روايات

أرض الأمو.ات للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

مكنتش اتخيل في حياتي إن تحالف الشيطان مع الإنسان ممكن يهلك الحرث والنسل، ممكن يعيث في الأرض الفساد، كنت فاكر إن الدنيا مش مُعقدة للدرجة دي، بس القدر كان له رأي تاني، لأني بعد أيام بس هشوف الشيطان شخصيًا، بس خلينا نحكي من البداية، وسامحوني لأني لسة تعبان من ليلتها، بس خلونا نرجع لأول الأسبوع لما صحيت يوم السبت بعد الضهر لقيت أمي قاعدة على الكنبة ونظراتها النارية متوجهة ناحيتي..

وصلة جديدة من التوبيخ واللوم والعِتاب، وبصراحة الست عندها حق، مهو لما أبقا شاب عندي ٢٨ سنة ولسة مش لاقي شغل وبنام لحد العصر يبقا كدا فيه حاجة غلط، وفي قاموس أمي دي كارثة كبيرة، لأني في خيالها أنا شاب متجوز ومخلف وبشتغل ومعايا فلوس كتير، لكن الواقع بيقول غير كدا، الواقع بيقول إن أختي هناء اللي بتشتغل وبتجيب فلوس وأنا لا.. وبدأت وصلة التوبيخ أول ما شافتني: ـ عملت أيه في الشغل اللي قدمت فيه امبارح؟؟

بصتلها وأنا بنفخ وقولت: ـ وهي الشركة ميتة عليا عشان تقبلني بعد يوم من تقديمي.. ـ يابني أنا مش هعيشلك العمر كله، اسعى واتعب شوية الحياة عايزة راجل يعض فيها.. ـ حاضر يا أمي هعض فيها لحد ما أعملها ساعة في إيديها.. مكملتش الكلمة لأن شبشب أمي الوقور كان بيصفق على وشي، دكتورة في الرماية أمي برضه، خدت الضربة وضحكت ودخلت على الحمام، وأمي برة ماسكة في تليفونها بتتوشوش كالعادة، ومسافة ما خرجت لقيتها بصالي بنظرات حادة أوي، نظرات بتقول إن اللي هتقوله مينفعش يترفض:

ـ خير يا ست الكل؟؟ ـ أنا كلمت مرات عمك وهخليها تكلم عمك محروس تروح تشتغل معاه.. ـ أنتي في وعيك يا حاجة ولا كبرتي وعقلك طار.. وطبعًا فردة الشبشب سلمت على خدي التاني وهي بتقول: ـ أنا عرفت إنه كان هيشغل حد معاه يتعين في الحراسة.. ـ ياما حراسة أيه، ده تُربي، بيد.فن أمو.ات ويحرس المق.ابر بالليل.. ـ مق.ابر مق.ابر أنت أولى من الغريب، والمُرتب مش وحش، روح معاه لحد ما الشركة تبعتلك.. ـ ياما أنتي مستوعبة أنتي بتقولي أيه!!

لقيتها ثارت ثورة غريبة وكانت على وشك البكاء، وعرفت إني مينفعش أرفض، خاصة إنها خلصت كلامها بجملة: ـ هغضب عليك لو مرحتش تشتغل معاه.. بوست على راسها وقولتلها: ـ حاضر هكلمه.. ـ لا، تكلمه ولازم يوافق.. ـ حاضر يا أمي حاااااضر..

بعد صلاة المغرب طلعت على بيت عمي قبل نزوله الشغل وكلمته على الشغل، الغريب إنه رفض رفض قاطع كأني طلبت منه حاجة حرام مثلًا، لدرجة إني اتصدمت من رد فعله الغريب ده، رغم إني عارف إنه مُطالب يعين شاب معاه لأنه عدى الستين من عمره، كرامتي وجعتني من رد فعله بس افتكرت أمي اللي خلاص تعبت من قعدتي في البيت..

قررت أحاول أقنعه بأي طريقة، خاصة لما لعبت على وتر إني لازم أجهز نفسي عشان أقدر اخد بنت عمي، طبعًا هو سمع الكلمة دي واتغيرت معاملته تمامًا، هيمو.ت ويجوزني بنته وأنا رافض، بس مفيش مانع استغل الكارت ده عشان يوافق مؤقتًا، حاجة مش كويسة أنا عارف والله بس أنا خلاص جبت أخري.. وبعد نقاش طويل أخيرًا وافق، وقالي إنه هيبعت اسمي لشيخ الغفر عشان اتعين في الوحدة المحلية المسؤولة عن التعيين في الحراسة، ومن بكرة هروح معاه الشغل وبالمرة هو يرتاح شوية، وتاني يوم جهزت حالي وعلى بعد المغرب طلعت على المق.ابر بعد ما بصيت في عيون أمي وأنا حزين..

كانت فخورة بيا وأنا يادوب رايح اشتغل وسط الأمو.ات، ست طيبة وغلبانة ونفسها تشوفني ناجح وواقف على رجلي، يالا أهو الشغل مش عيب، مشيت في البلد اللي قفلت أبوابها كأن فيه وحوش بتطلع بالليل تاكل اللي بيخرج من بيته، ياما كرهت بلدي بسبب العادة الغريبة دي..

من بعد صلاة العشاء تقريبًا بتحس إن مفيش كائن حي عايش في المكان، الجو كان برد شديد وأنا ملفوف في الطاقية والكوفية بتاعتي ورايح ناحية مقا.بر البلد، عمي كانت له أوضة صغيرة على مدخل المقاب.ر، خبطت عليه ودخلت قعدت معاه، بس الغريب إنه مكنش عمي اللي أنا أعرفه، تحس إنه في الشغل كائن تاني، كائن مُخيف، كائن ميت بيمشي على رجليه بوجهه النحيل وعنيه الطافية من بريق الحياة.. شربنا الشاي مع بعض وبدأ يكلمني عن أصول الشغلانة بعُمق غريب، كأنه بيكلمني عن أصل الحياة نفسها، بص ناحية المقا.بر من الشباك وقال:

ـ أول وأهم سِر لازم تعرفه عن أرض الأمو.ات إن أي حاجة تشوفها هنا تتجاهلها ومتحكيش عنها أبدًا مهما كانت، وإلا فأنت هتبقا ميت مع الأمو.ات دول.. كلامه كان مُخيف، غريب، خاصة إنه كان بيتكلم بطريقة غريبة، كأنه إنسان آلي مش بشر، وافقت على كلامه وبعد دردشة قصيرة لقيته طلب ينام شوية، وحذرني مرة تانية من إني اتكلم لو شوفت أي حاجة.. وبعد ساعتين كان شخير عمي تقريبًا مسبب إزعاج لكل الأموا.ت اللي في المكان، صوت شخيره كان مُزعج أوي، لدرجة إني خرجت من الأوضة رغم البرد اللي في المكان، ووقفت اتأمل المكان غصب عني..

مقا.بر ضخمة منظرها بيبث جواك رهبة غريبة، مباني عاملة زي الأوض صامتة تمامًا، كأنها أطلال لمدينة نزل عليها العذاب، بتحس إن كل قبر من دول جواه ألف حكاية لأمو.ات جواه، بدأت أتخيل الناس اللي ساكنة جوة المقا.بر دي، كانوا زينا في يوم من الأيام بس دلوقتي بقوا في عالم تاني، عالم بوابته عبارة عن شوية القبور دول..

ووسط تأملاتي وشرودي سمعت صوت احتكاك بالأرض، خطوات خافتة جاية من وسط المقا.بر، جسمي اترعش بطريقة غريبة، حاولت أعرف مكان الصوت ومشيت بهدوء تام ناحيته، ومن وسط حارة من حارات المقا.بر ظهر، راجل لابس أسود مُلثم ومش ظاهر أي حاجة من ملامحه، وكان ماشي متوتر وقلقان، وعمال يتلفت حوليه بقلق كبير..

اتخفيت ورا قبر من القبور وفضلت أراقبه في صمت تام، قلبي كان بيدق وأنفاسي بتتسارع بس كنت نوعًا ما متماسك، فضلت أمشي وراه وأنا متخفي وهو كل شوية يبص وراه بقلق وخوف، لحد ما جه عند قبر من القبور وحفر جمبه وحط حاجة عاملة زي الشنطة ود.فنها بسرعة، فكرت أهجم عليه أو أعمل أي حاجة بس افتكرت كلام عمي، وخفت أكتر لما توقعت إنه أكيد معاه سلاح..

تتبعته لحد ما خرج من المقا.بر ورجعت للأوضة وأنا عقلي مو.لع من التفكير، وبعد تفكير طويل وقلق صحيت عمي من نومه، وبكل هدوء حكيتله على اللي شوفته، لقيت نظراته اتغيرت وبدأ ينهج ويغضب، واتكلم بغضب شديد وقال:

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى