
فيه موقف واحد كفيل إنه يخليك عايش زي المخبول طول حياتك، موقف ممكن يدمر كل حاجة جواك ويخليك تجري عشان تتعالج من كمية أمراض نفسية ممكن تاكل في روحك وعقلك وقلبك.. وأنا مريت بموقف من المواقف دي، وفضلت سنين من عمري بتعالج نفسيًا، وطرقت كل أبواب الدكاترة النفسيين، لحد ما قرر كيان رهيب يتدخل في حياتي ويعالجني بنفسه.. يومها كنت راجع من الجامعة بالليل، واليوم اللي برجع فيه بعد العصر وبنزل على مدخل بلدنا بيبقا صعب أوي ألاقي حاجة تدخلني لجوا، وبضطر اتمشاها من الأراضي الزراعية لحد ما أوصل لجوا البلد..
وكالعادة وقفت على مدخل البلد ومفيش أي حاجة بتقف، كلها عربيات ضخمة رايحة للمحاجر عشان تنقل حجارة، وحتى لو ركبت معاهم فهضطر اتمشى برضه، عشان كدا روحت داخل في قلب الغيط اللي قدامي عشان أنجز في المشوار، ومش عارف ليه وقتها بدأت أفتكر تفاصيل حياتي.. حياتي اللي كلها بتقف عند اليوم اياه، وبالأخص عند الصرخة ونظرة العين، الصرخة اللي بتطاردني في حياتي لحد انهاردة، وللأسف مفيش ولا دكتور عرف يعالجني منها، ده غير الكوابيس اللي مش قادر أتخلص منها لحد انهاردة، كله بسبب نظرة العين والصرخة..
في اللحظة دي شوفت آثا.ر أقدام في الأرض اللي قدامي واللي كانت مسقية من قريب فسهل أوي الآثار تظهر في طين الأرض، بس الغريب إن الآثار دي كانت دموية، وكأن الشخص اللي مشي من هنا كانت رجليه بتنز.ف د.م.. جسمي بدأ يترعش وشكلي هدخل في نوبة جديدة، وبدأت بسرعة افتكر كلام الدكتور، إن دا مش حقيقي ولازم اتفادى الأوهام ومصدقش اللي بسمعه وأشوفه، بس ازاي هكدب عنيا اللي شايفة دا..
بصيت ورايا هناك عند الكوبري واترعشت أكتر، أنا أيه اللي جابني هنا، أنا غبي، غبييييي، بدأت بدون وعي مني أمشي ورا آثار الأقدام عشان أبعد عن الكوبري وأعدي من الكوبري اللي بعده، وبدأت أغرز في الطين وبنطلوني يتلون باللون الأسود، بس مكنتش دي مشكلتي، أنا خايف أقع في نوبة، والمكان هنا مش هيساعدني إطلاقًا.. كملت مشي ورجلي عمالة تغرز أكتر، المشي بقا صعب جدًا وأنا عمال أنهج وجسمي يترعش أكتر وأكتر، في النهاية شوفت راجل على أول الأرض مديني ضهره ومكمل مشي..
واكتشفت إن هو صاحب الآثار دي، بصيت لرجليه لقيته حافي وبيسيب آثار فيها دم، في الوقت ده هديت شوية لما بعدت عن الكوبري إياه، وحسيت بالفضول عشان أشوف الراجل ده رايح فين.. كملت مشي وراه لحد ما لقيته داخل في قلب المقابر، المقابر القديمة اللي جمب الساقية واللي بقالها زمن محدش دفن فيها بعد ما خصصوا حتة تانية للدفن، حاولت أرجع مكملش بس مقدرتش..
في الوقت ده الشمس كانت بتميل ناحية الغروب، والمقابر كانت قديمة، متهالكة جدًا، تحس إنها هتنهار مع أول لمسة، كل ده والراجل كان مكمل مشي مبيقفش، راقبته واحدة واحدة لحد ما في لحظة اختفى من قدام عنيا وبالأخص قدام المقبرة اللي هناك دي.. مسكتني برودة عجيبة وحسيت إني هقع مكاني، هو أنا وصلت للمرحلة دي من الجنون، انا بقيت أشوف الحاجة وتختفي بالسهولة دي، قربت من المقبرة اللي اختفى عندها الراجل ولقيت اسم مكتوب “محمد محمود أبو جبل”
فضلت باصص للاسم اللي قرأته بصعوبة على الجدار المتهالك وبعدها في لحظة لقيته واقف ورايا، نفس الراجل، بس عنيه كانت بيضا أوي، شهقت من الفزع ورجعت لورا وأنا باصص له وقلبي هيطلع من مكانه، فضل واقف يبصلي ببياض عنيه بكل ثبات.. قلبي كان هيقف وجسمي كان بيتنفض ولساني مشلول، لحظات بس وبدأ دم ينزل من رقبته، وكأن فيه جرح بيظهر واحدة واحدة، وبدأ الجرح يزيد ويكبر أكتر وأكتر لحد ما وقعت الراس من مكانها..
في اللحظة دي بس قدرت أصرخ وأجري من المكان كله، كنت في حالة رهيبة من الفزع، وقعت في الأرض الطينية وجسمي كله اتوسخ بالطين، لدرجة إني زحفت في قلب الطين عشان أخرج منه، وبعد دقايق خرجت من الأرض.. و ولقيت نفسي عند نفس الكوبري اللي كنت دايمًا بتحاشاه، وفجأة سمعت صوت صراخ، واحد بيجري وبيصرخ ومن وراه واحد ماسك خنـ ـجر وبيجري وراه، في اللحظة دي كان بيعدي الكوبري ولحقه اللي ماسك الخنجر..
وبكل غضب الدنيا دبـ ـحه قدام عنيا، دبـ ـحه وفصل راسه عن جسمه، كل ده والجسم عمال يتنفض ويتنفض، وكان هناك، طفل شايل شنطة على ضهره وواقف مذهول قدام الكوبري بيبص للقتيل.. عنين الطفل كانت باصة لعنين الراجل وهو بيتـ ـد.بح ويصر.خ، وجري الطفل واستخبى تحت الكوبري، جسمه اتلطخ بالطين وجسمه اتنفض مرة واتنين، واختفى المشهد كله.. ووقعت أنا في الأرض، وغصب عني رجعت أفتكر من تاني، أفتكر الموقف اللي دمر حياتي كلها وخلاني مريض نفسي لحد انهاردة بشوف هلاوس وكوابيس..
يومها هربنا من المدرسة وروحنا ناحية شجرة التوت عشان ناكل توت، كان عندي ١٠ سنين، خدت شنطتي على كتفي وروحنا ناحية الشجرة، وعلى الكوبري ده شوفت كل اللي حصل، واحد بيجري ورا واحد تاني، أصحابي كلهم خافوا وهربوا، أنا الوحيد اللي شوفت كل حاجة.. شوفت واحد بيـ ـد.بح واحد وبيفصل راسه عن جسمه، شوفت القتـ ـيل وهو بيبصلي وبيصرخ وبيتنفض، سمعت صرخته وحشرجة صوته وقت المو.ت، نظرات عنيه لسة فاكرها وشايفها لحد انهاردة..
وقفت على الكوبري أبكي غصب عني، ياما حاولت أهرب من الذكرى دي مقدرتش، في اللحظة دي شوفته من تاني، نفس الراجل اللي شوفته في المقابر، كان واقف بعنيه البيضا قدام الكوبري الناحية التانية، وشوفته بيشاور على الكوبري، وقتها بس اكتشفت الكارثة.. هو ده الراجل اللي شوفته بيدبـ ـح من ١٠ سنين هنا، هو نفسه اللي قابلته في المقابر من شوية، هو أنا اتجننت ولا هو فعلًا جايلي بعد ١٠ سنين يخوفني..
طيب كنت هدافع عنه ازاي من الأساس، لقيته بيقرب مني وبيطلع صوت زي صوت حشرجة الروح، مقدرتش استنا لحظة زيادة وجريت زي المجنون ناحية البيت، كان وقتها الليل نزل وعرفت أروح من غير ماحد يشوفني متبهدل بالطين كدا.. دخلت بيتنا وعلى أوضتي فورًا، استحميت وغيرت هدومي واستنيت والدي، وبعد ساعة كنت قاعد معاه وحاولت استدرجه بالكلام..




