
أنا شوفتها بتسرق شيكولاتة من التلاجة.. كانت واضحة أوي في كاميرات المراقبة بتاعت السوبر ماركت بتاعي.. شوفتها واقفة قدام تلاجة الشيكولاتات، بصت يمين وشمال بحذر وراحت خدت شيكولاتة وخبتها في هدومها بسرعة.. مشيت بسرعة عشان تتفاجئ بيا واقف بسد عليها طريق الممر، خافت أوي وفزعت عشان أمسكها بقوة وأسحبها على المكتب بتاعي، كانت بتترعش وخايفة جدًا، بصراحة مكنتش ناوي أعمل فيها حاجة لأنها مجرد طفلة، بس كنت عاوز أخوفها عشان متعملش كدا تاني.. وريتها الفيديو وقولتلها إني هبلغ الشرطة، فتحت مرة واحدة في البكاء وقالت:
ـ والله مش ليا دي لسوسن أختي.. الكلمة شدتني شوية فقولتلها: ـ مين سوسن دي؟؟ ـ دي أختي وكان نفسها في الشيكولاتة وأنا قولت هجبلها.. ـ طيب وهي مجتش بنفسها ليه؟! بصتلي بخوف وسكتت خالص، دوست على إيديها بقوة وقولت: ـ ردي عليا وإلا هبلغ عنك.. لقيت دموعها نزلت أكتر وقالتلي: ـ عشان ماتت امبارح.. اتأثرت شوية بكلامها خاصة إن صعب بنت تمثل بالطريقة دي، طلبت منها تفتح الشيكولاتة وتاكلها وجبتلها علبة عصير، ولما رفضت قولتلها إني هديها شيكولاتة لسوسن كمان بس بشرط تحكيلي كل حاجة..
وفعلًا البنت واحدة واحدة بدأت تحكي، قالتلي إنها قاعدة عند جواهر في بيتها، وكل يوم بتطلع تبيع مناديل وتتسول في منطقة معينة وترجع بالفلوس لجواهر.. ابتسمتلها وقولتلها: ـ هي جواهر دي تقربلك أيه؟؟ ـ هي بتقول إنها أمي بس أنا معرفش.. ـ طيب سوسن ماتت ازاي؟؟ لقيت البنت رجعت تترعش تاني، جبتلها شيكولاتة تانية وطلبت منها تقولي، معرفش ليه كنت شغوف أعرف التفاصيل، ردت وقالتلي: ـ ماتت في أوضة التعبان.. مفهمتش المصطلح الغريب ده بصراحة، بس سايرتها في الكلام وقولتلها:
ـ طيب راحت فين بعد ما ماتت؟؟ ـ رموها في الخرابة.. جسمي اترعش من تخيل فكرة إن طفلة تترمي جثتها بالطريقة دي، بس تماسكت قدام البنت وقولتلها: ـ وهي تبقا أختك ازاي؟؟ لقيتها ردت بكل براءة وقالت: ـ أنا بحبها وبقولها أنتي أختي.. ولقيتها مرة واحدة جريت وهي خايفة وبتقول: ـ جواهر هتض.ربني عشان كدا هتأخر عليها.. وجريت البنت قبل حتى ما ألحق أنادي عليها..
فضلت يجي ساعة مزاجي متعكر بسببها، بس مع الوقت اندمجت مع الشغل وعدى اليوم عادي، روحت البيت وشوفت بنتي مكة، مش عارف ليه حسيت بخوف كبير أوي عليها، تخيلت إنها كان ممكن تبقا مكان سوسن في يوم من الأيام.. وتاني يوم وأنا في وسط الشغل فوجئت بنفس البنت واقفة قدامي، مش عارف ليه فرحت أوي أول ما شوفتها، لقيتها بتديني فلوس وبتقولي: ـ ده تمن الحاجات اللي أدتهاني امبارح.. قربت منها وقولتلها: ـ وجبتي الفلوس دي منين؟؟ من الناس في الشارع..
ـ طيب مش الفلوس دي بتروح لجواهر؟! ـ أيوة بس هي مش هتعرف إني أديتك منها.. وقتها شوفت مكة بنتي في عنين البنت دي، سألتها على اسمها قالتلي إن اسمها “مريم”، قلبي وجعني أوي من فكرة إنها اتحكم عليها تعيش بالطريقة دي، وبدون وعي مني قولتلها: ـ أنتي بتلمي كام في اليوم؟؟ لقيتها بتكلم نفسها وبتعد على صوابعها وبعدها قالت: ـ متين جنيه.. ـ طيب أنا هدهملك بس بشرط.. فرحت أوي وقالت: ـ أيه؟! ـ توديني الخرابة نشوف صاحبتك سوسن..
لقيتها خافت وقالت: ـ لو جواهر عرفت إني قولتلك هتق.تلني.. ـ متخافيش أنا مش هسيبك.. وفعلًا خلصت شغلي بسرعة واتصلت بواحد صاحبي دكتور، كان مستغرب أوي من اللي بعمله بس جه معايا، وفعلًا وصلنا لمكان مهجور على وصف مريم، المكان كان عبارة عن تلال كاملة من الزبالة.. نزلنا وأحنا متقززين جدًا جدًا من المكان، وعلى وصفة مريم ولأنها راحت مع جواهر عشان يرموا جثة سوسن لقينا فعلًا جثة شكلها بشع في قلب أكوام الزبالة..
كان المشهد مُرعب خلانا نبكي على الروح البريئة دي، صاحبي وبما إنه دكتور اتصل بالإسعاف عشان تاخد الجثة للمشرحة عشان يتعرف سبب الوفاة، والمشرحة تبلغ الشرطة بقا، بس أنا كنت عمال أفكر وأفكر.. خدت مريم شقتي وخليتها تنام عندي مع مكة، فضلت طول الليل خايفة وبتردد إنها هتدخل أوضة التعبان، بس أنا كنت بطمنها إني مش هسبها، وحاولت استدرجها عشان أعرف أيه اللي بيحصل في أوضة التعبان دي عشان سوسن تمـ ـوت جوا..
فين وفين حكتلي إن صاحبتها شهد دخلتها وطلعت قالت إن فيه ناس جوا بيقلعوهم هدومهم ويض.ربوهم كمان، وقتها مسكتني كهربا غريبة وبرضه فكرت في مكة بنتي، بلاوي بتحصل وأحنا عايشين ومش عارفين عنها حاجة.. وكان لازم أجيب دليل عشان أقدمه للشرطة، عشان أساعد البنت دي ونحاسب القذرة اللي اسمها جواهر دي، تاني يوم حطيت في جيب مريم تليفون وقولتلها تتصل بيا أول ما توصل عند جواهر عشان أسمع اللي بيحصل، وإني هبقا مراقبها كويس.. مكنتش خايف إطلاقًا، كنت حاسس بأني لازم أعمل حاجة في الموضوع ده، غير إني مدرب فنون قتالية، يعني تقريبًا هعرف اتعامل مع أي واحد يقف قدامي..
ومشيت ورا مريم لحد ما وصلت للمشرحة القديمة، مكان محدش بيروحه من الأساس، وأسمع إنه ملجأ للمتسولين وبتوع المخدرات، ودخلت جوا واتصلت بيا زي ما فهمتها، ووقفت أنا بعيد أراقب المشرحة وأسمع اللي بيتقال.. سمعت أول حاجة صوت ض.رب وبكاء طفلة، بعدها سمعت صوت ست بتنادي وبتقول: ـ ولا يا مسعود، خود البت دي لبيت التعبان وعلمها الأدب.. شوية وشوفت عيل مراهق بس شكله متسول ساحب وراه مريم، وخدها لمبنى المشرحة التاني، اتسحبت وراهم من غير ما حد يلمحني، دخلت المبنى بسرعة واللي كان تقريبًا فاضي لأن كل المتسولين في أماكن شغلهم..
وشوفت بعنيا مسعود بيقرب من الطفلة عشان يض.ربها على جسمها ويعـ ـتدي عليها، هو ده بقا بيت التعبان يا شوية كلاب، الدم غلي في عروقي.. دخلت بالراحة وفوجئ مسعود بيا واقف وراه، وقبل ما يهمس كنت ضا.ربه ض.ربة خلته يقع من طوله قدامي، أحلى دليل أعرف أقدمه للحكومة، غير جثة البنت اللي زمانها راحت المشرحة.. وشيلت الواد وطلبت من مريم تخرجنا من المكان كله، وخرجنا من المكان لحد العربية بتاعتي، رميت مسعود في الصندوق وخدت مريم وطلعنا على القسم..
وهناك حكيت كل حاجة، جثة سوسن، واللي بيحصل في المشرحة، وأوضة التعبان وانتهـ ـاك أجسام البنات الصغيرة اللي غالبًا مخطوفين، وإن تشريح سوسن هيثيت إنه تم الإعتداء عليها.. ومن فضل ربنا إن البلاغ اتاخد بمنتهى الإهتمام، وجه تقرير المشرحة اللي اثبت إن سوسن ماتت بسبب إعتداء جنـ ـسي عنيف، وطلعت قوة كبيرة مسكت كل اللي في المشرحة القديمة.. واعترفوا إن اللي مشغلاهم واحدة اسمها جواهر وجوزها رجب، وإنهم ساكنين في عمارة قريبة من المشرحة بالمشاركة مع كام بلطجي مشهور..
وفعلًا قبضت الشرطة عليهم واتحول باقي الأطفال لملجئ في القاهرة، وتابعت القضية للنهاية، لحد ما اتحكم فيها، وبصراحة مقدرتش أسيب مريم، وقدمت طلب إني اتبناها واتوافق عليه.. يمكن هتعب أوي إني أحولها من متسولة لبنت كويسة، بس ربنا عارف نيتي كويس، وهيوفقني في دا.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




