المستشفى ورجعت لمكاني, قلبي كان بيدق بسرعة وانا عمال انهج.. رجعت مكتبي وقفلت عليا الباب وفضلت قاعد, شغلت قرآن وفضلت استعيذ بالله من الشياطين, عقلي كان هيشت مني، هو فيه أيه في البنت دي، امبارح شوفتها بتخبط راسها في الحيط بطريقة مرعبة ولما مشيت وراها دخلت مبنى المشرحة واختفت وانهاردة تشاورلي على صندوق القمامة..
مفوقتش غير على ضوء الشمس اللي دخل من الشباك، كان الساعة ستة الصبح، الوردية خلصت، قمت فورا وطلعت من القسم اللي كان في وشه قسم العناية، وقبل ما انزل على السلم شوفت أم محمود بتشد الصندوق الكبير، مش عارف ليه لقيت نفسي بنادي عليها، سلمت عليها واديتها عشرة جنيه، فرحت أوي ووقفت تتكلم معايا.. ـ هو الصندوق ده بيتغير كل أد أيه؟؟ ـ ممكن كل أسبوع مرة، أصل صناديق العناية محدش تقريبًا بيرمي فيها حاجة..
ـ طيب عنك.. ـ لا والله مايصحش يا دكتور.. يا ستي أنا من دور ابنك، هاتي أشد الصندوق عنك، ونزلنا عند الأوضة اللي بتترمي فيها أكياس القمامة، فضيت الصندوق على الأرض وفضلت أدور، معرفش بدور على أيه بس بدور، كانت كلها قطن وشاش و…… أيه ده؟! كانت أسورة بلاستيك من اللي بتبقا ملفوفة على إيد المريض، وبيبقا مكتوب عليها الاسم، ببص على الاسم لقيته “ابتهال سامح شكري”.. المُريب إنه كان بخط إيدي أنا، لأني أنا اللي استقبلت ابتهال أصلًا في العناية وكتبت اسمها على الأسورة ولزقتها على إيديها، حاجة غريبة جدًا..
سبت أم محمود اللي كانت مش فاهمة حاجة وطلعت فورًا على أوضة ابتهال، فتحت الباب وبصيت على إيديها، كانت فيه أسورة تانية، وبنفس الاسم، بس مش بخط إيدي أن، ده معناه إن حد قطع الأسورة بتاعتها وركب أسورة تانية، طيب أيه الحكمة من كدا؟! خاصة إني بركب الأسورة صح على كف المريض, مين اللي ليه مصلحة يغير الأسورة.. روحت البيت وأنا عمال أفكر، حاسس بحاجة غريبة، نمت وصحيت على ميعاد الوردية، تاني يوم وأنا قاعد في مكتبي بالليل سمعت صوت طرقات على باب المكتب، تلاقيه سعيد جايبلي شاي ولا حاجة، فتحت الباب ملقتش حد خالص..
الدور برضه مظلم وفاضي لأنه بتاع الطوارئ، بصيت يمين وشمال وجسمي كله اتخشب من تاني، كانت هي في آخر الدور واقفة، جسمي كله بدأ ينمل اووي، كنت هجري وأقفل الباب بس حسيت إني لازم أمشي وراها، لازم وبأي طريقة..
مشيت وراها وأنا جسمي كله بيترعش، لقيتها ماشية بدون خطوات تقريبًا، جسمها كأنه على عجل، بيمشي وهي ثابتة، يارب استرها يارب، عدت الدور كله لحد ما وصلت للدور اللي فيه تلاجة الأموات والمشرحة، عم عباس مكنش قاعد، دخلت من الباب ولقيت نفسي ماشي وراها، كان جسمي كله بيتنفض ومنمل، ورجليا ماشية وكأني فاقد السيطرة عليها، ولقيتها واقفة قدام درج من الأدراج وبصاله في صمت.. استنيت تعمل حاجة تانية بس معملتش، هي واقفة قدام الدرج مبتنطقش خالص، وفجأة حسيت بكف إيد بينزل على ضهري، صرخت ولفيت بفزع عشان ألاقي عباس، لاقيته مبتسم وبيقولي:
ـ بتعمل أيه هنا يا دكتور؟! بصيت من تاني للدرج ملقتهاش، شديته بعنف وقلتله وأنا عنيا متسعة من الخوف: ـ الدرج ده فيه مين يا عم عباس؟؟ ـ مالك بس يابني في أيه؟! ـ قولي بس الدرج ده فيه مين؟؟ ـ هتصدقني يابني لو قولتلك معرفش؟؟ ـ أنت بتهزر؟! ـ أبدًا والله، من يومين لقيت الدكتور رشدي مدير المستشفى ومعاه الدكتور علاء جايبين الجثة بالليل وبيقولولي خد سكنها في درج، ولما قولتلهم اسمها وبياناتها قالولي خليها بس دلوقتي لحد ما نستدل على بياناتها..
ـ افتح الدرج وريني الجثة دي.. ـ مينفعش يا دكتور؟! بصتله بكل غضب وقولتله: ـ قسمًا بالله لو مفتحتوش لبلغ عنك.. الراجل اترعب وراح فاتح الدرج، بصيت للجثة بعدم فهم شوية لحد ما شهقت، كتمت شهقتي لما شوفت الجرح، الجرح اللي في كف إيديها وأنا بركب الأسورة.. يا نهار أبيض؟؟




