
واتحرك القلم على “لا” وبعدها “نعم”.. يعني مش شايفاني راجل وأنا مجرد نزوة، وقتها بصتلي باستغراب شديد وقالت: ـ أنا همشي.. وقبل ما تتحرك لقيت المربعات بيظهر فيها حروف غريبة، حروف بلون عامل زي الدم.. وبتظهر الكلمات دي؛ “لا رحيل قبل الاستقبال” وقتها البنت بدأت تخاف، جسمها اترعش، وجريت ناحية باب الشقة وفتحته، بس مفتحش، مفتحش إطلاقًا، كأنه اتحول لباب من الخرسانة المسلحة، اتكلمت برعب وقالت: ـ تعالى افتحلي الباب ده بدل ما أصرخ وأخلي الناس تسمع..
روحت ناحية الباب وحاولت معاه مقدرتش، مرة واتنين، وعشرة، ووسط القلق والتوتر ده سمعت صوت حركة في الأوضة اللي جوة، مسكت فيا من الرعب بس أنا حاولت أطمنها، ودخلت الأوضة وانا ماشي على أطراف صوابعي وقلبي بيدق بعنف شديد، ياسمين وقفت في الصالة تترعش وأنا دخلت الأوضة، وعلى الضوء الضعيف لمحت تمثال واقف، تمثال عادي خالص، معرفش أيه اللي جابه في شقة صاحبي، قربت منه وفضلت اتأمله، مفيش فيه أي حاجة تخوف، في اللحظة دي سمعت صوت جاي من الدولاب، بصيت بسرعة بس مشوفتش حاجة، رجعت بصيت للتمثال وشهقت..
مكنش تمثال، كانت واحدة ست شعرها منكوش ووشها أزرق أوي زي الأموات وعنيها قطعة من السواد، شهقت شهقة جديدة وفي لحظة اتقفل باب الأوضة وسمعت صوتها المُخيف بيقول: ـ مشتاقة لك.. وقتها وقبل ما أقع في غيبوبة من الفزع سمعت صوت صرخة ياسمين برة، صرختها أدتني دافع اتحرك، فتحت الباب بعد أربع محاولات وجريت، دورت عليها في كل مكان بس مكنتش موجودة، وفي لحظة سمعت صرختها جاية من الحمام، وقبل ما اتحرك للحمام لمحت ثعبان أسود داخل من تحت فتحة الباب، وزادت صرخات ياسمين أكتر وأكتر..
خبطت عليها مرة واتنين وعشرة بس مفتحتش، في اللحظة دي سمعت خبط على باب الشقة وصوت الجيران بينادوا ويسألوا مين اللي جوة ـ فضيحة، فضيحة ونزلت على راسي من فوق، فضيحة هتسمع باسمي في كل مكان، الشاب اللي أجر بنت في شقة صاحبه.. وقتها باب الحمام اتفتح وخرجت ياسمين تتنفض، وقفنا في الصالة نبص لباب الشقة برعب أكبر، خاصة لما الجيران بدأوا يحاولوا يكسروا الباب.. طاااااااااااخ ـ يارب، يارب استرني يارب.. طاااااااااااخ ـ يارب مش هعمل حاجة حرام تاني بس استرني..
طااااااااااااااااااااااااااااااااااخ واتكسر الباب و… ونور العمارة كله قطع.. سمعت صوت هرج ومرج وأقدام كتير دخلت جوة، بس المكان كان ظلام دامس، شدتها من إيديها وخرجنا وأحنا بنخبط في الناس، نزلنا على السلم اللي كان مليان ناس بس محدش لاحظ وجودنا ولا شافنا، وخرجنا، أيوة خرجنا بمعجزة غريبة، ومسافة ما نزلنا من العمارة النور رجع من تاني..
رجعت بيتي وأنا مش مصدق، جسمي بيتنفض، مش قادر استوعب كل اللي حصل في الساعتين اللي فاتوا دول، وفضلت سهران لحد الصبح مش قادر أتمالك أعصابي أو حتى أنام، لحد ما سمعت صوت أذان الفجر، وقتها وبدون مقدمات اتوضيت وروحت أصلي في الجامع، ودعيت إن ربنا يسامحني على الجر.يمة اللي كنت هعملها في حق نفسي.. ومن الصدف الأعجب إني قابلت أستاذ قديم كنت بحبه أوي، سلمت عليه وبعد عتاب ولوم وملاحظة توتري بدأت أحكيله كل التفاصيل، كل حاجة حكيتها، وكل اللي فاكره إنه قال بصوته الهادي الجميل:
ـ [وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ] سورة الحج ـ أحنا مبنعبدش ربنا يابني عشان ناخد وظيفة وزواج وحياة، أحنا بنعبد ربنا لأسباب أهم ألف مرة، والبلاء بيصيب المؤمن عادي جدًا، الحياة دايمًا صعبة وكلها صعوبات وابتلاءات، وشوف رغم إنك انقلبت وافتكرت إن الفساد هو الحل بس ربنا مسابكش لنفسك، ونجاك مرتين..
ـ مرة من جر.يمة الزنـ ـا اللي كنت هتقع فيها، ووقتها كان ضميرك هيعاقبك لحد ما تمو.ت والله أعلم كانت هتتغفرلك ولا لا، ومرة من الفضيحة لما النور قطع وخرجت من المكان كله من غير ما حد يشوفك.. ـ اللي زيك يابني ميزعلش من إنه انسان نقي وعنده ضمير، اللي زيك يفرح، يفرح أوي، يفرح إن الخصلة دي قادرة تدخله الجنة، لأن ربك قال حرم على النار كل هين لين قريب من الناس، اللي زيك يبقا فخور ويحمد ربنا ليل نهار إنه مش منافق ولا متلون، اللي زيك هيتعب في الدنيا اه، بس والله أجره عظيم عند ربنا..
ـ مشاكلك دي تافهة أوي والشيطان هو اللي كبرها في عينك، سبت الوظيفة أكيد ربنا شايلك حاجة أحسن ألف مرة، سبت البنت أكيد ده خير ليك وأنت متعرفش، متخانق مع أبوك مسيرك ترجعله وتضحكوا وتنسوا الخلاف، دار نشر رفضت روايتك جرب مع ألف غيرها، إنما الزنا هيفضل ذنبه يطاردك..
ـ النكثة بعد الطاعة ممكن توصلك للمو.ت قبل التوبة، أمسك يابني على دينك وصلاحك وعبادتك مهما حصل ومتتغيرش، متبقاش بتعبد ربنا على حرف وعايز الخير بس، أصبر وقوله يارب هصبر مهما عملت فيا، هصبر عشان بحبك، إنما تقع من أول ابتلاء يبقا أنت كدا ضعيف الإيمان ومتستحقش الفلاح، تروح تقرأ تعويذة تحضير ده هو الغباء الأكبر، وده كان السبب الأكيد في اللي حصل مش اللعبة خالص.. ـ ابن آدم ينتكث ويعصي، وربنا يستر ويعفو ويتوب، مش خجلان من نفسك يابن آدم وأنت كل مشكلة تهرب للمعاصي كدا، أجمد عشان ربك، أجمد عشان الجنة تستحق منك كل التعب ده..
[وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَىٰ حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ عَلَىٰ وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ ذَٰلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ] سورة الحج بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




