روايات

سائق التاكسي للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

دايمًا عندي مشكلة مع جوزي بسبب موضوع النقاب، هو عاوزني ألبسه وأنا رافضة الموضوع لأني مش مستعدة رغم إن أسبابه قوية في الموضوع ده، بيقولوا عليا إني جميلة جدًا بمعايير مجتمعنا، العيون الملونة والبشرة البيضا والملامح الطفولية، كل ده بيخليني تقريبًا مبخرجش من البيت بسبب كمية المعاكسات..

كنت بحاول بقدر الإمكان مخرجش معاه لأن كل خروجة بخناقة واتنين مع الناس اللي بيعاكسوني، كنت جميلة لدرجة إن بعض الناس كانوا بيقولوا دي ملاك مش إنسانة زينا، بس برضه ملبستش النقاب، وامبارح بس وبسبب تجربة مرعبة قررت ألبسه عن اقتناع تام، تجربة عدت عليا في ٣٠ يوم بس كان إحساسي بيهم إنهم ٣٠ سنة ويمكن أكتر..

يومها كنت راكبة عربية تبع شركة معروفة وعاملة أبليكيشن شهير ولاحظت نظرات السواق ليا أكتر من مرة في مراية العربية، وبما إني متعودة على الموضوع ده حاولت أتجاهله بأي طريقة بس كان مركز معايا أوي، وبقا المشوار تقيل أوي عليا، لحد ما بدأ يفتح كلام وقالي إنه هيقف ويجيب حاجة من الصيدلية ويرجعلي.. شوية ورجع متضايق وعمال يتأفف، وبتلقائية سألته لقيته وكأنه كان معبي وانفجر، قالي إنه محتاج لبن لبنته اللي بترضع ومش لاقي والبنت هيجرالها حاجة لو معرفش يجيب اللبن الصناعي ده، وبقلبي الأبيض طلبت منه رقمه وأنا هتصرف..

كلمت واحدة صاحبتي أعرفها في وزارة الصحة وقالتلي إنها هتوفر اللبن بالليل، طبعًا كلامي فرحه جدًا وبقا مبسوط جدًا، قولتله هكلمه بالليل يجيلي تحت البيت وأديله الحاجة، وفعلًا كلمته لما وصلتني الحاجة وجالي بالعربية تحت البيت وخدهم مني وهو بيشكرني شُكر مُبالغ فيه.. شوية ولقيته بيتصل، حسيت بتوتر وتجاهلت المكالمة بس رن عليا تاني، رديت بتردد لقيته بيشكرني مرة تانية وبيحكي أد أيه أنا إنسانة عظيمة وجميلة ومدح مالوش أول من آخر، اختصرت معاه الكلام عشان أقفل المكالمة..

وافتكرت إن الموضوع انتهى لحد كدا، بس للأسف من تاني يوم بدأ يبعت على الواتس، مدح، عايز يتكلم، يتعرف، ولما صديته أعتذر بشدة وبطريقة مُبالغ فيها، وتاني يوم بعت مرة تانية ولما عملتله حظر بقا بيرن مرة واتنين وعشرة من رقم تاني ، عملتله حظر للرقم بتاعه بس كانت بتوصلني إشعارات وكان بيرن فوق ال٩٩ مرة في اليوم..

كان راجل مُريب خلاني قلقانة طول الوقت، خايفة، وخايفة أكتر إن جوزي يمسك موبايلي ويشوف الرقم اللي بيرن كتير أوي ده عاوز أيه، وفضل شهر كامل على الحال ده مش عاوز يسبني في حالي، لحد ما شيلت الحظر ورديت عليه في مرة بعصبية شديدة فأعتذر من تاني وقفلنا القصة دي، بس بعد يومين وصلتلي رسالة منه على الموبايل.. ـ أنا آسف جدًا بس أرجوكي بنتي بتمو.ت ومحتاج علبتين لبن كمان ووعد مني مش هكلمك مرة تانية أبدًا مهما حصل..

وغصب عني مقدرتش أرفض، كلمت صاحبتي وجابتلي اللبن وكلمته وقولتله هخلي جوزي ينزلك المرة دي، لقيته اضطرب وأقسم بالله إنه مش هيتعرضلي تاني بس أنزل بنفسي عشان يشكرني للمرة الأخيرة، ووسط الإلحاح الغريب ده وافقت تاني ونزلت، أديته اللبن ولقيته بيديني علبة لبن فاضية وبيقولي لو لقيت النوع ده أكلمه بس واترجاني لأن البنت بتتعب من أي نوع غير اللبن ده..

خدت منه الازازة وأنا مقررة مكلموش تاني خلاص، حطيت الازازة في شنطتي وطلعت شقتي، وتاني يوم الصبح لقيت الازازة مكسورة في الشنطة وكان فيها تقريبًا بواقي لبن فغرقت الشنطة بتاعتي، رميت الازاز وغسلت الشنطة وبعد ساعتين حسيت بصداع ودخلت عشان أنام.. وصحيت بالليل على جوزي وهو بيهزني بهدوء، صحيت مخضوضة لقيته ابتسم وقالي: ـ شكلك متوترة طمنيني عليكي.. ابتسمت لأني لقيته حاسس بيا ولأني مش متعودة على الحنية دي منه، وعملنا العلاقة الحلال ما بينا، ولما انتهينا سمعت صوت من برة، صوت عادي بس في اللحظة دي لازم يكون مُرعب وبزيادة كمان..

سمعت صوت المفاتيح بتاعة جوزي وباب الشقة بيتفتح، ركزت مع اللي معايا لقيته السواق، ولقيته مبتسم ابتسامة مرعبة وقال: ـ هنفضل مع بعض العمر كله.. صرخت عشان اتفاجئ بجوزي جاي من برة يجري وكانت الأوضة فاضية، فضلت اتنفضت كتير ومقدرتش أحكي حاجة وقولتله إنه كان مجرد كابوس مش أكتر..

بس الكابوس ده بقا بيتكرر كتير، بيتكرر بطريقة مُرعبة لدرجة إني اعتزلت جوزي تمامًا وبقيت برفض إنه يقرب مني مخافة إنه ميكونش جوزي، كنت بصحى ألاقي علامات على جسمي، علامات سودة شكلها مُقزز جدًا، والصداع بقا بيهاجمني كل يوم بعد العصر لدرجة إني كنت بتوجع بصوت عالي منه، ومفيش أي مسكنات كانت نافعة معاه، واللي زود الطين بلة إن جسمي بقا متكسر ٢٤ ساعة، سرحانة، كوابيس ليل نهار حاسة إني في علاقة جسدية جوة عربية الراجل ومعاه..

كرهت جسمي، وكرهت شكلي، وبدأت حبوب لونها أسود تظهر على جسمي، كشفت عند دكتور جلدية وبدأت أدهن مراهم يوميًا على جسمي كله، كنت بتشوه يوم بعد يوم، لحد ما جتلي مكالمة منه، رديت عليه بغضب، بس لما سمعت صوته حسيت بقلبي بيدق، وكأنه حبيب كان غايب عني بقاله سنين..

حكتله كل حاجة وقالي إنه يعرف شيخ يعالجني من الحالة دي واتفقنا نتقابل بعد ساعتين، كنت تايهة، مش عارفة أنا بكلم مين ولا بتفق مع مين، ونزلت قابلته زي المُغيبة عن الواقع وركبت معاه العربية، وفضلت تايهة، سرحانة، لحد ما فقت ولقيت نفسي في منطقة مقابر مهجورة والمكان كله ضلمة، ولقيته بينزلني من العربية وفيه نظرة شهوة غريبة في عنيه، حاولت أمنع نفسي عنه، كانت فيه حاجة جوايا بتصرخ، وسبحان من نجاني منه بعد ما ض.ربته بحجر ضخم على راسه وهربت..

كنت بجري في المقابر زي المجنونة، سامعة أصوات وشايفة حاجة قدامي لحد ما قدرت أخرج في النهاية منها، ورجعت البيت ودموعي متحجرة في عنيا، لقيته باعتلي وبيهددني لو مرجعتش هيقول لجوزي إني على علاقة بيه وهيثبتله بالمُحادثات، وقتها انهرت، بكيت، حاولت أمو.ت نفسي بس مقدرتش، أنا ليه بيحصل معايا كل ده وأنا كل اللي كنت عاوزاه أساعد واحد محتاج.. ولما مردتش عليه وبعد يومين لقيت جوزي داخل عليا وفيه نظرة غريبة في عنيه، وسألني عن السواق، بصتله برعب لأنه مش هيصدقني بس فوجئت بيه بيقول:

ـ أنا واثق فيكي وعارف إن فيه حاجة غلط، أحكيلي فيه أيه وليه متغيرة اليومين دول.. وحكتله كل حاجة، شجعني أحكيله كل حاجة، ومعلقش على كلامي، اتصل بشيخ وجابه الشقة ولما سمع مني طلب يشوف الشنطة والازاز المكسور اللي مكنتش رميته لحد انهاردة، ولما شافه فهم.. قالي أنتي مش معاكي حاجة واحدة، أنتي معاكي حاجتين، الحاجة الجديدة دي لأن القذر ده عملك سحر سائل وحطه في ازازة اللبن، وبوسيلة ما سخن الازاز بحيث إنه يتكسر بعد وقت قليل عشان يضمن إن الازازة تتكسر في شنطتك وتلمسي مية السحر، وده سبب كل اللي أنتي فيه..

الحاجة التاني هي حاجة قديمة أوي، أنتي مش جميلة أوي كدا، أنتي حد من أهلك عملك سحر كانوا بيعملوه جداتنا للبنات عشان تبقا جميلة في عيون الناس، وده سبب المشاكل كلها وإن كل الناس بتنجذب ليكي، وأكدت على كلامه إن جدتي زمان ودتني لواحدة عملتلي حجاب وعلقته في رقبتي وقت طويل..

وقالي بفضل الله هنعالجك من الاتنين ومشاكل كتير في حياتك هتتحل، وفعلًا عالجني، رقية على مية وأذكار وقرآن، وكلها أسبوع وبقيت كويسة جدًا، حتى نظرات الناس ومعاكستهم اختفت تمامًا وبقيت إنسانة طبيعية بخرج وبروح وباجي مع جوزي، ومع ذلك احترامًا للراجل اللي وثق فيا وصدقني لبست النقاب، وكان باقي حاجة واحدة بس، السواق.. جوزي كلمه من تليفوني وكأني هقابله، ونزل هو وأخوه كسروا عضمه، سحلوه وخلوه يلحس تراب الشارع، مكنتش مصدقة إن جوزي راجل للدرجة دي وإنه بيحبني وبيغير عليا أوي كدا، عشان كدا حلفت من يومها ما اعترض على كلمة من كلامه تاني أبدًا..

الغريب إننا امبارح كنت بقوله: ـ خيرًا تعمل شرًا تلقى، وإني مش هعمل خير في حد تاني أبدًا، لقيته بيقولي: ـ أنتي بتعملي الخير للناس ولا لله، وبعدين الخير اللي اتعمل هو اللي نجاكي في النهاية حتى لو اتظلمتِ، وربنا هيجازيكي عليه لسة في الآخرة، وكمان ممكن ربنا يرفع عننا شر بسببه، لما بنعمل الخير بنعمله لوجه الله مش للناس، حتى لو اتقابل بالشر، وقتها تأكدي إنك مأجورة أجرين، أجر بسبب فعل الخير، وأجر بسبب الشر اللي جالك بسببه، ويا حظ من سخره ربنا لقضاء حوائج الناس..

قال النبي ﷺ : (من نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً مِن كُربِ الدُّنيا نفَّسَ اللَّهُ عنهُ كربةً مِن كُرَبِ يومِ القيامةِ ، ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللَّهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ ، ومن سَترَ على مُسلمٍ في الدُّنيا سترَ اللَّهُ علَيهِ في الدُّنيا والآخرةِ ، واللَّهُ في عونِ العَبدِ ، ما كانَ العَبدُ في عونِ أخيهِ) صحيح الترمذي بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى