
عنيا زاغت مكانها من المفاجأة، لبست هدومي وأنا بتنـ,ـفض وجريت، كنت لسة مـ,ـريضة، حركتي تقيلة أوي، بس مع ذلك كنت عايزة أروح بأي شكل من الأشكال، كان وقت المغرب والدنيا بتضلم بس مش مهم، خدت تاكسي لحد المـ,ـقابر اللي على الطريق ونزلت في قلب ظلام الليل، ودخلت على المـ,ـقابر اللي كانت مرصوصة بطريقة هندسية إبداعية، مـ,ـقابر حديثة وكل مقـ,ـبرة ليها رقم، وبعد ما دخلت لقلب المقابر لقيت المـ,ـقبرة المدفون فيها ابني..
وقفت قدامها مصدومة، جـ,ـسمي بيـ,ـترعش، ومش بنطق ولو بنص كلمة، حطيت إيدي على المقـ,ـبرة وبدأت أتخيل، أتخيل ابني اللي خـ,ـطفه مني القبر، ابني اللي كنت خلاص هشوفه بعد شهور قدام عنيا، وانهرت، انهرت في بكاء مستمر، طويل، لدرجة إن صوتي بقا بيسمع في المـ,ـقابر كلها، وفجأة وبدون أي مقدمات سمعت صوت خطوات تقيلة بتقرب مني، بصيت بخـ,ـوف ورعـ,ـب ناحية مصدر الخطوات وفوجئت بواحدة ست لابسة أسود وبتقرب مني.. بصتلها بخـ,ـوف لقتها بتتكلم بعصـ,ـبية غريبة وبتقول:
ـ أنتي واقفة هنا ليه؟! رديت عليها وأنا بتـ,ـرعش وقولت: ـ واقفة بدعي لابني.. لقتها اتكلمت بصوت رهيب، مُخيف وقالت: ـ مفيش حد مدفون هنا يا معتوهة يالا غوري من هنا فورًا.. وكشفت عن وشها اللي كان متغطي، وشوفت واحدة ست بوش أحمر مليان حبوب سودة، وعنيها كانت صفرا زي الزواحف، صـ,ـرخت، صـ,ـرخت زي المجـ,ـنونة وطلعت أجري من المـ,ـقابر كلها..
ومن ورايا سمعت خطواتها وهي بتجري ورايا، خرجت من المـ,ـقابر وأنا منهارة، أعصابي مش متحملة ووقعت على الأرض، في اللحظة دي وقفت عربية ونزل منها تلت رجالة ودخلوا للمـ,ـقابر، استخبيت منهم لأني مكنتش ضامنة ممكن يعملوا فيا إيه، ووقفت على الطريق وركبت أول عربية ورجعت على شقتي وأنا بتـ,ـرعش..
جوزي رجع لقاني قاعدة على السرير مش قادرة أتكلم، فضل باصص ناحيتي بصات طويلة وبعدين منطقش بكلمة ومشي، ومن تعبي ورعـ,ـبي نمت، نمت عشان أشوف نفسي في قلب المـ,ـقابر، ببكي على مـ,ـقبرة ابني، وشوفت التلت رجالة إياهم قربوا مني ودبحوني على مقـ,ـبرة ابني، ووقفوا قدام الجثة لحد ما ظهر شخص رابع، الشخص ده كان جوزي، وقمت من نومي مفزوعة، بتنفض، مُـ,ـرعوبة.. لقيت حد واقف قدام السرير، عنيه صفرة، نفس الست اللي شوفتها في المـ,ـقابر من شوية، كلمتها وأنا منهارة وقولت:
ـ أنتي مين وعاوزة مني إيه؟! ـ أهربي من شقتك دلوقتي لأنهم هيقتلوكي ـ أنتي بتقولي إيه؟! ـ بقولك هيقتلوكي بعد دقايق.. قالتها واختـ,ـفت كأنها مكنتش موجودة، لبست فورًا وخرجت من شقتي واستخبيت بعيد، شوية وشوفت جوزي داخل العمارة ومن وراه دخل نفس التلت رجالة، وقتها عرفت إن كلامها صادق، بس جوزي عاوز يقتلني ليه، أنا عملتله إيه، استنيت كتير لحد ما خرجوا كلهم وطلعت شقتي، خدت دهبي وحاجتي وهدومي وهربت على محافظة تانية عند خالتي، واخـ,ـتفيت، اختفيت تلت سنين كاملين..
وده لأن مكنش ليا أي حد في الدنيا غير خالتي، كل الوقت ده كنت بتعذب ونفسي أفهم، أفهم اللي حصل ده سببه إيه، لحد ما جوزي وصلي بعد تلت سنين، بس شكله كان متغير، غريب، لقيته اتصل بيا وطلب مني إني أسمعه..
حكالي إنه متجوز من واحدة تانية من سنين طويلة أوي، وبدون ما أعرف ده إطـ,ـلاقًا، وقالي إنها اشترطت عليه ميخلنيش أخلف عشان تكمل معاه، وكان بيحطلي أدوية كل شهر تمنعني من الخلفة، وعايش معايا دور المكتئب اللي نفسه يخلف وبيجري معايا عند الدكاترة، لحد ما مراته سـ,ـحرته أكتر وخلته متيم بيها، وطلبت منه يتخلص مني تمامًا لأنها حملت وخلاص مش عاوزاني موجودة..
مثلوا عليا موضوع حملي، وكمان موضوع سقـ,ـوطي، كل ده وأنا محملتش أساسًا، ورمى الورقة قدامي عشان عارف إني هروح القبر مسافة ما ده هيحصل، كانوا عاوزين يجنوني بتمثلية موت ابني، ولما ده محصلش قرروا يتخلصوا مني في المـ,ـقابر، بس جت الست دي وحذرتني لأن مكنش فيه حد مدفون في المكان ده، أنا مأجهضتش أصلًا، ولما جوزي عرف إنهم فشلوا قرر يتخلص مني في البيت، وجت الست حـ,ـذرتني مرة تانية وكأنها جندي من جنود الله..
جوزي حكالي ده لأن ابنه بعد ما اتولد بسنتين مات في حريق كبير مسك في الشقة، ومراته اتحـ,ـرقت هي كمان، وهو النـ,ـار مسكت في جزء كبير من جـ,ـسمه، حياته اتدمرت وفقد جزء من عقله، معرفش ليه وقتها ابتسمت.. هو قرر يظلمني ويسمع كلامها في حقي في الخلفة، وهي سـ,ـحرته أكتر وأكتر وقررت تحرمني من حياتي كلها، فربنا حرمه من ابنه ومراته، وانتقملي من مراته في حياتها كلها، سبحان المُعز المُذل.. (اتَّقُوا الظُّلْمَ، فإنَّ الظُّلْمَ ظُلُماتٌ يَومَ القِيامَةِ) صحيح مسلم
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




