روايات

عمل سفلي للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

ـ يارب عالج ماما يارب.. رفعت كفي الصغير وأنا ببكي وفضلت أردد الجملة دي كتير أوي، فضلت أرددها يمكن لأكتر من ساعتين كاملين، ومن برة سامع صوت آهات أمي البشعة، المُخيفة، وبابا جمبها قاعد عاجز ودموعه على خده، بابا الراجل القوي اللي مفيش حاجة تقدر عليه في الدنيا قاعد جمب ماما بيبكي ومش عارف يساعدها.. وقتها ملقتش حل غير اللي ماما كانت دايمًا بتقول عليه ـ ربنا بيسمع كل كلامنا، أوعى في يوم تطلب من حد غيره، ولو وقعت في مشكلة كلمه هو وبس..

وأنا في مشكلة كبيرة أوي، ماما بقالها وقت طويل أوي عيانة، عيانة وبتقوم تصرخ بالليل من الوجع وبتفضل تبكي لحد الفجر، وحتى بابا بقا معاها كل يوم وبيروحوا للدكتور بس ماما مبتتعالجش.. وحتى لما روحت أطبطب عليها في مرة شوفت ورم مُخيف في رجليها وزرقان شكله غريب، وبدأت من يومها أخاف على ماما، وملقتش غير ربنا زي ما اتعلمت، ربنا اللي كان معايا وقت غياب بابا وماما.. وكنت كل ما أسمع عياطها وصراخها أرفع إيدي للسما وأقول:

ـ يارب أشفي ماما.. وزاد الموضوع أكتر وأكتر لما الورم حجمه زاد وبقا الوجع لا يُطاق، لدرجة إني كنت بسمع ماما بتقول: ـ يارب خدني أنا مش قادرة.. وكنت أنا في الأوضة بردد وراها ـ يارب عالجها وخليها عشاني يارب.. وفضلت أكرر الدعاء لحد ما نمت، وفي نص الليل صحيت وقررت أعمل اللي ماما قالتلي عليه قبل ما تتعب، أقوم أدعي ربنا قبل الفجر لأنه بيبقا قريب مننا أوي في الوقت ده..

بس قبل ما أصلي قولت أروح أبص عليها وأطمن، كان باب بيصلي في الأوضة التانية وهي نايمة في هدوء تام، قربت منها بشويش وبوست على إيديها وح.ضنت كف إيديها بكفي الصغير.. وقتها فتحت عنيها وبصتلي بابتسامة رقيقة، ابتسامة فكرتني بأيام زمان قبل ما تتعب وتبقا بالحال ده، ولقيت صوتها الحنون بيقول: ـ وحشتني يا مروان.. ضحكت أوي وقلتلها: ـ ماما أنتي خفيتي؟!

لقتها خدتني في ح.ضنها وضمتني أوي، كنت فرحان ومبسوط، حاسس إن كل حاجة أتحلت، بس في لحظة حسيت إنها بتضمني أوي، حاولت انبهها إني مش عارف اتنفس بس هي كانت بتضغط أكتر، حاولت أبعد عنها مقدرتش، وفي لحظة عضتني في كتفي بعنف، وقتها صرخت، صرخت بأعلى صوت.. في الوقت ده دخل بابا يجري وشدني من بين إيديها وأنا منهار من العياط وفضلت أقوله: ـ ماما كانت بتخنقني.. بصلها بصة حزن رهيبة وخدني للأوضة التانية وأنا سامع صوت ضحكاتها الغريبة، ح.ضني برفق وقالي:

ـ معلش يا مروان ماما تعبانة شوية.. ـ دي كانت بتخنقني!! ـ مش أنت راجل يا مروان؟؟ ـ أيوة أنا راجل.. ـ خلاص يبقا تستحمل لحد ما ماما تخف.. ابتسمت وقلتله: ـ هروح أصلي وأطلب من ربنا يعالجها.. ح.ضني بقوة ودموعة في عنيه وسابني، روحت اتوضيت وكملت دعاء لحد ما نعست ونمت، وصحيت تاني يوم قبل صلاة الجمعة اتوضيت وروحت أصلي مع بابا في الجامع، وعدينا على السوق اشترينا شوية حاجات ورجعنا، كل ده وأنا بدعي في سري إن ربنا يشفي ماما من تعبها..

رجعنا البيت وبدأنا نهزر ونضحك شوية، وفي الآخر بابا طلع البلكونة يعمل مكالمة وأنا فضلت في الصالة بتفرج على التلفزيون، ووسط اندماجي وسعادتي حسيت بصوت أنفاس ورايا، أنفاس ملتهبة وصوت خشن.. بصيت ورايا وأنا مخضوض لقيت ماما واقفة ورايا وبتبرقلي بشكل مُخيف أوي، بصيت على رجليها لقتها وارمة أكتر، اتكلمت بخوف وقلت: ـ ماما أنتي خفيتي؟! لقتها بتقرب عشان تح.ضني تاني، في الوقت ده خفت يتكرر اللي حصل، وناديت بابا، وأول ما جه وشاف ماما وشافته راحت واقعة على الأرض وجتلها حالة صرع رهيبة، زعق فيا وقالي أدخل الأوضة، دخلت الأوضة أجري وهو حاول يعالجها بس معرفش..

وفي الآخر قالي إنهم رايحين للمستشفى وطلب مني استنا لحد ما يرجعوا، وفضلت لحد صلاة العشاء وهما لسة مرجعوش، ومع طول الانتظار قررت أروح أصلي العشا واستناهم قدام الباب، وروحت صليت وقعدت قدام باب البيت أدعي ربنا إنه يعالجها.. ووسط دعواتي لقيت اتنين أصحابي جايين وبيطلبوا مني ألعب معاهم “خلاويص”، رفضت عشان بابا ميجيش فيلاقي البيت فاضي بس هما أصروا إني ألعب معاهم، وبما إننا في الأرياف والدنيا أمان فقررت نلعب قدام البيت بس.. في اللحظة دي لقيت تلاتة من كلاب الشارع بيقربوا مني، دخلت جبتلهم بواقي أكل من التلاجة زي مانا متعود وأكلتهم،. بعدها بدأنا نلعب

خلاويص.. خلاويص.. جريت أنا وصاحبي التاني نستخبى، روحت استخبى ورا عمود الكهربا بس صاحبي شدني عشان نستخبى في حتة أبعد شوية، وجرينا ورا البيت بتاعنا لحد كوم الزبالة اللي ورا البيت واستخبينا في الضلمة.. في الوقت ده شوفنا صاحبي من بعيد بيدور علينا، وبدأ صاحبي يتحرك بخفة عشان ميشفهوش، وبدأ صاحبي التاني يقرب لحد ما اتأكدت إني لو فضلت مكاني هيشوفني، ومكنش قدامي غير البيت المهجور اللي جمب كوم الزبالة، وبدون تفكير نطيت من على السور الصغير واستخبيت وراه..

وفضلت مكاني لحد ما سمعت صوت خطوات صاحبي بتقرب وبعدها بتبعد، ولسة هنط من على السور تاني بس اللي وقفني إني سمعت صوت زمجرة غريبة من ورايا، بصيت ورايا في الضلمة شوفت عيون بتلمع بلون أحمر دموي وبتبصلي بطريقة بشعة.. واتشل جسمي كله ومقدرتش اتحرك ولا أنطق بنص كلمة، وفضلت متجمد وأنا ببص للعيون دي وجسمي كله بيترعش من الرعب، ومن جوايا فضلت أدعي ربنا ينقذني من اللي أنا فيه.. وبدأت العيون تقرب مني أكتر وأكتر، في اللحظة دي كانت فيه فتحة في السور ودخل منها كلاب الشارع اللي بحطلهم الأكل، دخلوا وهما بيزمجروا وهجموا على الكيان ده..

وقتها استغليت الفرصة وخرجت أجري من الرعب، كنت حاسس إني همو.ت من الخوف، في اللحظة دي شوفت بابا قدام البيت بينادي عليا، اترميت في ح.ضنه وفضلت أعيط بهيستريا، واتجمع حوليا رجلين من الجيران وفضلوا يهدوا فيا مع بابا ويسألوني عن سبب عياطي ده.. حكتلهم بتشنج كل اللي حصل، فضلوا يقنعوني إن مفيش حاجة بس أنا كنت مُصر إن فيه عفريت في البيت القديم، ومع إصراري قرر بابا ياخدني مع الرجلين ونروح نشوف العفريت ده..

جابوا معاهم كشاف كبير وخدوني معاهم عشان أكسر حاجز الخوف جوايا، ودخلنا البيت مع بعض، وشاورتلهم على المكان، في اللحظة دي كانت كلاب الشارع بتشد جسم ميت من الأوضة القديمة في البيت.. كان كلب ميت، بابا بص ناحيته وبعدها بدأ يقرب منه وهو مستغرب جدًا، الكلب كان فمه متخيط بخيط غريب، الرجلين استعاذوا بالله من المنظر ولقيت بابا بيجيب ازازة حادة وبيقطع الخيط وبيفتح فم الكلب.. وآخر مشهد فاكره إنه طلع صورة ماما من فم الكلب اللي كان متخيط، وسمعته بيقول:

ـ صبرًا يا صاحب الصبر.. ……………… تاني يوم لقيت بابا شايل طبق فيه أكل وبيأكل ماما وهي قاعدة وبتضحك ووشها منور، سألته هي ماما خفت جاوبني وقالي أيوة خفت.. وقتها بس ح.ضنتني ح.ضن قوي، بس ح.ضن اشتياق مش ح.ضن مو.ت، وسمعت صوتها الرقيق من تاني، بصيت على رجليها لقيت الورم بقا صغير والزرقان بدأ يختفي تمامًا.. همست في ودنها وقلت: ـ كل لما بدعيله بحاجة مبيتأخرش عليا.. ـ أنت دعتلي يا حبيبي؟؟ ـ أيوة دعيت زي ما علمتيني، وعمري ما دعيت ومحققليش دعوتي..

وقتها أمي بكت كتير أوي، وسمعت صوتها في وداني بيقول: ـ أوعى في يوم تقع في مشكلة وتروح تدور على حل عند الناس، خليك دايمًا معاه ومش هيسيبك، ممكن يتأخر لحكمة بس استحالة هيخذلك، خليك معاه هتملك الدنيا وما عليها، أتعامل دايمًا بالفطرة اللي فطرك عليها ربنا مش بالغريزة اللي بتهلك الإنسان.. وقتها بصيت لماما بتعجب وقلت: ـ يعني أيه غريزة يا ماما؟! ـ دي حكاية حصلت لبنت خالتك إيمان.. ـ حصل أيه يا ماما؟؟

ـ لما تيجي هخليها تحكيلك يعني أيه فطرة ويعني أيه غريزة، خاصة إنها شافت الويل من فترة صغيرة.. [وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ] سورة البقرة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى