
تخيل لما تكبر في بيتك فتكتشف إن حياتك مختلفة عن كل الناس تقريبًا، والاختلاف هنا جاي من خلال البيت الجميل اللي أنت ساكن فيه، وده ببساطة لأن جدي الله يرحمه ملقاش أرض في البلد كلها يبني عليها بيت غير جنب المقا.بر بالظبط، بل وكأنه كان بيتنافس مع الناس وخد الأرض اللي لازقة في أول قبر من مقا.بر البلد..
وأنا لما كبرت نوعًا ما اكتشفت إن الأوضة بتاعتي ملاصقة تمامًا لحيطة المق.برة الأولى في صف المقا.بر الطويل، فلك أن تتخيل لما بفتح شباك الأوضة بالليل عشان الجو حر فبيدخل أوضتي هوا مُحمل برائحة الأموات حرفيًا، تخيل كم الصمت والرهبة اللي كنت بعيشه كل ليلة وأنا عارف إني نايم وعلى بُعد أمتار مني فيه أموات نايمين ويمكن صوت أنفاسي بيزعجهم..
أمر مُخيف وكان بيترك جوايا حاجات كتير، بس أبويا ربنا يباركله من كتر خوفي سماني في البيت سُعاد، بل وكان كل مرة يحكيلي إنهم كانوا فاكريني بنت وكانوا هيسموني سُعاد بس للأسف طلعت ولد، بل وكان بيتمنى على حسب كلامه إني أكون سعاد عشان أبقا معذور في خوفي من شوية مقا.بر، وكان بيحكيلي إنه كان بيلعب استغماية وهو صغير فيها، وطبعًا أمي كانت بتيجي في صفه وتفضل تأكله في البط والفراخ وعلى لسانها كلمة واحدة:
ـ أديله يا حج خليه يسترجل.. وتنتهي القعدة بالضحك والهزار عشان كدا بطلت أكشف عن مخاوفي وخليتها جوايا، بس مع مرور السنين وانشغالي بالدنيا بدأ الخوف يقل في قلبي من ناحية المق.ابر ويتجه ناحية مكان تاني، الدنيا وصعوباتها وقسوتها، بدأت أشوفها مُخيفة أكتر من المو.ت والمقا.بر نفسها، وخلصت جامعتي وخلصت جيشي بل ورحت اتقدمت لأكتر بنت حبيتها في حياتي كمان، الحُب النقي الطاهر، الحُب اللي كتمته في قلبي سنين طويلة عشان ربنا يشهد إني منتهكتش حرماته، خاصة إنها بنت خالتي، ولازم أحافظ عليها من شر نفسي زي أختي بالظبط..
خدت صدمة لذيذة لما اكتشفت إن خالتي مادية زي مليون أم تانية، خالتي اللي من يوم ولادتي وهي بتمدح فيا وفي التزامي بالدين والشرع، خالتي اللي كانت بتضرب بيا المثل وتشتكيلي من ابنها يوميًا، خالتي رفضتني مش عشان أنا مش مناسب، خالتي رفضتني عشان ظروفي بسيطة وكان متقدم لبنتها واحد عنده عربية، وقتها حسيت بمعنى كلمة قهر الرجال، حسيت أد أيه الناس متلونة وعايشين بمية وش..
مش بزكي نفسي بس يشهد الله إني باخد كل حاجة بالطريقة البسيطة، بل وبتعامل مع الناس بقلب أبيض لوجه الله، يومها وقفت في الشباك بعد الساعة ١٢ ودموعي عاوزة تنزل، حاسس إني مكسور، عزة نفسي متهانة وكبريائي متحطم.. ياريتها قالتلي أنت مش ملتزم كفاية، إنما اترفض عشان معنديش عربية، بس كدا، مع إنها عارفة إني أكتر إنسان كان هيحافظ على بنتها، دعيتلها بالسعادة وسرحت وافتكرت ألف موقف وموقف اتأذيت فيه بسبب قلبي الأبيض، وبسبب إني مش متلون..
