
من شوية سمعت زوجتي بتزعق كالعادة وبتختلق ألف مشكلة معايا عشان بس تنكد عليا عيشتي رغم إن كل طلباتها مُجابة حرفيًا، ورغم إنها متجوزة طبيب جرَّاح وبيتكرم في مؤتمرات كبيرة وراجل ناجح جدا في شغله وفي حياته، ورغم إني من أيام الخطوبة ومفهمها إن شغلي بياخد كل وقتي وكانت موافقة جدًا إلا إنها وبعد الجواز بقت بتتخانق على أتفه الأسباب تقريبًا..
بقيت بحب أوضة العمليات أكتر ألف مرة من أوضة النوم عشان ببعد فيها عن النكد والزن والكلام اللي يسم البدن، ويمكن مش الشغل بس اللي واخد كل وقتي، بس أنا فيه حاجة بعملها بيني وبين ربنا ومش قادر أبطلها ومش هبطلها، أنا تقريبًا نص العمليات اللي بعملها بتنازل فيها عن أجري بالكامل، وأوقات بدفع إيجار غرفة العمليات كمان للمريض، وده لأن فيه مرضى كتير أوي بيكونوا على جدول الانتظار عشان يعملوا عمليات القلب المفتوح على نفقة الدولة، وبيضطروا يستنوا سنة واتنين، وفيه حالات بتكون متقدرش تتحمل انتظار ٣ شهور بس وإلا الحالة هتتدهور وهتحصل وفاة، عشان كدا كنت بتكفل أنا ببعض
الحالات وأعمل العملية بنفسي.. ورغم إني في الأول كنت بفضي نفسي لبيتي ومراتي إلا إني وبعد ما اكتشفت إني متجوز واحدة متتعاشرش قررت أوهب نفسي للشغل، كنت باجي من المستشفى العشاء أنام عشان أصحا قبل الفجر ألحق أعمل العمليات في المستشفيات الخيرية على حسابي، وأرجع بعد الضهر نص ساعة أغير وأروح على المستشفى اللي شغال فيها أكمل جراحة..
كانت فيه عمليات بتاخد مني 8 ساعات كاملين واقف فيهم بتعامل مع شرايين دقيقة جدًا، وأي خطأ يعني مو.ت حتمي للمريض، بس في الفترة الأخيرة دي تعبت، تعبت من كل حاجة تقريبًا، حتى الفيتامينات اللي كنت باخدها عشان التركيز مبقتش تأثر معايا إطلاقًا، وبقيت تعبان صحيًا ونفسيًا ومش قادر أعمل أي حاجة..
حتى لما مراتي لاحظت ده بدأت تشمت فيا وتقولي عشان أبطل العبط اللي بعمله ليل نهار ده، كانت تقصد طبعًا العمليات المجانية، وفعلًا وبعد ما التعب زاد أكتر وأكتر قررت أتوقف نهائي عن العمليات المجانية وأعمل العمليات اللي مُكلف بيها وبس واللي بتوفرلي عائد مادي كويس أوي، ورغم كدا بقت زوجتي مع الأيام بتبعد مش بتقرب، رغم إني تفرغت وقت أكتر عشانها..
بقت باردة معايا في كل حاجة تقريبًا، عُزلة تامة وصلت إنها مبقتش تنام جمبي على فراش واحد، وكملت حياتي كئيبة ومُملة، حالتي الصحية بتدهور مع الأيام ومش قادر أحدد السبب رغم إني طبيب جرَّاح، والتعب اللي بيجيلي بيكون إن قلبي بيدق بسرعة، أنا عارف إنها حالة إجهاد من المجهود الكبير اللي ببذله، بس حالات الإجهاد دي أنا واثق تمامًا إنها ممكن تسبب وفاة مع الأسف..
لحد ما جه اليوم اللي كنت نازل فيه من المستشفى ولقيت واحدة ست بتنادي وبتجري ورايا، وقفت أكلمها لقتها بتقولي إنها قاعدة مستنية من الفجر في الشارع عشان تقدر تشوفني وتتكلم معايا، وكان معاها ورق ابنها، شاب عنده 25 سنة تقريبًا محتاج عملية قلب مفتوح وبتجري بقالها ٦ شهور عشان تعملها على نفقة الدولة ومش عارفة.. قولتلها إني بطلت العمليات الخيرية وأعتذرتلها، لقتها كانت هتبوس على إيدي وقالتلي جملة غريبة أوي: ـ أعملها وهطلب من ربنا يديك أجر العملية بعد ما تخلصها فورًا، وهتكون حاجة أغلى من الفلوس، حتى لو ما.ت في العملية يابني بس نكون عملنا اللي علينا..
استغربت من قوة إيمانها اللي يخليها تقول جملة زي دي، وغصب عني اتوترت قدامها، عايز أعتذر ومش قادر قدام الست الكبيرة، ولما قرأت الحيرة في عنيا قالت: ـ ربنا يابني مش هيسيبك طالما بتفرج كرب الغلابة وأنا غلبانة أقف معايا الله يسترك.. وغصب عني دمعت وخدت الورق ورقم تليفونها وقولتلها بعد تلت أيام بالظبط هيجيلك اتصال من المستشفى هتروحي أنتي وابنك وكل حاجة هتكون جاهزة للعملية، لقتها ردت بثقة غريبة وقالت: ـ وزي ما اتفقنا الأجر هتاخده بعد العملية يابني..
وسبتها وأنا مشغول بكلامها أوي، أيه هو الأجر اللي ممكن أخده بعد العملية، وفعلًا وديت الورق للإدارة اللي استغربت إني رجعت للعمليات المجانية بس بلغتهم إنها عملية واحدة مش أكتر، وفعلًا وبعد تلت أيام كانت المستشفى كلمت المريض وأمه وجهزوهم للعمليات وحددوا الميعاد كمان وبلغوني بيه.. ويوم العملية الصبح وصلت المستشفى لقيت أم الشاب في انتظاري، كانت مبسوطة أوي وجايبة فطار معاها وحلفت لأفطر قبل ما أدخل العملية وفضلت تطبطب عليا زي العيل الصغير، معرفش ليه حسيت إن أمي الله يرحمها صحيت تاني..
دخلت العمليات لقيت الشاب قاعد على الترابيزة وخلاص هيتخدر، هزرت معاه شوية كنوع من أنواع التخفيف وبعدها جه دكتور التخدير وخدره، وبدأت العملية اللي كانت تعتبر من أخطر العمليات اللي عملتها في حياتي، تلت أوردة مسدودين وعضلة القلب ضعيفة جدًا بسبب التأخير في العملية، ووسط مانا منهمك ومرهق وطقم التمريض كله كان بيجهز حاجات معينة لقيت واحد لابس كمامة وواقف ورايا وبيناولني المقص، كملت شغلي وأنا مش مركز معاه عشان يتكلم ويقول: ـ أزيك يا دكتور..
بصتله بتعجب شديد، هو ده وقت تعارف، رديت عليه بتوتر من العملية وقلت: ـ أنت مين يا حبيبي؟! لقيته كشف عن وشه وقالي: ـ عرفتني ولا لا.. بصتله بتعجب، وشه مألوف بس مش عارف أنا شوفته فيه، رديت عليه وقولتله: ـ وشك مألوف بس مش فاكر اتقابلنا فين.. لقيته رد عليا رد صاعق وقال: ـ طيب بص لوش اللي بتعمله العملية كدا..
وبصيت، هو، نفس الشخص اللي بعمله العملية ومتخدر واقف قدامي بيتكلم، وفي نفس اللحظة توقفت عضلة القلب تمامًا وما.ت المريض، طقم التمريض جريوا يلحقوه بأي طريقة وأنا باصص للشخص ده بذهول شديد، لقيته ابتسم وطبطب عليا وكأني أنا بس اللي شايفه وقال: ـ حرص من مراتك وراقبها كويس يا دكتور، وشكرًا إنك عملتلي العملية..
وخرج من الغرفة، خرج بعد ما أعلن كبير الممرضين إنه ما.ت تمامًا، قعدت برة أوضة العمليات أترعش، شعري واقف ومش قادر أنطق، وفجأة افتكرت أمه، هقولها أيه، هقولها ابنك ما.ت على إيدي، أكتر من حد قال هيبلغها بس قولتلهم أنا اللي هبلغها، وخرجت وأنا عامل زي العجوز، مش قادر أمشي لبرة، وأول ما شافتني لقتها قربت مني وقالت: ـ الله يرحمه كان ابن بار بيا أوي يا دكتور.. بصتلها بذهول أكبر وقلت: ـ أنتي عرفتي منين إنه ما.ت!!
ردت وقالت بابتسامة كبيرة: ـ أنا عارفة إنه هيمو.ت من قبل العملية يا بني الله يرحمه، المهم الأجر جالك ولا لسة.. مقدرتش أرد عليها ورجعت بيتي، كنت محتاج أتغطى وأنام، عامل زي العيل الصغير اللي واحد ضخم في المدرسة هدده إنه هيضربه وبيدور على أي مكان أمان.. فضلت يومين نايم، أحلام غريبة وهلاوس كتير، لحد ما بدأت أفوق، وبدأت أفتكر لما حذرني من مراتي، فتشت وراها بحذر واكتشفت الصدمة الكبيرة، على علاقة بواحد تاني، وبتديني أدوية في الفيتامينات تسبب إجهاد لعضلة القلب، عايزة تق.تلني وتاخد هي وعشيقها المحامي حسابي كله اللي في البنك، وكانوا مرتبين هياخدوه ازاي..
وده سبب حالتي اللي بتدهور يوم بعد يوم، كلمت أهلها وبلغت عنها بالدليل وطلقتها، ولبست هي وعشيقها قضية شروع في قت.ل طبيب جرَّاح، وبمعارفي خليت الحُكم يبقا قاسي عليها أوي.. بس كنت محتاج تفسير لأن عقلي كان هيولع، خدت عنوان المتوفي من المستشفى وروحت زورت أمه، كان فات على مو.ته ٤ أيام، روحتلها لقتها عاملة أكل كتير لأنها كانت عارفة إني جاي، وحلفت أقعد اتغدى معاها، وبعد الغدا بصتلها وأنا بدمع.. ابتسمت وقالت:
ـ أنا عارفة إنك عايز تفسير لكل حاجة، وأنا هريحك يابني زي ما ريحتني، أنا كل حاجة بطلبها من ربنا بتحصل، كل حاجة مهما كانت، وحسيت وعرفت إن ابني لما تعب إنه هيمو.ت، شوفت كدا في المنام زي ماشوفت إنك هتزورني انهاردة، بس عشان نكون خدنا بالأسباب مشيت في موضوع العملية، كان لازم أعمل كدا لأننا أسباب وربنا قدر، والقدر بيجي بعد الأخذ بالأسباب، ورغم إني كنت عارفة إنه هيمو.ت إلا إني لما عرفت إنك بتعمل العمليات لوجه الله وبطلت جتلك، وطلبت من ربنا يديك أجرك بعد العملية مباشرة رغم إن ابني هيمو.ت وأنا عارفة ده، ويا ترى خدت أجرك ولا
لا.. وقتها بكيت أوي، وقولتلها: ـ خدت أجر وهو إني نجوت من المو.ت والق.تل، خدت أجر ميساويش كل فلوس الدنيا، مراتي كانت هتق.تلني والأجر كان إني أعرف وأمسكها قبل ما تق.تلني، بس قوليلي أنتي ازاي كل حاجة بتطلبيها من ربنا بتتحقق بالدرجة دي.. لقتها ردت وقالت:
ـ يابني أنت مستهون بالحديث اللي بيقول (أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي) الحديث ده يابني سر من أسرار الكون، أطلب أي حاجة وأوصل لليقين إنها هتتحقق، وهتلاقيها اتحققت بالكامل، إنما أحنا اللي بنشكك في قدرة ملك الملوك، أحنا السبب في عدم الاستجابة مش هو، أحنا اللي مبنعرفش نوصل لليقين، وكمان أنا بعمل حاجة بسيطة كدا، كل يوم بطعم ناس أفقر مني، مفيش يوم بيعدي إلا وأنا بعمل الحاجة دي بس بالله عليك تبقا سر ومتقولش لحد..
خرجت من عندها ببكي زي العيل الصغير، واتصلت بالمستشفى وبلغتهم إني هكمل عمليات بالمجان، هي بتطعم الطعام وأنا هساعد المرضى، مش هتوقف عن الانفاق بالمجهود لحد ما أمو.ت، طالما أجر عملية واحدة كان حياتي، أمال أجر الباقي أيه في الآخرة، وأنا اللي كنت بضيع الأجر ده كله زي العبيط، وكلها كام شهر وربنا رزقني بملاك على هيئة إنسانة اتجوزتها، وبقت هي اللي بتساعدني عشان أساعد الناس وأزود في العمليات دي، وصحتي رجعت أحسن كتير ولله الحمد..
يقولُ اللَّهُ تَعالَى: (أنا عِنْدَ ظَنِّ عَبْدِي بي، وأنا معهُ إذا ذَكَرَنِي، فإنْ ذَكَرَنِي في نَفْسِهِ ذَكَرْتُهُ في نَفْسِي، وإنْ ذَكَرَنِي في مَلَإٍ ذَكَرْتُهُ في مَلَإٍ خَيْرٍ منهمْ، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ بشِبْرٍ تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ ذِراعًا، وإنْ تَقَرَّبَ إلَيَّ ذِراعًا تَقَرَّبْتُ إلَيْهِ باعًا، وإنْ أتانِي يَمْشِي أتَيْتُهُ هَرْوَلَةً) بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




