روايات

طفلة الم.قابر للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

مكنتش متخيلة إن جوزي ممكن يفتح م.قابر العائلة انهاردة عشان يد.فن أخته، ويرجع يفتحها مرة تانية بس عشان يد.فن نفسه هو، ومكنتش أتخيل إن أفعالي يكون عقابها بالقسوة دي، بس أنا اتعلمت، اتعلمت بعد فوات الأوان، اتعلمت بعد ما كنت السبب في غضب يجتاح الأموات، ويمكن غضب كل اللي بيسكنوا مع الأموات..

في الليلة دي وبدون مقدمات جالنا الخبر إن جوز أخت زوجي هويدا عمل حادثة كبيرة على الدائري واتنقل للمستشفى وهو في حالة خطيرة جدًا، طبعًا جوزي قام اتنفض من مكانه وطلع على المستشفى وأنا معاه ومن جوايا بلعن التليفون اللي لو كان فاصل ولا صامت مكناش هنجري في نص الليل كدا وأنا همو.ت وأنام..

مش عارفة أنت ممكن تشوفني ازاي بس أنا طول عمري مابحبش هويدا أخت جوزي، وبيبقا أصعب وقت على قلبي هو اللي بجتمع فيه معاها، دايمًا بشوفها مثال للست اللي بتتصنع المثالية بزيادة، وبتحاول تظهر ولادها الاتنين في هيئة المُهذبين اللي مبتطلعش العيبة منهم، تمثيل أحنا كستات فاهمينه كويس، بل وادإننا كستات عارفين إنك نادرًا لما هتلاقي واحدة كويسة من جوة ومن برة، ودايمًا سوء الظن هو الأمثل في تعاملاتنا ما بينا وبين بعض..

طلعنا المستشفى وطبعًا قابلتنا هويدا وهي شبه منهارة واترمت في ح.ضن أخوها، وأنا واقفة عمالة أراقب كل ده بلامبالاة وشايفة إنها مبالغة في تصرفاتها، بس مع وصولنا جه الخبر اليقين من الدكتور اللي خرج وأكد على مو.ت جوزها، لأنه حرفيًا اتكسر كسر صعب، ووقعنا في نوبة بكاء شديدة انتهت بإغماءة لهويدا، اللي بيقال إنها كانت مريضة بسرطان الدم مع إني مكنتش مقتنعة بكلامها..

وعشنا يومين صعبين ما بين الد.فن والعزاء والاطمئنان على هويدا اللي بيقال إن حالتها كانت صعبة نوعًا ما بسبب الحُزن والمرض اللي اجتمعوا عليها، واتورطت أنا في مراعاة ياسين وسلمى ولادها، وكأن القدر بيعاقبني إني أراعي أولاد أكتر إنسانة أنا مبحبهاش في الدنيا، وجالنا اتصال أسوأ وأسوأ لما بلغونا في المستشفى إن حالة هويدا حرجة جدًا ولازم نحضر..

لتاني مرة أجري في المستشفيات مع جوزي عشان خاطر الهانم، بس يومها يمكن نوعًا ما بدأت أشفق عليها لما شوفت وشها شاحب زي الأموات، وشفايفها زرقة ومشققة بطريقة مُخيفة، حتى نظراتها كانت زايغة، تايهة في ملكوت تاني، وكل اللي قالته لأخوها بعد ما مسكت في إيده بعنف: ـ مش هوصيك على ياسين وسلمى، حطهم في عنيك لأني مش هعيش كتير..

وفعلًا كان كلامها صادق، لأنها تاني يوم وقعت في غيبوبة لمدة أربع أيام وبعدها ما.تت، وفتحنا المقا.بر ود.فناها وسط البكاء والعويل من تاني، بس كله بكاء مصطنع، لأن أول ما العزاء اتفض محدش سأل عن ولادها وكله مشي عشان يلحق مصالحه، وفي يوم وليلة لقيت جوزي جايب ياسين اللي عنده سنة وسلمى اللي عندها أربع سنين وبيقولي أراعيهم لأنهم ملهمش حد دلوقتي غيرنا..

طبعًا ده كان وضع لا يُطاق بالنسبالي، خاصةً إني حامل ومستنية المولود اللي هيغير حياتي، واستحالة أقبل إن ابني يتربى مع أولاد هويدا اللي شبه أمهم في كل حاجة، وثورت، ثورت بل وسبتله البيت كله عشان يتصرف فيهم.. ولما فضل بيهم تلت أيام محتاس ومش عارف يشوف شغله جه يصالحني في بيت أهلي بس أنا هددته بالطلاق، وهددته إني هاخد منه كل حاجة بالقانون لأني هكون حاضنة، الذهب والشقة والعفش والنفقات، وأنا فاهمة وعارفة هاخد حقي ازاي، وهو خضع تمامًا، وبدأ يسايسني لأقصى درجة، بل ووعدني إنه هيتصرف في أسرع وقت بس أرجع معاه..

وبعد إقناع كبير من والدتي قررت أرجع معاه وأنا مغصوبة، واتحملت وجودهم أول يوم وتاني يوم، بس تالت يوم ثوت ثورة أكبر، ولميت هدومي وأنا بقسم إني مش هعيش معاه من تاني لو مخدهمش حالًا وداهم في أي حتة، وهو انصاع واترجاني ممشيش، وخد الأطفال وخرج، وفين وفين لما هديت وفتحت فيلم وقعدت اتفرج عليه، وبعد أربع ساعات كاملين لقيته راجع وشه مخطوف وعنيه تايهة ودخل البيت من غير ولا كلمة، حتي لما سألته على الأطفال مردش عليا من الأساس..

وأنا كبرت دماغي طالما بعدهم عني أنا كدا مرتاحة، ولازم أتعامل بمنطق الست اللي بتكافئ جوزها عشان انصاع ليها ونفذلها اللي هي عاوزاه، حاولت اتكلم معاه برقة ودلال بس صدني بطريقة غريبة ونام، ونمت جمبه وأنا فاكرة إن كل حاجة انتهت، وإن كل حاجة بقت تمام، بس مكنتش أعرف إن كل حاجة ابتدت مش انتهت..

بعد تلت أيام بالظبط جوزي اتأخر جدًا في الشغل وتليفونه اتقفل، وفضلت مستنياه لحد الساعة ١٢ بالليل تقريبًا، وفي النهاية لقيته راجع مبهدل وهدومه كلها تراب ودخل ينام من غير ولا كلمة، حاولت أكلمه، استفسر هو كان فين بس هو كان فاقد النُطق تمامًا، مبيتكلمش، ودخل ينام زي الميت في السرير..

الغريب إن حاله بدأ يتغير بسرعة وبطريقة مُخيفة، بل وبقا صامت تمامًا، وكل يوم خميس تقريبًا يتأخر ويرجع بالليل بنفس الشكل والمنظر المُخيف، بقا صامت وعامل زي التمثال، نظرات عنيه يوم بعد يوم بتتحول بطريقة غريبة، توهان، شرود، وكأنه شايف حاجة أنا مش شايفاها، أو كأنه بيكلم ناس معانا في الشقة..

وياريت الموضوع انتهى لحد كدا، بل تطور الموضوع واحدة واحدة لحد ما بقا كل ليلة يقوم من نومه مفزوع وكأن فيه حد بيحاول يق.تله في نومه، وقتها مكنتش متحملة وأعصابي متدمرة بسبب قُرب الولادة، فكرت كذا مرة أروح أقعد الفترة دي عند أمي لحد ما ينتهي الجنان ده، وفي يوم وأنا بطبخ بالنهار سمعت صوت خبط في الصالة، خرجت أشوف فيه أيه وصُدمت لما لقيت سلمى شايلة ياسين وبيلعبوا في الصالة..

فضلت واقفة مش فاهمة هما جُم ازاي في الشقة ومين دخلهم، كلمتهم تجاهلوني وكملوا لعب مع بعض، مقدرتش اتحملهم واتصلت بجوزي عشان يجي حالًا، سبتهم في الصالة ودخلت المطبخ وأنا هتجنن، مخنوقة من فكرة وجودهم وعايزة أعرف مين دخلهم عندي، بس أكيد جوزي اللي عمال يمثل الجنان عليا.. أول ما دخل من الشقة خرجت للصالة بس ملقتش الأطفال، دورت عليهم في كل حتة ملقتهمش، كلمته بانفعال وقلتله: ـ مين جاب ولاد أختك هنا انهاردة؟!

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى