
ظلام صحيت منه لظلام أكبر، ولما بدأت استوعب لقيت نفسي جوة مقبرة قديمة ومقفول عليا بابها الحديد، وأنا مرمي في الأرض ورجلي مش حاسس بيها ومش قادر إطلاقًا أقف عليها وأمشي ولو خطوة واحدة، الريحة هنا كانت بشعة، والتفكير هيقولك إن المكان ده أكيد اتحطت فيه جـ,ـثث تانية، خاصة لما إيدي لمست حاجات شبه العضم جمبي.. وقتها عرفت يعني أيه شعرك يشيب، يعني أيه المـ,ـوت ياكلك حتة حتة بكل هدوء واستفزاز، الرعب نفسه كان كفيل يعيشك أسوأ كابوس في عمرك، والألم كان بينهش فيا، والتفكير كان بيدبـ,ـحني، وقتها ووسط الهول ده افتكرتها، الجملة اللي كانت بتقولها أمي كتير
ـ الصلاة أمان وقت الخوف، ونجاة وقت المـ,ـوت والحساب.. ولأول مرة أعرف أمي أد أيه كانت صادقة، أنا لو هنا وفي المكان ده ومظـ,ـلوم مكنتش هبقا في الحال ده، كنت على الأقل هكون مطمن ولو شوية، إنما أنا من رعب وعذاب رايح لنار، نارة الآخرة، أنا اللي تقريبًا مسجدتش مرة في عمري كله..
وقتها عرفت يعني أيه نور الصلاة، يعني أيه طمأنينة القلب، ويعني أيه النجاة في الركوع والسجود، الألم عمال يزيد والرعب بيكبر، أنفاسي بتضيق وقلبي هيقف من الفزع، خاصة لما بدأت أحس إن فيه أيادي بتتحسس جسمي جوة القـ,ـبر، والهمسات اللي بدأت تصيح في ودني بكلمات مُفزعة، كلمات خلت جلدي ينكمش وقلبي يتنفض ألف ألف مرة.. لو قعدت أحكي يوم كامل مش هقدر أحكيلك كم الفزع اللي حسيت بيه، أنا جمب جـ,ـثث كتير، مدفـ,ـون جوة قـ,ـبر قديم، ومصاب إصابة خطيرة، وفي محاولة أخيرة وأنا ببكي زي العيل الصغير بدأت أردد وأقول:
يا رب.. يا رب.. مكنتش قادر أصرخ، أقف وأخبط على باب القبر، بس من جوايا كنت قادر أناجيه، وأمي كانت بتقولي إنه هيسمع، وهو سامعني دلوقتي، فضلت أقول يارب لمدة ٢٤ ساعة كاملين، أقولهم وأنا عايش كابوس قـ,ـاتل، كابوس أسوأ من أي كابوس ممكن تتخيله..
وزي الحلم الغريب الغير مفهوم سمعت وقتها صوت كلام وحركة برة القبـ,ـر، وفضلت أبكي وأنادي ببقايا صوت إن حد ينجدني، وفعلًا جت النجدة، اتفتح الباب وخرجوني، واللي عملوها اتنين بتوع مُخـ ـدرات، وخرجت أزحف بعد ما سابوني في المـ,ـقابر، ولاد الحلال خدوني للمستشفى، وخرجت بعد أسبوع متحطم، عندي إعاقة في رجلي وهزيل وشكلي عامل زي المجانين..
بس كانت فرصة معتقدش الكل بياخدها، فرصة للنجاة من جـ,ـحيم الأخرة، ومن يومها الصلاة بقت زي القدر، مفيش أي مجال للتفكير إني أخرها أو معملهاش، وفضلت على الحال ده ١٥ سنة مسبتش صلاة واحدة في المسجد، لحد ما صليت الفجر انهاردة وركبت القطر، وفي لحظة اتقلب القطر، وسمعت الصراخ، وضاقت علينا العربية زي القـ,ـبر، وجمبي شوفت شاب بينزف وبيمـ,ـوت، ورجعلي نفس المشهد من عشرين سنة..
كان القطر قبر جديد واتحبست فيه، بس محستش وقتها بذرة ألم أو خوف، مهو انتظاري إما نجاة، أو مـ,ـوت، ومفيش مـ,ـوتة أحسن من إنك تكون مصلي قبلها الفجر حاضر، كمية أمان وقتها بيحاوطك كأنك ولي من أولياءه الصالحين، مبتخافش من المـ,ـوت، بل بتتمناه، عكس كل الناس اللي الرعب بيكون بينهش فيهم زي السـ,ـرطان، انهاردة بس يابني بقيت على يقين بكلمة أمي ـ الصلاة أمان وقت الخوف، ونجاة وقت المـ,ـوت والحساب..
واسأل أي حد اتعرض للمـ,ـوت، هتلاقيه مرعوب لو مكنش بيصلي، وهتلاقيه لو منتظم في صلاته أكثر ثباتًا وطمأنينة، حتى اللي داخل العمليات، اللي بيصلي مبيخفش، متسبش الصلاة يابني لو بتنـ,ـزف وبتمـ,ـوت.. سبته في النهاية وأنا مش قادر أسيطر على دموعي وفي بالي فكرة واحدة، سبحان من خلى العِبرة لشخص زي ده في تجربة مرعبة وقاسية زي الدفـ,ـن حي، وخلى العبرة ليا في مجرد قصة، من غير اختبار ولا أي دروس، ولسة معايا الفرصة، معايا أنا وكل شخص هتوصله القصة دي، حافظ على صلاتك لأنك من غيرها خسران دنيا وأخرة، من غيرها خايف، قلقان، وفي النهاية هتكون من الخاسرين..
قال رسول الله ﷺ (إنَّ أوَّلَ ما افتَرضَ اللَّهُ على النَّاسِ من دينِهِمُ الصَّلاةُ، وآخرَ ما يبقى الصَّلاةُ، وأوَّلَ ما يحاسبُ بِهِ الصَّلاةُ، ويقولُ اللَّهُ انظُروا في صلاةِ عبدي؛ فإن كانت تامَّةً كُتِبت تامَّةً، وإن كانت ناقصةً يقولُ: انظُروا هل لعبدي تطوُّعٍ؟ فإن وُجِدَ لَهُ تطوُّعٌ تمَّتِ الفريضةُ منَ التَّطوُّعِ، ثمَّ قالَ: انظُروا هل زَكاتُهُ تامَّةٌ؟ فإن كانت تامَّةً كُتِبت تامَّةً، وإن كانت ناقِصةً قالَ: انظروا هل لَهُ صدقةٌ؟ فإن كانت لَهُ صدقة تمَّت له زَكاتُهُ) الترغيب والترهيب
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




