
لسة فاكرة وصية أمي كويس أوي اللي فضلت على مدار عمري كله بتقولها بدون كلل أو ملل ـ البنت اتخلق جواها الحياء.. ـ البنت مينفعش صوتها يبقا عالي.. ـ البنت مينفعش تتزين قدام الناس.. ـ البنت مينفعش تدي أي مساحة لحد إنه يتكلم معاها برة حدود الأدب.. أمي الست الغير متعلمة اللي اتولدت في الريف المصري، الست اللي مكنتش بتعرف تقرأ أو تكتب، بس كانت عارفة إن فيه حاجة اسمها دين وأخلاق وأصول مينفعش نتخطاهم بأي حال من الأحوال، ست ربنا أداها من العقل وقوة اللسان إنها تقدر تتكلم بمنطق يخلي رجالة يسكتوا قدام كلامها..
الست اللي منعت ألف واحدة إنها تطلق، وشجعت ألف بنت إنها تتزوج، بل الست اللي كان أي بنت من الجيران تعصي أمها كانوا بيجبوها للست كاميليا، أمي، ببساطة أمي كانت ملاك عايش على الأرض بكل معنى الكلمة، كانوا دايما يشبهوها بالسيدة عائشة زوجة الرسول ﷺ لأنها كانت دايمًا قادرة تقول حلول، حلول متجيش غير على عقلها هي وبس.. لسة فاكرة أول يوم جامعة ليا، أمي اللي فضلت تفهمني إن كل كلمة أو ابتسامة في وجه شاب بتخلق ألف مشكلة جوايا وجواه وفي المجتمع كله، أمي اللي تعبت نفسيًا لما عرفت إني رايحة جامعة مختلطة، وكانت ضد ده قلبًا وقالبًا..
بس الزمن جار عليها، وبدأت تنسى كتير وكلامها يبقا غير مفهوم من الأساس، لحد ما جالي الخبر أيام امتحاناتي إنها بتمو.ت، رجعت ملهوفة عشان أشهد اللحظات الأخيرة للست كاميليا، وعشان أسمع الوصية الأخيرة.. عيشي أنثى مش ست، الأنثى مخلوقة من حياء، ولو سقط عنها بقت ست سهل أي حد يوقعها في براكين من الشهوات والذنوب، عيشي زي ستنا مريم، أطهر ست جت على وجه الأرض..
وماتت، ماتت وخدت حتة من روحي معاها للأبد، بس الزمن مبيقفش، والعجلة بتاعته بتدور بطريقة مُخيفة، لحد ما مرت سنة كاملة على مو.ت أمي، وبدأت اتعرف على يوسف في الكلية، يوسف اللي كان مبهور بيا حرفيًا، اللي كانت كل نظراته عشق وهيام ناحيتي، وبدأت حصوني تجاهه تتهدم حصن ورا التاني، كل بنت محتاجة تشوف نظرات حب من الجنس التاني، تسمع كلمة تطمنها إنها مرغوبة، تحس إنها مميزة..
وبدأت نوعًا ما أتخلى عن بعض صفات الأنثى واتحول لست بالتدريج، ابتسم في وشه، اتكلم معاه بهزار، وحتى خرجنا مع بعض مرة، ووقعت في دايرة صراع رهيب بين كل كلام أمي وبين رغبات الست اللي جوايا، صراع شرس.. لحد ما جه يوم السنوية بتاعت أمي بلغونا في المدينة الجامعية إنهم هيجددوا تلت مباني بسبب مشاكل في الصرف، وبناء عليه هننقل لمساكن شعبية قريبة من الكلية على حساب الكلية، ٣ شهور بس..
وطبعًا مينفعش اعترض، وإلا هبات في الشارع والامتحانات بقت على الأبواب، نقلونا في شقق متفرقة وبعيدة عن بعض بسبب ضيق الوقت وقلة الشقق، ونقلت أنا وصاحبتي ياسمين في شقة في بناية متهالكة في الدور الثاني.. وعرفنا بعدها إننا سكان البناية الوحيدين لأن الشقق كلها فاضية، وبعد ليلة من التنضيف والغسيل والإرهاق، فوجئت بياسمين تاني يوم بس راجعة بلدها لمدة أسبوع بسبب أخوها اللي عمل عملية قلب مفتوح، كلمت المشرفة عشان تبعت حد معايا لأني قلقانة فبلغتني إنها هتنقلني في أقرب وقت وتفضي الشقة طالما أحنا اتنين فيها وبس..
خلصت كليتي يومها واشتريت أكل معايا وأنا مروحة، طبخت وأكلت وشيلت الباقي في التلاجة، وعملت مج النسكافيه ودخلت على المذاكرة، وغرقت في سطور الكتب وكلماتها لحد الساعة ١١ بالليل، مكنش فيه وقت لأي تباطؤ أو تكاسل، ووسط تركيزي وشرودي بدأت أسمع صوت حد بيدندن، كأن فيه بنت بتغني أغنية رومانسية بصوت هادي جدًا.. حاولت أركز يكون فيديو في موبايلي أو تلفزيون، بس كل حاجة مقفولة، والصوت رغم إنه منخفض إلا إنه جاي من كل مكان تقريبًا، صوت عذب، جميل، بس مع وجودي لوحدي خلاني أقلق..
طلعت البلكونة مرة واتنين، فتشت في الصالة والأوضتين، الصوت واضح بس ملوش أي مصدر تقريبًا، فضلت قاعدة على السرير في قمة توتري وقلقي ومعرفتش بعدها أذاكر كلمة واحدة.. ومع الفجر اختفى الصوت تمامًا وعرفت أنام بعمق، تاني يوم اقنعت نفسي إنه مجرد حلم، أو شقة من شقق الجيران فيها بنت بتغني، ليه لا، وعدى اليوم بدون أي مشاكل تُذكر، بس على بالليل بدأت صوت الدندنات تظهر من تاني، بس الصوت كان أوضح أكتر، والكلمات مسموعة، نفس البنت بتغني من تاني، بتغني وبتمد في الحروف والكلام وكأنها واقعة في العشق حتى الثمالة..
لولا غرابة الموقف كنت تخيلت إنها بتغني وبتوصف حالتي مع يوسف، بس الوضع هنا غريب، مُريب، حاولت اتجاهل الصوت بس كان واضح، صعب التجاهل، صوت غامض ومجهول قادر يخلق جواك ألف شعور من القلق والتوتر.. وعدت الليلة كأصعب ما يكون وعلى الفجر اختفى الصوت، روحت الكلية وقابلت يوسف، وكنت متعمدة ألبس فستان شيك عشان أظهر قدامه جميلة وانسى توتر الليلة اللي فاتت، وهو انبهر بيا، وأبدى إعجابه الشديد، بل وقالها صراحةً: ـ شكلي هحبك أوي..
خلى قلبي وقتها يرفرف في السما، وأعيش زي الطير لساعات معدودة، ومع غياب الشمس رجعت للواقع، وللصوت اللي مستنيني، والرعب الغريب اللي اخترق حياتي بدون أي مقدمات.. وعلى الساعة ١١ بدأ صوت الغناء يظهر، أيوة غناء عالي وواضح مش دندنات، صوت عذب، يسلب العقل، بس الوضع كان يرعب، خاصة إن الصوت بقا كأنه في قلب شقتي..
خرجت وأنا قلبي بيدق أدور من تاني، في الشقة كلها، بس، بس……. الصوت كان جاي من الحمام، حمام الشقة اللي أنا فيها، وقتها شعر جسمي كله وقف، وقلبي بقا بيترج بأعنف ما يمكن، قربت من باب الحمام وفتحته، الحمام فاضي، ولعت النور، الحمام فاضي، بس الصوت واضح أوي.. ـ ضحكتله، وساومته، بضحكة منه يبادلني بتغني بترتيب ورتم واضح، مستمر، ومع تركيزي الشديد صُعقت، صوت الغنا كان جاي من المراية، مراية الحمام، قربت منها وشوفت وشي فيها، مذعور، أصفر، وعنيا جاحظة من الرعب، مديت صباعي بحذر ولمست المراية..
وفي لحظة قطع نور الحمام كله، ووقفت مكاني زي اللي بتنازع سكرات المو.ت، دمي كله نشف وحسيت بفزع رهيب بياكل في جسمي، كان لسة صوت الغناء شغال، وفي اللحظة دي المراية نورت بضوء خفيف، وزي الحلم شوفت فيها بنت، بنت شابة في قمة الجمال، ممكن نقول أجمل بنت شوفتها في حياتي، وكانت بتغنى وهي مبتسمة، فرحانة، ولابسة روب أبيض مخلي شكلها أجمل وأجمل..
فضلت باصة ناحيتها وعنيا ثابتة مبترعش، وجسمي متخشب، وهي كانت تايهة في الغناء، كأنها على خشبة المسرح، بتغني وكأنها بتتنفس، في اللحظة دي بصت ناحيتي، بصت ناحيتي بفراغ مكان العيون، فراغ كامل، كأنها اتولدت من غير عيون من الأساس.. اتنفضت مرة واتنين بس مقدرتش اتحرك ولا أخطي خطوة واحدة، في اللحظة دي لقيت شخص ظهر وراها، راجل قاسي الملامح، وقف وراها ونظرات العشق بتخرج من عنيه مخلوطة بنظرات الغريزة، وهي انتبهت، انتبهت وبدأت تتكلم بكلمات غير مفهومة، وهو كان بيرد بكلمات برضه مش مفهومة، وبعدها صراخ، صراخ رهيب..
وهو طعنها في جسمها كله، ووقعت على الأرض جثة هامدة، كل ده أنا شيفاه قدام عنيا في المراية، وقتها بدأ برعب يكسر أرضية الحمام ودفن فيه الجثمان، وخرج وهو مذعور، وضلمت المراية تمامًا، بس.. بس.. بس بدأ صوت الغناء يجي من تحتي، من تحت السيراميك، خرجت أجري من الحمام ووقعت في الصالة بشهق زي الأموات، الصوت مبيوقفش، بل وبدأ يعلى كأنها أصوات استغاثات مُخيفة..
كأن فيه ناس بتتعذب في الحمام، بيتعذبوا تحت السيراميك، اتجننت، أصابتني لوثة عقلية من قوة الصوت، وجبت شاكوش ومسمار حديدي ضخم وبدأت أكسر زي المجنونة أرضية الحمام، وزي ما توقعت، جثة، جثة متآكلة وشكلها بشع مدفونة تحت سيراميك الحمام.. وأول ما شوفت الجثة بشكلها المتحلل صرخت مرة واتنين وعشرة، صرخت لحد ما الجيران اتجمعوا، صرخت لحد ما أغمى عليا.. تحقيقات.. تحقيقات.. استدعاء.. أهلي كلهم حضروا.. وتم استدعاء صاحب البناية.. تحقيق طويل أوي، أسبوع كامل، أسبوع من الجحيم وبعدها كل ملابسات القضية ظهرت للكل وعلى مسمع من الصحافة كلها..
البنت دي اسمها بسنت، هربت من أهلها لسبب مجهول وقررت تسكن في القاهرة لوحدها، بنت كانت آية في الجمال، لدرجة إنها سلبت عقل صاحب البيت بطريقة مقدرتش بنت تعملها إطلاقًا، لأنها يوميًا مع خروجها ودخولها كانت بتتزين، وكانت كل ليلة تغني قدام مراية الحمام بصوت عذب، رهيب، صوت كان بيخلي صاحب البيت اللي كان ساكن تحتها يقف طول الليل في المنور يسمع صوتها اللي جاي من شباك الحمام..
الراجل مع الوقت بقا مجنون بيها، عاشق تايه في عش.ق بسنت، لحد ما في ليلة زاد صوت غنائها، وهو شبه اتجنن، وقرر يدخل عليها الشقة بأي طريقة، طلع بنسخة المفتاح اللي معاه وحاول يفتح بس كانت بسنت مغيرة قلب الكالون، نزل بسرعة جاب سكينة وقدر يفتح بيها الباب.. وفوجئت بسنت بيه في قلب حمامها بيطل عليها بعشق وجنون، صرخت، حاول يوقفها مقدرش، ق.تلها، ولما فاق واستوعب الكارثة بدأ يكسر السيراميك ودفنها، وتاني يوم جاب صنايعي يعدل شكل السيراميك، وقدم بلاغ فيها إنها سابت الشقة وعليها إيجار متأخر عشان يبعد عنه الشكوك..
يوم بعد يوم كان صوت غنائها بيطلع من شباك حمامها، ومن رعب صاحب البيت سابه من سنتين كاملين، بس ابنه من وراه راح مأجر الشقق للسمسار بتاع الكلية، وده لأن أبوه كان رافض تمامًا يأجر لحد، وروحت أنا واكتشفت الجثة، واتقبض عليه.. وقتها سمعت صوت أمي بيرن في ودني بعتاب؛ الأنثى اتخلقت والحياء مزروع فيها حتى النخاع، أيوة هو مجرم قذر، بس مقدرتش أعذرها، لو كانت فضلت أنثى، أخفت زينتها وخفضت صوتها مكنش كل ده حصل، أيوة هو قاتل مجرم..
كلام أمي كله كان صح، مينفعش أسمح لذكر يفتتن بيا ولو بكلمة، بضحكة، بوعد، مينفعش أسمح لشخص يسمع صوتي العالي، يشوف زينتي إلا اللي يطلبني بالحلال، غير كدا فأنا لازم أخفي زينتي عن الكل، حتى عن يوسف اللي قطعت معاه علاقتي تمامًا.. استحضرني وقتها قول المولى عز وجل [وَقُل لِّلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أَبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا] سورة النور بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




