
في نص الليل وأنا في سابع نومة، فقت على إيد قوية بتهزني بقوة وحزم، فتحت عيني وأنا لسة آثار النوم ظاهرة عليا، عشان أسمع صوت أبويا بيتكلم بغضب نوعًا ما: ـ يالا عشان مفيش وقت.. ـ يالا على فين يا حاج؟! ـ قولتلك يالا مفيش وقت للتفسير..
قمت من على السرير لقيت أبويا لابس الجلبية والوشاح الأسود عشان البرد وخدني وخرجنا من البيت، الجو كان صامت أكتر من المتوقع، والبرد عمال ينهش في جسمي وأطرافي كلها متخدرة، بس كلها لحظات وبدأت الرياح تشد حيلها وتض.ربنا بكل قوتها، رياح محملة بصقيع بيكسر عضمي كله، بس الغريب إن أبويا كان ثابت ثبات الجبال، ولا كأن الرياح والبرد ده مأثر فيه..
حاولت اسأل أبويا أحنا رايحين فين بس خفت، أبويا طول عمره له هيبة كبيرة، والكلام معاه مش بالسهولة دي، طالما طلبني في مشوار يبقا ممنوع الاعتراض أو المناقشة حتى، وبعد خمس دقايق من المشي في بلد أشبه ببلدة الأموات من كتر الصمت اللي فيها لقيت نفسي مع أبويا على مدخل المقا.بر.. بصتله برهبة بس شوفت في عنيه نظرة ثابتة، وكأنه داخل يقابل المو.ت نفسه، دخلت معاه وأنا حاسس بخو.ف كبير من مشهد المق.ابر اللي على اليمين واليسار، أضرحة ضخمة واقفة في ثبات مثير لكل المشاعر الإنسانية، حارات ضيقة تخليك تتخيل إنها هتقفل عليك وتبلعك جواها، القبور، وما أدراك ما القبور..
جسمي من شدة البرد مكنتش قادر أسيطر عليه، مرة ورا مرة لحد ما وصلنا للمق.بر بتاعتنا، أبويا وقف قدام القبر بتاعنا بالأخص وفضل يبص ناحيته بغضب غريب، كأنه عايز يكسر الباب ويدخل، سألته بتوتر وأنا خايف من رد فعله وقلت: ـ هو فيه أيه يا حاج؟؟ ـ القبر ده لازم يتفتح؟؟ الكلمة خلت جسمي كله يقشعر أكتر، رديت بصوت مبحوح وقلت: ـ هنفتحه ليه؟! رد بصوت قاسي وقال: ـ عشان الميت اللي جوة لازم يتعدل ناحية اتجاه القِبلة..
ـ هو فيه حد اتد.فن في مقا.برنا وأنا معرفش ولا أيه.. لقيته وقتها بص في عنيا بقسوة غريبة وقال: ـ أيوة، أبوك مدفون جوة.. واختفى من قدام عنيا، اختفى وكأنه لم يكن، وقتها بس المخدر اللي كان فوق عقلي راح، وقتها بصيت على باب القبر وأنا مذهول لأنه كان مقفول بأسمنت جديد، وقتها بس رجعتلي ذاكرتي كلها.. أبويا مات امبارح، أبويا اتد.فن في القبر ده امبارح، امال مين اللي صحاني وجابني لحد هنا، وازاي اختفى من قدام عنيا بالطريقة دي، وازاي طول ما أنا ماشي معاه مش فاكر إن أبويا مات من يوم واحد بس كأني كنت فاقد الذاكرة..
كل ده خلى شعر راسي يشيب حرفيًا وأنا واقف في البرد قدام باب القبر، وأنا واقف باصص للمكان اللي كان فيه الشيء اللي شبه أبويا، وقبل ما اتحرك أو أقدر حتى اتنفس سمعت صوت زمجرة مُخيفة جاية من ورايا.. بصيت لقيت كلب شرس، شكله مُخيف، وعمال يزمجر بكل غضب الدنيا، وقتها كان لازم أجري، أهرب، انطلق من الجحيم ده كله، جريت وكأني بهرب من الهلاك، جريت بأقصى ما أملك من طاقة لحد ما هربت من المكان كله وخرجت وأنا شعري كله واقف وقلبي في سباق رهيب، سباق سببلي ألم عنيف في صدري لدرجة إني اتشاهدت أربع مرات مخافة إني أمو.ت..
في النهاية رجعت البيت، ودخلت أوضتي بدون ما حد يحس بيا، وبكيت، بكيت بكاء اللي ضهره اتكسر، اللي خايف، اللي مش لاقي حد يحكيله مخاوفه أو ياخد بنصيحته، واللي كان مصدر خوفي هو اللي قبل مو.ته كان مصدر أماني، فضلت على حالي ده وقت طويل أوي لحد ما قدرت أتمالك نفسي واحدة واحدة، وقدرت إني أنام في النهاية رغم الكوابيس اللي مرحمتنيش ولو لحظة واحدة.. وتاني يوم كملنا العزاء، وفضل شغلي الشاغل وتفكيري كله منصب على اللي حصلي امبارح، هل هي أوهام، ولا مرض نفسي أصابني بعد مو.ت أبويا، ولا الموضوع أكبر من كدا..
أيًا كان فأنا لازم أتماسك ادأكتر من كدا، والأمر كله في النهاية بيد الله، رجعت أوضتي من تاني، الوحدة والصمت، وكسرة ضهري والذكريات، ووسط شرودي ده سمعت صوت حد بيكح بصوت عالي، وقفت مكاني واتنفضت وشعر جسمي كله وقف من تاني.. أنا عارف كويس أوي صوت كحة أبويا، خرجت زي المجنون ودورت في البيت كله، بس مفيش غير أمي المريضة في أوضتها، بس الأكتر إثارة للرعب إن ريحة المِسك بتاع أبويا كانت واضحة في البيت كله تقريبًا..
أبويا ممتش، أبويا عايش معانا في البيت، أنا هتجنن، رجعت أوضتي ومسافة ما قعدت على السرير سمعت صوت نحنحة أبويا تاني في الصالة، وسمعت صوت قفل باب الحمام.. أنا قلبي هيقف من الرعب، حاسس إني شوية وهتجنن، خرجت من تاني ملقتش حد في الحمام، ورجعت أسمع حركة في أوضة أبويا التانية، الأوضة اللي كان دايمًا قاعد فيها، ودخلت الأوضة وأنا بترعش، إحساسي بيه قوي أوي، أبويا كأنه معايا هنا في الأوضة، يارب سترك يارب..
رجعت تاني لسريري وحاولت أنام هروبًا من التفكير اللي شوية وهيفتك بيا، وبالفعل نمت، نمت فجأة، ووسط نومي اتكرر نفس الموضوع، اتكرر وأنا فاكر كويس المرة دي إن أبويا ميت، شوفته، بنفس الجلبية والوشاح، بيهز فيا بعنف وبصوته القاسي بيقول: ـ قوم مفيش وقت.. وقتها اتشليت حرفيًا، فتحت عيني وبصيت ناحيته في الضلمة وأنا قلبي هيقف من الفزع، فضل واقف قدام السرير بثبات رهيب، وبنظرات قاسية وغضب رهيب، وكنت عارف إنه عاوزني أقوم، أروح معاه من تاني للمقا.بر، بس أنا من فزعي مش قادر اتحرك، مش قادر حتى اتنفس، في النهاية صرخ بصوت قاسي، خشن، واختفى..
اختفى عشان أقوم من مكاني واقع في نوبة بكاء هيستيري.. ـ أنا ايه اللي بيحصلي ده؟! ـ يارب نجيني يارب.. ـ أبويا عاوز مني أيه بس؟! بس الموضوع فضل يتكرر، مرة واتنين وتلاتة، وكل مرة كان بيبقا غضبان أكتر من الأول، وقتها بس وبعد تفكير عرفت إني لازم أنفذ كلامه وإلا هتجنن أو همو.ت من الرعب، وفي النهاية كان القرار، أنا هفتح قبر أبويا من تاني، هعدل الج.ثمان ناحية القِبلة.. هروح ولو كانت النهاية مو.تي فده نصيبي وقدري، و الأسوأ إني مينفعش أفتح القبر بالنهار، لازم أفتحه بالليل، عشان محدش يشوفني ويتهمني بحاجة، يارب سترك يارب..
وفي النهاية انطلقت، بعد نص الليل خدت مفاتيح المقا.بر وانطلقت ناحية قبر أبويا، صليت يومها صلاة اللي رايح يمو.ت، طلبت من ربنا ينجيني لو كان المو.ت هو نصيبي ويرحمني.. ووصلت من تاني للقبر، ووقفت قدامه اتنفض زي الطير الجريح، فتحت باب القبر وبقيت وجهًا لوجه مع الحقيقة المُطلقة، وجهًا لوجه مع ظلمات القبر والأموات.. ـ ياااااارب.. ونورت الكشاف اللي معايا وسلطه جوه القبر، ولا أي تغيير، ظلام القبر بيبلع أي حاجة، حتى الضوء، والج.ثث، وأي حاجة بتدخل جواه، وكأنه وحش أسطوري بتفنى أي حاجة بتدخل جواه..
في النهاية دخلت، دخلت القبر، ولقيت ج.ثمان أبويا قدامي، راقد بثبات رهيب وسط الظلام، بكيت بدموع كلها قهر وحزن وألم، بكيت لأني بقيت خايف في يوم من الأيام من أبويا.. نزلت القبر وقربت من الج.ثمان، شعري واقف وجسمي كله بيرعش، مديت إيدي وعدلت الج.ثمان المتكفن ناحية القِبلة، بدأت ازحزح فيه مرة بعد مرة لحد ما الج.ثمان اتعدل، وقبل ما أقوم من مكاني لمحت حاجة غريبة أوي، صباع أبويا طالع من الكفن..
الكفن كان مقطوع من مكان الإيد بالأخص، وعلى صباعه المتآكل كان فيه لون أزرق كأنه حِبر، وقبل ما استوعب سمعت صوت نحنحة من جوة القبر، سلطت الضوء بفزع ناحية الصوت، وشوفته، الراجل اللي شبه أبويا، كان رغم قسوة ملامحه كان مبتسم.. صرخت، ورميت الكشاف وجريت، خرجت من القبر وقفلت الباب وأنا بشهق شهقات مو.ت، ورجعت وفيه جزء من شعر راسي بقا أبيض، جلدي مكرمش وقلبي بيوجعني، وفضلت طول الليل أفكر، أفكر، أفكر..
تاني يوم لقيت عمي بيتصل بيا وعاوز يقابلني في المندرة اللي تحت بيته، روحتله واستغرب من شكلي المرهق بس اتحججت بمو.ت أبويا، بدأ يواسيني وطلب مني أمضي على فواتير للمحل عشان نرجع للشغل تاني.. في العادي أنا كنت بمضي من غير ماأبص، المرة دي بس خدت الورق واتحججت بإني تعبان وهتقيء وجريت على الحمام، قفلت الباب وبدأت اتأكد من الورق، واللي حسبته لقيته؛ عقد بيع وسط فواتير المحل، عقد تنازل عن الأرض والمحل، أبويا باصم على نسبته فيه..
أبويا اللي بيعرف يمضي بصم، ودلوقتي أنا المفروض كنت همضي من غير ما آخد بالي عن نسبتي، واللي بتمثل نص المحل، ورجع المشهد يرفرف من تاني قدامي، وأحنا بند.فن أبويا، ابن عمي وعمي رفضوا تمامًا إني أد.فن أبويا أو أدخل القبر بحِجة إني حزين، ودخل عمي يد.فنه ويبصمه على عقد التنازل وهو في قبره.. سحبت العقد من وسط الفواتير وقطعته ومضيت على باقي الفواتير وأدتها لعمي، وخرجت، بس وأنا خارج لمحته، شوفت الراجل اللي شبه أبويا واقف بيبص عليا من شباك البيت، ومبتسم..
تاني يوم طردت عمي من المحل اللي كنا مشغلينه معانا فيه، وعرضت الأرض للبيع، بس عمي مكملش، كلها أيام ومات بسكتة قلبية، الله أعلم شاف أيه، بس أنا متأكد إن الكيان ده كان سبب كبير، ومتأكد كمان إن اللي بيسعى ناحية المال الحرام بتكون نهايته هلاك.. أي حد بيستحل قرش واحد مشبوه أو حرام هيتعاقب، المال الحرام عامل زي النار، النار اللي بتخرب البيوت، وتحرق البشر، بل وبتدخلهم جهنم والعياذ بالله، أبعد عن المال الحرام ولو هتمو.ت من الجوع..
أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ قَالَ: (مَنِ اقْتَطَعَ حَقَّ امْرِئٍ مُسْلِمٍ بِيَمِينِهِ ، فَقَدْ أَوْجَبَ اللَّهُ لَهُ النَّارَ ، وَحَرَّمَ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ)، فَقَالَ لَهُ رَجُلٌ : وَإِنْ كَانَ شَيْئًا يَسِيرًا يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ ﷺ: (وَإِنْ كان قَضِيبًا مِنْ أَرَاكٍ) صحيح مسلم بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




