
لقيت جسمه كله اتنفض وبدأ يترعش بطريقة غريبة، وقفت أبصله لأول مرة بخوف وكملت: ـ ما تفهمني ولا هتعمل فيها مجنون كالعادة.. وقتها ولأول مرة يقرب مني وهو عنيه جاحظة ومسك رقبتي بعنف وقرب من وداني أوي، حسيت بحرارة أنفاسه المُخيفة وسمعت كلماته الغريبة: ـ أنا يوم ما طلبتي مني أتصرف فيهم، روحت د.فنت عيال أختي مع أختي في قبرها وهما صاحيين، بس كل ليلة خميس بيقابلوني قدام البيت وباخدهم وأروح أد.فنهم تاني، ولو معملتش كدا هيجوا ياخدوكي أنتي أو ابنك اللي في بطنك، أو هما عايزني أروح أعيش معاهم جوة القبر عشان تعيشي أنتي..
وقتها بس اتنفضت، اتنفضت مرة واتنين وتلاتة وقعدت على الكنبة مش قادرة أنطق، وجوزي خرج من البيت، خرج وأنا فضلت مكاني مش قادر أتحرك، مش قادرة أتنفس، وغاب جوزي ليلة كاملة، غاب كتير أوي، وتاني يوم كانت الكارثة.. اتصلوا بيا عشان اتفاجئ بمصيبة نزلت فوق دماغي للأبد، التربي بتاع الم.قابر لقى آثار غريبة على قبر هويدا، ولما فتحه لقى جوزي ميت جوة ومعاه ياسين وسلمى، وبلغ الشرطة اللي حققت في الواقعة والدنيا اتقلبت..
جوزي مات، جوزي مات بطريقة بشعة، والأطفال اللي شوفتهم في صالة بيتي مكانوش بشر، وقتها كانت أعراض الولادة بدأت تظهر عليا أوي، كنت عند والدتي منهارة من الوجع والرعب والحزن على جوزي، حاولت أنام مرة واتنين وتلاتة مقدرتش.. كانت الساعة واحدة بعد نص الليل، ووجع غريب بدأ يمسك في ضهري وبطني، كانت أول ولادة ليا ومش متخيلة إني هشوف وجع بالطريقة دي، ووسط الألم البشع ده فوجئت ببنت صغيرة واقفة قدام سريري وسط الضلمة، لسة هتكلم من المفاجأة زاد الوجع عليا أضعاف مضاعفة لدرجة إني صرخة الوجع مقدرتش أخرجها، في اللحظة دي سمعت حاجة بتهمس وبتقول:
ـ أنا سلمى يا مرات خالي، جاية أطمن عليكي وعلى ابنك.. وقتها جسمي كله اتنفض، وشعر راسي كله وقف، ورغم الضلمة كنت عارفة إنها باصة ناحية بطني، ناحية ابني، قربت من السرير بهدوء شديد وأنا جسمي مشلول وقلبي بيدق بهيستريا، سمعت همساتها من جديد بتقول: ـ هيبقا طفل جميل أوي، أيه رأيك يجي يعيش معايا أنا وياسين، طالما أنتي مكنتيش عاوزانا نعيش معاه. بكيت، بكيت بدموع كتير وأنا مش قادرة أنطق من القهر والفزع اللي أنا فيه، وقتها صرخت الطفلة، صرخت صرخة خلت ازاز الأوضة يتكسر وقالت:
ـ ردي عليا.. ولا أقولك أنا هخليه يجي عندنا، بس إياكِ يتد.فن في مكان غير معانا، وإلا هاجي أخدك أنتي.. وض.ربتني على بطني، ض.ربتني ض.ربة حسيت معاها إن أحشائي كلها اتفرمت، وكأن فيه عربية خبطتني في بطني، في اللحظة دي بس شوفت النزيف اللي نازل مني، وشوفت المو.ت قدام عنيا، وعرفت إن بعد الدم اللي بينزل زي الشلال ده أنا استحالة هعيش، أو استحالة ابني هيعيش، وجت أمي وشافت المنظر، وصرخت، وقتها بس قدرت أصرخ بأعلى صوت..
خدوني على المستشفى، وحصلي إجهاض شديد، وقدام عنيا رغم إني كنت متخد.رة شوفت ابني نازل ميت من بطني، بل وسمعتهم بيقولوا إنهم لازم يشيلوا الرحم كمان في أسرع وقت، اتدمرت، وحلم الأمومة انتهى في ليلة واحدة، وبقيت أكتر ست بائسة في العالم، فقدت جوزي وابني وحتة من جسمي خدت معاها أي أمل إني أكون أم.. بس كان لازم أصرخ، وأبكي، وأطلب إن ابني يتد.فن في نفس القبر بتاع عمته وولادها، لازم، وهددتهم إني هق.تل نفسي لو ده محصلش، ورغم تحقيقات النيابة وافقوا في النهاية مراعاة لحالتي، واتد.فن ابني، واختفت سلمى واختفى ياسين واختفى جوزي للأبد..
يومها بس عرفت ليه من صفات أهل الجنة كل لين هين قريب من الناس، لأن لين القلب والرحمة ده شيء مش سهل أبدًا، وإن ربنا نفسه رحيم وبيحب عباده الرحماء، وأنا مكنتش رحيمة، وسبت قلبي على مدار سنين يتلوث بالكراهية والحقد والقسوة، نار فضلت تكبر جوايا لحد ما حرقتني للأبد.. ولو هنصح بنصيحة واحدة لكل ست هقولها خليكي لينة هينة.. مع جوزك.. وأولادك.. وقرايبك.. وأهل جوزك.. ومع أطفالهم..
متورثيش الكراهية لقلبك أو لقلب أولادك، خليكي مظلومة أحسن ألف مرة من إنك تكوني ظالمة، وإياكِ ثم إياكِ تعيني جوزك على كراهية أو نبذ أهله، لأنك وقتها هتتحرقي في النار اللي هتاكل قلبك وحياتك.. [فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ] سورة آل عمران بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