ووسط الهدوء التام ده والظلام المُخيف اللهم إلا من ضوء عامود إنارة متهالك لمحت ظِل، ظل لشخص ماشي وهو مضطرب وعمال يتلفت حوليه بخوف كبير، الموقف شدني وتابعته بعنيا وحاولت أركز في هيئته، واحدة ست، أيوة واحدة ست وتقريبًا هتقع من الاضطراب اللي هي فيه، وقفت قدام قبر من القبور شوية، حوالي خمس دقايق وخرجت وهي شبه بتجري من المكان..
تابعتها بتوتر وأنا مش فاهم ده أيه وكانت بتعمل أيه في الوقت ده، فكرت انزل وأقابلها بس حسيت إني ممكن اتسبب لنفسي في مشكلة خاصةً إنها واحدة ست، لحد ما اختفت من قدام عنيا وفضلت أنا مكاني، عمال أفكر في الجنان اللي شوفته ده، في النهاية قفلت الباب وحاولت أنام..
ك.سرت حاجز التفكير ونمت بعد ساعة من المحاولات، بس مسافة ما غفلت سمعت صوت خبط جامد على الشباك المقفول، قمت مخضوض وأنا مش فاهم اللي حصل ده، واتكرر الخبط بقوة أكبر، خبط على شباك في الدور التاني، يعني ببساطة اللي بيخبط ده متعلق في الهوا، أو واقف على المق.برة وحاطط سلم وطلع عليه يخبط على شباكي.. قمت مفزوع وفتحت الشباك وأنا هتجنن، بس مفيش أي حاجة، الصمت، وظُلمة المقا.بر من تاني قدامي، فضلت أفكر هل اللي سمعته ده كان حقيقي ولا..
و.. ولمحتها، في نفس المكان اللي كانت فيه الست، خاصة نفس المق.برة، بنت شعرها طويل عمالة تدور حولين القبر وكأنها بتطوف حوليه، ومش بس كدا، دي كانت بتضحك وصوت ضحكاتها بيتردد في المقا.بر كلها، وقتها جسمي كله قشعر وشعر راسي وقف، كنت حاسس إني بتفرج على حاجة من عالم تاني، شيطانة، استحالة تكون بشرية، صوت الضحكات، طريقة المشي، شعرها اللي نازل لحد الأرض تقريبًا..
فضلت مكاني واقف زي المشلول مش عارف أتحرك حرفيًا، وهي لازالت بتدور حولين المق.برة وبتضحك، بس الوضع مطولش، لأنها بصت ناحيتي، وعنيها لمعت زي عيون القطط، ولقتها بتشاور عليا، وقتها حسيت إنها غضبانة، وحسيت إنها عاوزة تدمرني.. كان جسمي مشلول، مش قادر أتحرك، رميت جسمي لورا ووقعت، جسمي اتشنج، وكأني اتشليت، قمت بالعافية، بصيت من تاني لقتها بتجري ناحيتي، بتجري وهي بتصرخ بصوت رهيب، وقفلت الشباك، قفلته وأنا في قمة رعبي وفزعي..
وبطلوع الروح قدرت أفتح قرآن على الموبايل، وقتها الصوت اختفى، وكل حاجة رجعت هادية من تاني، فكرت أصحي والدي بس مقدرتش، هروح أقوله أنا بشوف عفاريت يعني ولا أيه.. فضلت تاني يوم بالي مشغول، حزين، مهموم ومش مركز، والدتي كانت مُشفقة عليا وفاكرة إن ده بسبب رفض خالتي ليا، بس أنا فضلت السكوت رغم إصرارها إني أتكلم، وعلى بالليل طلعت عشان أنام وقفلت الشباك كويس ونمت، نمت وأنا عامل زي الصنم عقلي مشلول عن التفكير بعد ما أقنعته إن كل ده كان وهم..
بس الموضوع مكنش وهم، مكنش وهم خالص، خاصة لما حسيت وأنا نايم ببرد شديد، برد قوي، وصوت رياح شديد، صحيت وأنا جسمي متلج عشان اتفاجئ بالشباك مفتوح على آخره وفيه رياح شديدة داخلة منه، بس كل ده كان ممكن يعدي، إنما اللي مش هيعدي هي البنت اللي كانت واقفة بتضحك قدام سريري، واقفة وملامحها واضحة وضوح الشمس، شعر طويل، وعيون سودة، غير كدا فشكلها طبيعي جدًا، بس الوضع اللي أنا فيه بيقول إنه مش طبيعي أبدًا..
فضلت تتأملني بعيون ثابتة، جامدة، وابتسامة مُفزعة، وفجأة صرخت صرخة مهولة وجريت نطت من الشباك، صرختها حركتني، وك.سرت جمود الرعب جوايا، جريت على الشباك لقتها على أول المقا.بر عند النخلتين، النخلتين دول كان متعلق فيهم حبل وخشبة على هيئة مرجيحة، كانت قاعدة عليها بتتمرجح وبتشاورلي أنزل، قفلت الشباك ووقعت في الأرض من فرط الرعب والفزع..
فضلت على حالي كتير متكوم في الأرض وقلبي عمال يتنفض وجسمي يرجف، ووقعت لمدة أسبوع كامل في فزع مالوش قرار، كل ليلة وبعد نص الليل أسمع صوت ضحكاتها، أشوفها بتتمرجح على المرجيحة وبتشاورلي، واسمع خبط عنيف على الشباك، وكل ده ظهر عليا، الكل كان فاكرني حزين على بنت خالتي.. محدش كان عارف كمية الفزع اللي كنت بواجهه، لحد ما جت الليلة الأخيرة، سمعت صوت صرخات من قلب المقا.بر، فتحت الشباك برعب وشوفتها عمالة تخبط راسها في الحيط، ورغم فزعي وقتها، حسيت إنها غضبت، وعاوزاني أنزل بأي طريقة، وكأنه تهديد أخير، تهديد بالقتل، رسايل اتزرعت في عقلي بدون أي مقدمات..
خدت المفاتيح ونزلت وأنا شعري شايب حرفيًا، دخلت على المقا.بر وسمعت صوت ضحكاتها في كل مكان، الصراخ وقف وبدأت تضحك من تاني، وكان سهل أوي أروح للمق.برة اللي كانت بتطوف حوليها، سهل جدًا، وكأني في الوقت ده مش سيد قراري إطلاقًا.. في اللحظة دي كنت وصلت للقبر، ورجع المشهد من تاني يطوف قدام عنيا، مشهد الست اللي وقفت في المكان ده من أيام وشوفتها، وقفت مكانها بالظبط، وطاف مشهد جديد عليا، الست دي كانت بتدفن حاجة، وبالأخص جنب القبر، ومكان التربة هنا مُختلف، حفرت بإيدي في الأرض الترابية، مرة واتنين وتلاتة، ولقيتها..
قماشة معقودة بعُقد كتير أوي، أول ما مسكتها سمعت ضحكة من ورايا، بصيت بفزع لقتها واقفة بتبص عليا وبتضحك، خدت اللفافة وجريت، جريت وأنا في حالة هي الأسوأ في حياتي كلها، ورجعت أوضتي وفضلت وقت طويل لحد ما هديت، لحد بعد الفجر تقريبًا، وفتحت اللفافة، ولقيت صورة بنت عليها طلاسم كتير وجمبها عظمة صغيرة عليها آثار دم، سحر ربنا يجيرنا منه..
الغريب إن صورة البنت كانت هي نفسها اللي بتطلعلي، أنا هتجنن ومش فاهم أي حاجة إطلاقًا، وتاني يوم خرجت أمشي في البلد أشتري شوية حاجات، كنت سرحان، مغموم، وعمال أفكر هعمل أيه باللفافة دي، ووسط حيرتي شوفتها، نفس البنت اللي بتخرجلي، كانت شايلة شنطة صغيرة وجاية ناحيتي، وقتها بس دمي فار، حسيت بجنون ما بعده جنون، جنون اتولد من أيام الفزع اللي عشتها.. جريت عليها ومسكتها من هدومها بغضب شديد، وفضلت أصرخ فيها بثورة: ـ أنتي عايزة مني أيه، عايزة مني أيه؟؟
وهي اترعبت، بل وخافت واستغاثت بالناس، وفي لحظات الشارع كله أتجمع علينا وأنا ثاير، الناس مسكوني بتعجب وهي فضلت تبكي بهيستريا، في اللحظة دي وصل أعمامها وأخواتها وحاجة زي دي في بلدنا متنتهيش غير بالدم، بس أعمامها لما شافوني تراجعوا، سمعة أبويا وسُمعتنا تشفعلنا، الكل عارف مين أنا ومين أبويا، أكتر راجل مشهود له بالاحترام في البلد..
أعمامها خدوني علي بيتهم وهما متعصبين بس محدش تعرضلي بسوء، وقتها كان أبويا جه وأهلي وعملوا قعدة كبيرة عشان يفهموا أنا عملت كدا ليه، بس أنا كنت منهار، عايز أبكي من كمية الضغط اللي جوايا، وطلبت في النهاية عشان أتكلم إن الكل يخرج ما عدا والدي ووالدها، والشيخ معتز أمام المسجد.. وحكيت قدامهم كل حاجة وخرجت اللفافة قدام عنيهم، وأول ما شافوها أبوها بكى، بكى زي الطفل الصغير، وفضلت أنا حيران مش فاهم أي حاجة، وفين وفين لما بدأت كل حاجة تتضح قدامي بتفسيرات من الشيخ..
إحداهن عملت سحر للبنت دي، وأنا بس اللي شوفتها، بس بطريقة ما قرين البنت كان رافض الأمر، وفضل لمدة أسبوع يوصلي رسالة عشان أخرج السحر ده رأفة بصاحبته، والقرين اللي كان بيظهرلي كان شبه البنت، والبنت ليها أسبوع كامل وهي مصابة بصرع كامل وعمالة تاخد جلسات والبعض قال إنها عندها سرطان كمان، وكانت راجعة بعد ما اتشخصت بيه من المستشفى، لحد ما شوفتها أنا وهجمت عليها..
وطبعا فضينا السحر في مية بملح وأبطلناه بفضل الله، والبنت حالتها اتحسنت واحدة واحدة، وبعد ما كنت شخص سيء أبوها باس على راسي قدام كل الناس اللي كانوا متعجبين مني، وبررنا هجومي عليها بأن كان فيه كلب هيعضها وأنا لحقتها، كلام ساذج بس الناس صدقت.. بس اللي مكنش متوقع إطلاقًا إن أبوها عرض عليا اتجوزها، ولما سألت عنها عرفت إنها ملاك عايش على الأرض، عروسة مفيهاش غلطة، وبعد شهر واحد كنت كاتب كتابي عليها عشان أسمع منها الأغرب من ده كله، أغرب حاجة أسمعها في حياتي..
البنت دي صاحبة أختي بس أنا عمري ما خدت بالي منها، وعارفة إني اتقدمت لبنت خالتي وفي نفس الوقت اتقدملها ابن عمها عشان يتجوزها واتفرض عليها فرض مع إنه شخص في قمة السوء.. بتقولي إنها دعت ربنا يجمعنا ببعض لأنها عارفاني كويس، ويشاء ربك، أنا اترفض، وهي تمرض بسبب السحر وابن عمها لما شافها مصروعة رفضها، ويشاء ربك أنا اللي ألاقي السحر ويبقا سبب شفائها على إيدي، ويشاء ربك إن أبوها هو اللي يخطبها ليا من غير ما تتحرك من مكانها..
قالتلي في النهاية كلمة عظيمة أوي، قالتلي مفيش حاجة اسمها ربنا لا يستجيب، ربنا بيستجيب بس بحكمته الإلهية، وبيستجيب ويحقق في الوقت الصح، بل وبيستجيب بالشكل الأحسن ألف مرة من ترتيباتنا، وقالتلي إن حياتها كلها تتلخص في الآية دي [وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ] سورة غافر الاستجابة مش مرهونة بفترة معينة، بس هتحصل هتحصل، حتى لو هتؤجر عليها يوم القيامة، بس ما خاب عبدًا دعا ربه أبدًا، وحقيقي أنا اتجوزت واحدة أحسن مليون مرة من قريبتي، أنا اتجوزت ملاك، ومن يومها بدعي ليل نهار بكل اللي بتمناه بدون كلل أو ملل..
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




