روايات

مقـ,ـابر الديابة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

يوم دفـ,ـنة مراتي كنا في منطقة اسمها “الديابة” في قلب الجبل، وده طبعًا عشان عادات وتقاليد أهل زوجتي الغريبة اللي بتقول إنها لازم تدفـ,ـن مع أهلها في المقابر بتاعتهم، والمقابر دي كانت بينها وبين أقرب بلد حوالي ساعة مشي في قلب الجبل، شيلنا التابوت أنا والمشيعين وأنا قلبي مكسور ودخلنا في قلب الجبل لمدة ساعة كاملة لحد ما بدأت تظهر شواهد القبور من بعيد..

المقابر في البلد دي بالأخص كانت قديمة أوي ومبنية بالطوب اللبن القديم قوي، ومش بس كدا، دي المـ,ـقابر تقريباطًا معمولة زي الرسمة، يعني مش على هيئة حارات وشوارع وبس، المقابر مبنية على هيئة دايرة كبيرة وكل اللي في نص المقابر عبارة عن فراغ، اللي هو لو عدينا من بين مقبرتين هتلاقي المقابر حوليك من كل مكان تقريبًا.. مشهد غريب بس مكنتش واخد بالي منه بسبب قهرتي على زوجتي ودعواتي ليها، خاصةً إنها ماتت وهي بتولد، دعيت ربنا يكون ده تكـ,ـفير عن ذنوبها ودعيتلها بالجنة لأني كنت راضي عنها وعن كل حاجة عملتها عشاني..

وانتهت مراسم الدفـ,ـن وسط المواساة من أهلها ليا وكنا في طريقنا للخروج، بس الغريب واللي لفت نظري إن كان فيه قبر في النص، لوحده تمامًا، ده الوحيد اللي مبني في نص دايرة القبور دي، والأغرب إنه كان فوقه جرس كبير زي الأجراس اللي كانت موجودة في الكنايس.. كان شكله غريب أوي ورغم حزني كان مُلفت للنظر، ورجعنا بيت أهل مراتي والناس حلفوا عليا أفضل عندهم يومين لحد ما أهدى خالص وبعدها أقدر أمشي..

وقعدت ليلتها مكسور، حزين، مش قادر أتخطى مـ,ـوتها بسهولة، حتى النوم رفض إنه يزورني وفضلت تقريبًا لحد الساعة ١٢ مش عارف أنام إطلاقًا، وفين وفين لما أخيرًا النوم زارني وقدرت أنام.. وفي نومي شوفت نفسي واقف فوق المقبـ,ـرة إياها، واقف وقدامي الجرس الضخم بهيئته المُخيفة، والضباب كان تقيل أوي وتقريبًا مغطي كل حاجة حوليا، ولقيت نفسي بدون وعي بزق الجرس عشان يرن، وطلع منه صوت ضخم، قوي، مُخيف، صوت عامل زي زئير الوحوش..

وفي لحظة بدأت أسمع أصوات كتير أوي، وكأن كل المقابر فيها حاجة بتتحرك، وقدام عيني كل القبور اللي على شكل الدايرة اتفتحت وخرج منها أموات، أموات بيتحركوا ناحية حاجة واحدة بس، ناحيتي.. كل ده والجرس عمال يتهز والصوت المُخيف بيخرج منه، وقبل ما يوصلولي شوفت عيون نارية لحيوان واقف ورايا فوق القـ,ـبر، وفي لحظة نط ناحيتي وهو بيعوي عواء مُخيف أوي، واتنفضت من نومي في اللحظة دي وصحيت، كان قلبي بيدق وجسمي بيترعش، والعرق بينزل مني بطريقة غريبة، قمت من مكاني شربت مية وفضلت صاحي لحد الصبح مش عارف أنام مرة تانية..

وعدى يوم كامل وجه اليوم التاني، وقررت أزور مراتي في قبـ,ـرها آخر زيارة قبل ما أمشي، كلمت ابن عمها وقالي مفيش مشكلة، وإننا على الضهر هنتحرك أنا وهو ناحية المقـ,ـابر، وفعلًا اتغدينا واتحركنا ناحية المقابر، ورجعتلي الذكريات من تاني، ذكريات يوم الدفـ,ـنة، وحسيت بنفس مشاعر الحزن اللي حسيت بيها يومها.. وبعد ساعة كاملة لقيت نفسي قدام دايرة ضخمة من المقابر، نفس الشكل الغريب والغير مفهوم، فكرت أسأل الراجل اللي معايا، بس قررت أسكت لأن مش ده الوقت اللي ممكن نتناقش فيه عن موضوع زي ده..

وقفت قدام مقبرة مراتي وبدأت أتأثر أوي لما تخيلتها وهي مجرد جثـ,ـة هامدة، حتى إن الدموع بدأت تنزل مني بدون وعي، ابن عمها فضل يواسيني كتير، ولقيت نفسي بطلب منه يسبني معاها شوية، نص ساعة بس، الراجل قدر الموقف وسابني خالص وقالي إنه هيستناني على أول الجبل اللي بره المقابر.. وقفت أتكلم معاها وأدعيلها، اتكلمت كتير أوي، وحكيتلها أزاي أنا مش عارف هعيش ازاي من غير وجودها، وفي النهاية قررت أتحرك عشان أطلع لبره المقابر، بس قبل ما أتحرك لمحته، نفس القبر ونفس الجرس الغريب والغير مفهوم ده..

والأغرب إني لقيت نفسي بفتكر الحلم وبحس بانجذاب غريب أوي ناحية الجرس ده، قربت من القبر برهبة ووقفت قدامه أتأمله، وقتها بيجيلك إيحاء إنك بتتأمل كائن حي مش مجرد بناء، كأن القـ,ـبر بيكلمك، وبيتنفس، وبيتحرك، استحالة القـ,ـبر ده يبقا مجرد مكان مبني وبس.. بصيت للجرس لقيت منقوش عليه نقوش غريبة أوي، نقوش مش مفهومة، وبدون وعي مني لقتني بطلع فوق القبر وبقف قدام الجرس، نفس المشهد اللي في الحلم إياه بحذافيره، قربت إيدي من الجرس وزقيته لقدام، وفي لحظة بدأ يتحرك ويطلع منه صوت، بس مكنش نفس الصوت اللي سمعته في الحلم، كان صوت جرس عادي..

وفي لحظة حسيت إن القبر اللي أنا واقف عليه بيتحرك، بيتهز، وكأنه بينفعل، نزلت من على القبر من الخوف وفجأة لقيت الدنيا كلها ليل، ظلام دامس حوليا، كأن الثواني دول عدوا زي الساعات وفجأة بقيت في قلب المقابر بالليل.. حاولت أتحرك عشان أخرج من مكاني بس سمعت واحدة بتغني، بصيت لمصدر الصوت برعب لقيت واحدة ست لابسة لبس البدو، اللبس القديم ده وعمالة بتغني بصوت ملائكي، بس المشهد والموقف اللي أنا فيه بيقولوا إن الغناء ده وراه كارثة..

وفي لحظة شوفت ذئب ضخم بيقرب من الست بهدوء تام، وأول ما لاحظت وجوده صرخت وطلعت فوق المقـ,ـبرة اللي فجأة اتحولت لبيت، ولقتها على سطح البيت بتهز الجرس بخوف، بس الذئب قدر يطلع على السطح ويهجم عليها ويقطع لحمها تمامًا.. وبعد ما انتهى منها وأنا واقف مش قادر أتحرك سمعت صوت أنفاس ورايا، بصيت بفزع لقتها نفس الست، بس كانت رقبتها ممزقة بالكامل والـ,ـدم سايل منها، ووشها كله خرابيش ضخمة وعين من الاتنين تالفة تمامًا..

ومن ورايا لمحت باب القبر بيتفتح بعد ما رجع لقبر تاني، ولقتها بتشاور عشان أدخل في القبر، وقتها بس قدرت أصرخ، قدرت أجري بفزع من المكان، ومن ورايا سمعت خطوات سريعة أوي، كان الذئب إياه بيجري ورايا وعنيه بتطلع نار، صرخت بفزع الدنيا لحد ما خبطت في حاجة قدامي ووقعت..

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى