روايات

أموال مُحـ,ـرمة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

من صغري وأبويا كان دايمًا بيحاول يعلمني حاجتين وفضل على مدار سنين مبيعلمنيش غيرهم؛ تسع أعشار الربح في التجارة، واحفظ أموال الناس وإياك تلمس قرش حرام.. وفضل والدي يعلمني المبدأ ده في حياتي ويفهمني إن التجارة مربحة جدًا، بس التجارة مع الله مربحة أكتر، وأول حاجة عشان تتاجر مع الله إن فلوسك تكون حلال ومفيهاش أي شبهة حرام، خليك مظـ,ـلوم في جرام أو اتنين أو حتى كيلو، بس إياك تبخس حق حد في حاجة..

بدأت أشتغل مع أبويا وحبيت التجارة جدًا جدًا، خاصةً إننا كنا بنتاجر في الفاكهة، ومش أي فاكهة كمان، إحنا كنا بنتاجر في الفاكهة المستوردة والفاكهة رقم واحد في السوق، كنا بننزل على سوق العبور نشتري الفاكهة بعد الفجر مباشرةً وننزل نوزع على التجار ونكسب مكسب كويس جدًا، خاصةً إن والدي كان مشهور بالأمانة والكرم وده خلى سمعته زي الجنيه الدهب، وخلته دايمًا مطلوب عند كل التجار..

بس أبويا كان كرمه زايد، وكنت بتضايق منه، كل شوية كان بيجامل ويعدي حاجات كتير في الشغل وبيقلل من الربح بتاعنا، ولما كنت بعترض كان بيفهمني إن هي دي التجارة مع الله، الرضا ومحبة الناس وتقسيم الربح بينا بيخلي ربنا يبارك فيه، رغم إننا كنا محتكرين أصناف معينة وسهل نغلي عليهم، بس كان بيرضى بربح زهيد من كل قفص بننزله..

فضلت مش راضي على شغل أبويا ولا وضعه بس كملت معاه للأسف، لحد ما وصلت للعشرينات وبدأت أحس بانجذاب ناحية الجنـ,ـس الآخر، وحسيت نوعًا ما إني محتاج أتجوز، دورت في البنات وملقتش أحسن من بنت عمي سالم، بنت اسمها غادة وعندها ٢٠ سنة تقريبًا وجميلة جمال مُبالغ فيه، بس الغريب إني أول ما صارحت أبويا بالموضوع رفض رفض قاطع، وقالي إن النبتة دي فاسدة وأكيد هتجيب عيال فاسدة..

مكنتش فاهم ليه أبويا بيقول كدا على بنت أخوه، بس فهمت لما بدأ يحكيلي هو ليه ساب الشراكة مع أخوه وبقا بيتاجر لوحده، عشان عمي كانت تجارته فـ,ـاسدة، بيقبل الفلوس الحرام وبيغش التجار وبينقص في الميزان، وكان قابل يدخل على عياله فلوس حرام، ولما عارضته كان شايف إن ده حقه وإن دي شطارة منه، ولما قربت من عياله فترة عرفت إنهم شاربين السـ,ـم من أبوهم، الشباب برضه سمعتهم مشبـ,ـوهة في السوق، والبنات أسلوبهم مش حلو وآخر حاجة بيبصولها رضا ربنا..

مكنتش مقتنع بكلام أبويا خالص، بس مكنتش هقدر أعترض رغم إن غادة كانت أنثى بحق وحقيقي، وأنا ابن عمها وشايف إني أولى بيها من أي حد، بس عدت الأيام نوعًا ما، ويوم بعد يوم كنت بتعلق بيها أكتر، خاصةً إن البيوت كانت قريبة من بعض..

في الفترة دي بدأ أبويا يتعب وغصب عنه يهمل في الشغل، وبعد ما كشفنا عليه لقينا مشاكل في القلب ومحتاج عملية قلب مفتوح، حاول يأجل العملية كتير من خوفه منها بس حالته كانت بتسـ,ـوء كل شوية، وللأسف في النهاية اضطرينا نحجزه بالعافية، ودخل أبويا العـ,ـمليات، بس أبويا مرجعش تاني، أو بالأخص خرج منها جـ,ـثة هامدة، أبويا مـ,ـات، مـ,ـات فجأة بدون أي مقدمات..

الغريب إن عمي وقف معايا في مـ,ـوته وقفة كبيرة هو وعياله، لدرجة إني حسيت إن أبويا كان ظالمهم، وبعد ما عدت الأيام قررت أتقدم لبنت عمي، ورحبوا بيا ترحيب كبير وفعلًا اتجوزنا، خاصةً إنها كانت دايمًا في صفي مش في صف أخواتها، وشايفة إن الحلال أحسن وإن حاجات كتير بيعملوها مش عجباها.. في الوقت ده طلب عمي إننا نتشارك في الشغل ولما حسيت بالأمانة من ناحيته قررت إننا نتشارك، بس الغريب إن من أول يوم شغل وكأن لعنة نزلت علينا، نص التجار بعد مـ,ـوت أبويا رفضوا يتعاملوا معانا، والنص التاني بدأ يقل مع الأيام..

ابن عمي كان أسلوبه فظ، وعمي بدأت اتأكد إنه بيستنصح بزيادة وده خلاه مكروه في السوق، وأنا كنت وسطهم لا حول لي ولا قوة، وبدأ الشغل يقل، والأرباح تقل يوم بعد يوم، لدرجة إن الشغل بدأ يتحول لخسارة أكتر منه مكسب، وحسيت إنهم بياكلوا حقي وبزيادة كمان، لحد ما كل حاجة خربت تقريبًا في سنة واحدة، وبقت التكلفة عليا أكبر من الفلوس اللي بجبها، وكأن فيه لعنة فعلًا نزلت عليا..

مراتي وقتها كانت دايمًا بتتهم أهلها وشايفة إنهم غلط في غلط، وكانت شايفة إنهم سبب دمار شغلي وإني المفروض أطالب بحقي منهم، وفضلت الظروف تبقا صعبة معايا أكتر وأكتر لحد ما ربنا كرمني وجتلي سفرية برة، جت بالصدفة البحتة، وقررت فورًا أسيب التجارة وأقدم أوراق السفر وأسافر، دعيت ربنا كتير وفعلًا عرفت إني بعد أسابيع هسافر..

في الوقت ده عمي اتوفـ,ـى، ومن تالت يوم بدأت مناوشات من ولاده على الوِرث، مكنتش عارف تفاصيل بس مراتي كانت بتتحول وقتها، وبتقسم إنها هتاخد حقها وزيادة عشان تجيب حقي من أخواتها اللي ضيعوه في شراكة التجارة، وكلها أيام وعرفت إنهم نصبوا على أختهم الغلبانة وخدوا حقها، وجت مراتي بدون ذرة تأنيب ضمير تحكيلي، ومش بس كدا، دي قدرت تاخد من حقوق أخواتها الشباب تحت مناوشات وتهديدات غريبة..

وقتها بس حسيت بضـ,ـربة شديدة في دماغي، ولقيت صورة أبويا بتظهر قدامي، كان بيفكرني بوعوده وتربيته ليا، كان بينبه عليا من أكل أموال الناس، وإني مسكتش على حاجة زي دي، ولما مراتي شافت ترددي ثارت، كانت شايفة إن ده حقي، وإن أخواتها شـ,ـياطين وإنهم ظلمونا، حاولت أبص للجانب الإيجابي واعتبر إن ربنا رزقني بزوجة بتحبني وبتعمل أي حاجة عشاني، وعديت الموضوع في النهاية وسافرت..

وبدأت أشتغل بكل طاقتي عشان أقدر أجمع أكبر ثروة ممكنة في أقل وقت وأنزل بيها على بلدي، وكانت مراتي معايا أول بأول في كل حاجة، وخططنا إننا هنشتري شقتين ونأجرهم، وفعلًا بدأت أبعتلها مقدم أول شقة وهي كانت بألف راجل، وقفت واشترت وبدأت كمان تشوف المستأجر، كنت فرحان ومبسوط بيها أوي..

سنتين كاملين كملنا فيهم تمن الشقتين واشتريناهم وقررت أخيرًا إني آخر السنة هنزل خالص، بس جالي تليفون غريب أوي وقتها، تليفون بيقولي إن مراتي مـ,ـاتت مقتـ,ـولة في شقتها، نزلت من سفري وأنا هتجنن، واتصدمت بمراتي جـ,ـثة مدبـ,ـوحة والشرطة عندي وبيحققوا في مـ,ـوتها، انهرت، بكيت، واتهمت أخواتها وحكيت في النيابة موضوع الوِرث كله، كنت شاكك إنه حد من أخواتها اللي عمل كدا.. بس بعد تلت أيام النيابة استدعتني وابتسم ظابط المباحث وقال: ـ أنت شاكك في مين؟!

قولتله فورًا: ـ حد من أخواتها.. رد وقتها بابتسامة أكبر وقال: ـ أحنا خلاص اتأكدنا من اللي قتـ,ـلها.. رديت بلهفة وقلت: ـ مين؟! ـ أنت.. واجهوني بقـ,ـتل مراتي، ووقعت زي الهر الساذج في قبضتهم، جالي تليفون من شهور من محامي معرفة بيحذرني إن مراتي وثقت الشقق في الشهر العقاري باسمها هي، والسعر كان أقل من اللي بعته ليها بـ ٨٠ ألف جنيه كاملين، وقتها اتأكدت وعرفت إنها نبتة فـ,ـاسدة فعلًا وهتاكل حقي، خاصةً لما أخوها المتخـ,ـانق معاها بلغني إنها فعلًا بتخطط لكدا..

ضـ,ـربت جواز سفر باسم تاني ونزلت، وفي نص الليل هجـ,ـمت عليها وطعـ,ـنتها، وخلتها تتنازل عن عقود الشقق ليا، ودبـ,ـحتها، وروحت استخبيت في فندق قريب بحيث لما يكلموني أرجع عليهم وكأني كنت مسافر، بس ظابط المباحث كان ذكي، ولما عرف حكاية الشقق من أخوها شك فيا.. راجع أسماء اللي رجعوا من المطار يوم مانا ما رجعت ملقاش اسمي، راجع لشهر فات ملقاش اسمي، يبقا ازاي أنا جيت، شغلوا كاميرات المطار يوم الجـ,ـريمة وراجعوها، وظهرت في الصور، ومقدرتش أعمل حاجة غير إني أعترف، أعترف إني نزلت بجواز سفر مضـ,ـروب، واتحكم عليا بالإعـ,ـدام..

وقتها اتأكدت إن الحلال والصح هو النجاة في الدنيا وبس، أنا اللي رضيت بواحدة أكلت ورث اخواتها، واحدة شـ,ـيطانة، رضيت على غيري بالظـ,ـلم والخـ,ـراب فكانت نتيجة حياتي الخـ,ـراب، وشربت من نفس الكأس للأسف، وعرفت إن القرش الحرام بيدخل البيت يلعن كل أصحابه وبيهلك الحرث والنسل.. [وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ] سورة البقرة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى