
فيه ست عجوزة ومسكينة ساكنة فوق مننا في العمارة اللي أحنا فيها، محدش مننا يعرف لها أصل ولا فصل غير إنها كانت محبوبة من كل الناس تقريبًا، ومن وقت للتاني كانت الستات القريبة منها بيجهزوا أكل وبيعتوه من باب المحبة وإنها ست كبيرة مفيش حد بيصرف عليها، وكانت بتدعي لأي ست تبعتلها أكل..
وسبحان الله مفيش واحدة ست كانت تبعت إلا والخير يزيد عندها، ولما انتشر الكلام ده بقا كل الستات بيتسابقوا إنهم يبروها ويبعتولها أكل، وحتى رجالة المنطقة كانوا بيعتبروها أمهم، ويوم ما حصلت مشكلة معاها وعيل قالها كلمة مش كويسة الشارع كله اتقلب وكانوا هيمـ,ـوتوه، ست ربنا سخـ,ـر لها كل الناس تخدمها.
وأنا كنت بعمل زي كل الستات وكنت بساعدها من وقت للتاني طول ما هي في حالها ومفيش منها أي أذى، لحد ما جالها طفل، وقالت إن ده حفيدها وهيعيش معاها، الناس عطفوا عليه وأكرموه زي ما بيكرموا جدته، بس اللي مكنتش أعرفه إنه هيكون شـ,ـيطان من الشـ,ـياطين، من أول ليلة بقا يجري في شقة جدته وكأن فيه حصان سبق في الشقة اللي فوقي، لدرجة إني كنت بحس إن السقف هيقع عليا من كتر الجري اللي بيجريه، عديت أول ليلة وقولت يمكن لسة عشان مش متعود على المكان والدنيا هتبقا أحسن..
بس للأسف الوضع بقا من سيء لأسوأ، وبقا عامل الشقة فوق ملعب كرة قدم، طلعت لجدته (حُسنية) وقولتلها، اعتذرتلي على أد فهمها البسيط وقالت إنها هتحاول تسكته، بس ست كبيرة واستحالة تعرف تسكته، واستمر الوضع لحد ما كرهت حياتي كلها، ولما اشتكيت لجوزي قالي اتحملها لأنها ست كبيرة وكان سلبي لأبعد مدى، ولما اتخانقت معاه جاب الغلط عليا وقال إني شيطانة وعاوزاه يأذي ست كبيرة وهو مش هيعمل كدا ولو عايزة أمشي على بيت أهلي هيمشيني..
كل ده زود جوايا الكُره ناحيتها، وبقيت بستنا الوقت اللي بيجري فيه عشان أسخن جوزي يطلع يعمـ,ـل أي حاجة ويحل المشكلة دي، لحد ما جه يوم ومقدرتش أتحمل أكتر من كدا، وطلعت وأنا ناوية أفرج عليهم المنطقة كلها، طلعت كلمتها بحِدة وزعقت وشتمت على الطفل الصغير، الناس بدأت تخرج وتهدي الدنيا، ولقتها وسط الناس بتقول جملة غريبة أوي: ـ استحمليه يا بنتي ربنا يطعمك من ثمار الجنة..
بس أنا متأثرتش، مش عايزة ثمار الجنة أنا عايزة أنام طبيعي بدون إزعاج، وعدت المشكة لما جوزي طلع وضـ,ـربني قدام الناس بالقلم عشان بشتم ست كبيرة وغلبانة، اتضـ,ـربت من هنا ونزلت وأنا عنيا عاملة زي عيون الشـ,ـيطان، مولعة بالنـ,ـار والحقد، وقررت أنتقم مِنها بكل الطُرق المُمكنة، بقيت برمي بواقي السمك والفراخ قدام شقتها، كنت بخلي ابني الصغير يطلع يرن الجرس وينزل بسرعة في اليوم فوق العشرين مرة، ومع ذلك كانت تطلع تنضف قدام الشقة على أد صحتها وتسكت، ولا كانت بتنطق بحرف واحد..
واستمر الحال، واستمر الأذى ليا من الخبط على سقف الشقة، لحد ما جوزي لمحني في مرة وأنا طالعة بتسحب ببواقي السمك وشافني برميه قدام شقتها، وكانت أول مرة اضـ,ـرب علقة مـ,ـوت في حياتي، وحلف عليا بالطلاق لو عملت كدا ما هقعد على ذمته يوم واحد، وفضلت أفكر وأفكر، لحد ما لقيت الحل الأخير، الواد حفيدها كان بينزل يلعب في الشارع بالنهار، وابني الصغير أكبر مِنه بتلت سنين..
خدت ابني ووعدته إني هجبله عجلة لو كـ,ـسر رجل حفيد (حُسنية)، ينزل بالكورة ويلعبوا، ويخليه يلعب معاهم ويكسرها بأي طريقة، ويتجبس ولو شهر وارتاح منه شوية، وفضلت أحفز في ابني لحد ما الواد شرب السـ,ـم كله، ونزل يلعب وكلها ساعة وسمعت عياط وصريخ، وطلعت مع الناس لقينا حفيدها مكسور، مفصل الركبة كله متدمـ,ـر، وقتها ابتسمت غصب عني، وعرفت إني خلاص هنام الليل..
الناس راحوا بيه المستشفى وعرفت إنه عمل عملية في مفصل الركبة ورجع لجدته بعد يومين متجبس، ونمت، بس الغريب إني صحيت على صوت بكاء على السلم وكان عالي أوي، صحيت أنا وجوزي وخرجنا لقينا حُسنية بتعيط على السلم بقهرة شديدة، جوزي قرب مِنها عشان يعرف السبب قالتله إن حفيدها عمال ينوح من الألم جوة وهي مش قادرة تساعده، جوزي دخل معاها الشقة لقى الواد بيتألم ألم غير طبيعي، راح الصيدلية جابله حقنة مسكنة عشان يعرف ينام..
بس الألـ,ـم كان بيزيد على الطفل يوم بعد يوم، وحُسنية بقت قاعدة على السلم تبكي ٢٤ ساعة على حفيدها وتدعي ربنا ينجيه، لحد ما في يوم سمعت هرج ومرج شديد، خرجنا لقينا حفيدها رامي نفسه من البلكونة، وحُسنية واقعة في الأرض بتترعش جمبه..
عرفت إن الولد عنده كهربا زايدة في المخ ومتأخر عقليًا، وده سبب إنه كان بيجري طول الليل في الشقة، ولما اتجبس مقدرش يتحمل وفي حالة الكهربا اللي بتجيله وقع من البلكونة رغم إنه متجبس وقعيد، وعرفت كمان إن أمه مـ,ـاتت وأبوه رماه لما زهق منه عشان كدا جه لجدته، حسيت من جوايا بالذنب بس قولت ده نصيب في الأول وفي الآخر.. واعتزلت حُسنية في بيتها حتى مبقتش تخرج للناس تاخد منهم أكل أو مية، وبعد كام يوم بدأت تظهر أمور غريبة على ابني، بقا بيقعد في أوضته على طول ومبيخرجش، رغم إني كنت بجيبه من الشارع بالعافية، ولما سألته قالي:
ـ يوسف بيقولي لو نزلت ألعب هيكسر رجلي زي ما كسرت رجله.. جسمي كله مسكته قشعريرة لما سمعت اسم (يوسف) حفيد حُسنية، قولتله إن ده مجرد وهم لأن يوسف مـ,ـات أصلًا، لقيته قال جملة خلت جسمي كله يتكهرب ـ أمال مين اللي بيقف يبص عليكي وأنتي نايمة طول الليل..
الجملة رعبتني بطريقة تفوق الوصف، وحاولت أقول إنه مجرد خيال طفل لا أكثر ولا أقل، بس مكنش خيال طفل خالص، لأن مِن نفس الليلة بدأت أسمع صوت الجري والخبط، بس المرة دي في صالة شقتي أنا، وجوزي ولأن نومه تقيل مكنش بيحس بأي حاجة، تلت ليالي مدوقتش فيهم النوم من الرعب، لحد ما جت جارتي اللي تحت مني واشتكت إن ابني بيجري طول الليل في الصالة وبيدب عليها، بس الحقيقة إن ابني بيكون نايم طول الليل أصلًا..
لحد ما صحيت في ليلة بطني بتتقـ,ـطع من الوجـ,ـع، دخلت الحمام وبطني بدأت تهدى نوعًا ما، بس وأنا قاعدة لقيت الباب بيتفتح عليا، وجسمي بقا عامل زي المشـ,ـلول، وقدام عنيا بقيت شايفة الصالة كلها مكشوفة، ولمحت في الضلمة طفل رجليه متجبسة ومع ذلك بيجري زي الحصان في الشقة وبسرعة غير طبيعية، وعمال يخبط في الحيطان والدـ,ـم بينـ,ـزف من راسه ومناخيره، حاولت أصرخ مفيش صوت، أقوم من مكاني مقدرتش.. فقدت السيطرة على كل حاجة في جسمي، ولقيته جري بسرعة رهيبة ونط مِن شباك الصالة، قمت بسرعة أول ما قدرت وجريت على أوضتي، بس وأنا داخلة لمحت جملة مكتوبة بالدـ,ـم على الحيطة
ـ والبادي أظلم.. وعرفت إني وقعت نفسي في مصيبة مش هعرف أخرج منها أبدًا، فكرت أطلع لحُسنية أصارحها عشان تسامحني، دخلت شقتها واستغربت إن بابها مفتوح، لقتها ميتة على كرسي الصالة وجسمها متخشب وكأنها مـ,ـاتت من وقت طويل، فضلت أصرخ من الرعب اللي مسكني وقبل ما أتحرك لقيت حاجة بتضـ,ـربني ضـ,ـربة عـ,ـنيفة لدرجة إني وقعت مِن شباك شقتها..
جسمي اترزع في الأرض وحسيت إن كل عضمة في جسمي اتكـ,ـسرت تمامًا، مش عارفة أتنفس، ولا أشوف، الدنيا سودة، وكل اللي بيخرج مني صوت غريب زي الشهقات اللي بتطلع مع خروج الروح، عملت ١٦ عملية وفضلت ٦ شهور في المستشفى، ومع كل عملية كنت بتشاهد، لحد ما جالي اليقين إني مش هكمل بعد العذاب ده كله، صارحت جوزي بكل حاجة وطلبت مِنه يتصدق عني و (ظلام) ………………
مـ,ـاتت مراتي في العملية رقم ١٨، مـ,ـاتت بعد ما اكتشفت إني كنت متجوز إنسانة معدومة الرحمة، مـ,ـاتت وأنا مش قادر أنزل عليها دمعة واحدة، أوقات بنتحط في اختبار وبلاء صعب، الاختبار ده بيكون إنك بتتأذي من شخص بس هو مش قاصد وغصب عنه، وبيكون الحل إنك تتحمل كِأنه بلاء، لأن أي رد فعل منك هيأذي الشخص ده وهو مظلوم ومش قاصد يأذيك..
زوجك مريض وتعبتي اتحملي لوجه الله وليكي الأجر والفرج، مراتك مريضة اتحملها لوجه الله، حد أذاك بدون ما يقصد أو عن جهل اتحمل ومتردش الأذى، واعتبره بلاء من رب العالمين، إنما ترد الأذى وقتها هتكون فشلت في اختبارك، والنهاية مش هترضيك نهائيًا.. [وَلَمَن صَبَرَ وَغَفَرَ إِنَّ ذَٰلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ] سورة الشورى بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




