
لما أمي تعبت شوية لقيت أختي بتكلمني عشان أخد أمي أوديها دار مسنين أو تيجي تعيش معايا في الأوضة اللي أنا عايش فيها، كلامها للوهلة الأولى مكنش مفهوم ومكنتش قادر أستوعبه، لدرجة إني كنت فاكرها بتهزر، أختي كانت زي ما بيقولوا روحها في أمي وياما اتخانقت مع جوزها ومعايا عشان أمي تفضل عندها، أيه السبب اللي يخليها تقلب عليها بالطريقة الغريبة دي..
ولما روحت جبت أمي تقعد معايا اتفاجئت بحاجات كتير مكنتش أعرفها إطلاقًا، أختي كانت مشغلة أمي خدامة عندها، بتخليها تعمل كل حاجة تقريبًا، طبيخ وغسيل وتنضيف وحتى تشتري الطلبات من برة، ولما تعبت شوية ومبقتش قادرة تعمل حاجة قررت تمشيها خالص لأنها مبقتش مفيدة بالنسبالها.. د مي فار وكنت ناوي أروح أعمل معاها مشكلة كبيرة لولا إن أمي أقسمت عليا إني مروحش أتكلم معاها ولو بكلمة، وبقا صعب إني أقعد مع أمي في بيت أبويا لأن بقالي ٣ سنين شغلي كان في بلد جنبنا، عشان كدا عرضت عليها تيجي تقعد معايا في الأوضة اللي مأجرها هناك..
رغم إني حاولت أستأجر مكان أحسن شوية عشان أمي لكني مقدرتش للأسف، الشغل اللي بشتغله يادوب بيكفي الأكل والشُرب والفلوس اللي بدفعها إيجار، وطبعًا ولأني عامل مشكلة من فترة في بلدنا أكتر من حد نصحني مرجعش لأن المشاكل هتزيد ومحدش هيقف معايا هناك..
وجت أمي وبدأت من جوايا أدعي ربنا الشغل يزيد حتى لو هشتغل اليوم بطوله، كان أكتر شغل بعمله في المقـ,ـابر، أنضف المقـ,ـبرة قبل الدفـ,ـن، أزرع صبار وشجر وأقص الشجر الطويل، أي أعمال بناء، كانوا بيطلبوني أكسر وأشيل، وحتى المقـ,ـابر القديمة اللي كانت بتتهد كنت أنا اللي بهدها، وده لأن أعمال البناء كانت واقفة في كل حتى إلا المـ,ـقابر..
من تاني يوم أمي جتلي وبدأت فعلًا أشوف بعنيا الرزق بيزيد، أكتر من حد كلمني واتضاعفت اليومية بين يوم وليلة وحسيت إن وجود أمي هيكون سبب كبير إن ربنا يوسع رزقي، غير إني حسيت إن صحتي بترجع مرة تانية بعد ما كنت بتعب الأيام دي ومبقدرش أشتغل طول اليوم، لحد ما كنت بشتغل آخر النهار في مقبـ,ـرة مهدودة، كنت بنقل الردم والحجارة برة المـ,ـقبرة وأرجع أشيل من تاني وهكذا.. وسط مانا مندمج في الشغل اتفاجئت بواحدة ست بتنادي عليا وشكلها كان باين عليه الخوف والتوتر أوي، قربت منها لقتها بتقولي جملة غريبة شوية
ـ أنت هتأذيني ولا مش هتأذيني؟؟ ابتسمت عشان أطمنها ورديت عليها وقلت: ـ لا مش هأذيكي خير عايزة أيه؟؟ لقتها اتطمنت وملامحها استكانت وقالتلي: ـ كنت بقرأ الفاتحة على قبر والدي وشنطتي وقعت جوة.. معرفش ازاي اقتنعت بكلامها وكأن عقلي أتشل رغم إن كلامها مكنش منطقي أبدًا ومشيت وراها، وبعد دقايق وصلنا لقبر مفتوح، استغربت المشهد لكني بدون تفكير نورت كشاف الموبايل ونزلت، دورت يمين وشمال ملقتش حاجة، استغربت وطلعت وقولتلها إن مفيش حاجة..
طلبت مني أشوف تاني وأركز لأني مش مركز كويس، ونزلت تاني، وكأن كانت فيه غمامة على عنيا واتشالت، لقيت قدام عنيا كفـ,ـن وجواه جـ,ـثمان، الكـ,ـفن كانت عليه بقعة د م لسة لونها أحمر وكأن المـ ـيت ده مـ ـات من دقايق بس، ولقيت نفسي وأنا مصدوم بكشف عن وجه المـ ـيت، وصُعقت لما لقتها نفس البنت اللي قالتلي إن شنطتها وقعت جوة.. خرجت في لحظة من القبـ,ـر ملقتهاش، مكنش ليها أي أثر، وكلها لحظات وسمعت صوت حد بيقرب، استخبيت بسرعة وبدأت أراقب المكان، لقيت راجل وست بيقربوا من القبر وفي إيديهم قفل، قفلوا القـ,ـبر بسرعة وسمعت الراجل بيقول للست :
ـ الله يخـ,ـربيتك حد ينسى القِفل برضه، الحمد لله إن محدش شاف حاجة.. مشيوا من قدامي ومحدش منهم عرف يشوفني، مشيت وراهم بهدوء لحد ما خرجوا من المقابر خالص ووقفوا توكتوك ومشيوا، ولقيت نفسي بحفظ نمرة التوكتوك لعل وعسى احتاجها في أي حاجة، ورجعت البيت يومها مغموم ومهموم، مش عارف أكل ولا أشرب ولا عارف أنا ممكن أعمل إيه..
جوايا ألف حاجة بتقولي أسكت ومتتكلمش عشان متدخلش في مشاكل أنت مش قدها، وجوايا حاجات تانية بتقولي لازم تتكلم وتحكي عن الغلط، ونمت يومها من كتر التفكير، نمت عشان أشوف نفسي عند نفس القبر، كنت واقف بس المرة دي أنا اللي بدفن البنت، والراجل والست بيوجهوني وبيقولولي أدفنها فين وازاي، البنت وقتها كانت صاحية وعمالة تبكي ورغم كدا مكنتش مهتم بيها..
صحيت من النوم قلبي بيدق ونفسي هيقف من التوتر، ورغم إني مش متعلم أوي بس حسيت إن الحلم ده رسالة، رسالة بتقول إن سكوتي ده معناه إني مشارك معاهم في المصيبة دي، في اللحظة دي لقيت أمي بتدخل عليا رغم إننا في نص الليل، قالتلي إنها حاسة بيا، وحاسة إني مهموم.. وقتها وبدون سبب حـ,ـضنت أمي وبكيت زي العيال، بكيت من الضغط والتوتر اللي جوايا، طبطبت عليا بإيديها لحد ما ابتسمت، قولتلها إني شوفت حاجة ولو اتكلمت ممكن تحصلي مشكلة كبيرة أوي، ولو سكت فأنا مشارك في ظُلم كبير..
لقتها حكتلي قصة كلنا نعرفها، لما رسولنا الكريم راح للسيدة خديجة رضي الله عنها، خايف وقلقان لما شاف سيدنا جبريل في الغـ,ـار، بدأت وقتها تطمنه وتقوله إنه بيصل رحمه وإن ربنا مش هيضيعه أبدًا، وكملت أمي وقالت إني بار بيها وإنها راضية عني، وإن البار بأمه واللي بيتقي الله ميخفش، ربنا بيحفظ عباده وإن الخوف بيكون من الله وبس، كلامها نزل على قلبي بردًا وسلامًا، وعرفت أنا هعمل أيه بالظبط..
تاني يوم طلعت علي القسم وحكيت كل حاجة، طبعًا قولت إني شوفت قـ,ـبر مفتوح ومحكتش عن البنت لأن محدش هيصدقني، وقولت على رقم التوكتوك اللي ركبوا معاه، وفعلًا طلع معايا ظابط وأمين شرطة وفتحنا القبر ولقينا الجـ,ـثة، ومع التحريات جابوا التوكتوك وعرفوا هو وصل الناس فين بالظبط واللي طلعوا أصحاب القـ,ـبر نفسه..
واتكشفت الجريمة، الست متجوزة مرة تانية، ودي بنتها من زوجها الأول، ولكنها أم قاسية وست سيئة جدًا، جوزها كان بيعـ,ـتدي على بنتها ولما هددت إنها هتحكي لأبوها اللي هو جوز الست الأول اتخلصت من بنتها هي وجوزها لأنها كانت خايفة من الفـ,ـضيحة وكانت بتكره جوزها وبنتها وكانت واخداها معاها عشان تحـ,ـرق قلب أبوها عليها..
الاتنين اتمسكوا والحكاية اتعرفت في البلد كلها والناس بقت بتشكرني وتشكر في أخلاقي كل يوم وبقت سيرتي على كل لسان بالخير، وكلها أيام بس وأختي جتلنا مطلقة بعد ما جوزها ضـ,ـربها وطـ,ـردها من بيتها، ورغم كل ده أمي احتوتها، ولقيت نفسي بحكلها عن أم قـ,ـتلت بنتها بعد ما جوزها اعتدى عليها بمباركتها، وعن أمي اللي كانت بتشتغل عندها خدامة ومع ذلك طردتها ولما رجعتلنا أول من احتواها كانت أمي..
معرفش ليه مبنعرفش نقدر الخير اللي بتعمله أمهاتنا وبنقابل ده بالجفاء وقلة الأصل، رغم إن فيه أمهات تاني قلوبهم قـ,ـاسية وعندهم جحود ناحية أولادهم، يمكن لما نعرف الحكاية دي نعرف قيمة أمهاتنا ونشيلهم على راسنا، لأن برهم ورضاهم من رضا الله، وإن اللي هيبرهم ربنا هينجيه في الدنيا ويمكن في الآخرة، والأكيد إن عقوقهم هلاك، هلاك في الدنيا والآخرة.. [وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا] سورة الإسراء بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




