روايات

الأرض السوداء للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

كانت عندنا أرض زراعية بتحصل فيها مصايب كل يوم تقريبًا، وده لأن النخل فيها كان كتير أوي وعامل زي السور عليها، وده خلى العيال يحششوا فيها ويعملوا فيها الحرام مع البنات وأوقات يخطفوا فيها عيال، كانت مكان مثالي لأي حاجة أنت ممكن تتوقعها.. ولما الخبر انتشر ووصلنا، أبويا بقا يوميًا بيسهر فيها بالسـ,ـلاح بتاعه عشان يحرسها من بتوع المخـ ـدرات والعيال بتوع الأفعال الحرام والقـ,ـذرة، وكان في أوقات بياخدني معاه عشان نسهر مع بعض، وكنا بصورة يومية بنمسك فيها حد بيعمل حاجة مش كويسة..

مرة كام واحد بيحشـ ـشوا وكان أبويا بينزل عليهم بالعصاية لحد ما يكسر عضمهم، وربنا كان مديله صحة يضـ,ـرب ١٠ رجالة مع بعض، لكن أسلوبه كان بيتغير لما بيمسك بنت مع ولد في وضع مُخل، كان بيضـ,ـرب الولد ويربطه، والبنت يديها كلمتين لحد ما تنهار وتعيط وتقسم إنها مش هتعمل الحاجة دي تاني ويسبها تمشي، وكانت على لسانه جملة واحدة: ـ يا ويل اللي بيتخفى من الناس ومبيتخفاش من رب الناس..

كانت الجملة غريبة على وداني وكنت بسأله دايمًا، كان بيقولي إن الناس مهما عملوا فيك مش هيأذوك، إنما رب الناس بصة غضب واحدة منه كفيلة تمحيك من على وش الأرض، ودايمًا يابني راقب نفسك مع الله مش مع الناس.. ومع الوقت بدأت تنتشر السُمعة، وإن أبويا بيعمل ويسوي في اللي بيفكر بس ينزل الأرض، عشان كدا وبدون مقدمات محدش بقا بيقرب منها، ولا حتى من الأراضي اللي حوليها، حتى لما أبويا مكنش بيسهر فيها مكنش حد بيقرب منها، اسم أبويا كان كفيل يخليهم يخافوا يقربوا منها بعد اللي عملوا..

وعدت السنين لحد ما القوة بدأت تروح وأبويا بقا كل شوية يتعب بحُكم السن وأمراض الشيخوخة، وبقا بيتأخر كتير في إنه يروح الأرض ويسهر هناك، وبدأ الكلام يوصلنا إن الأرض بقا بيدخلها الأغراب، وده خلى المرض يزيد على أبويا أكتر، وبقا عايز يطلع بحالته الصحية دي ويحرس الأرض منهم، بس خروجه كان صعب في البرد ده..

كنا بنخاف يخرج وميرجعش تاني، عشان كدا وصاني واداني الأمانة، وقالي أروح أقف مكانه في الأرض كل ليلة، وقالي إني لو خرجت لوجه الله مفيش حاجة هتقف قدامي، وإني هكون قادر على كل حاجة، إنما لو خرجت لأي سبب تاني هبقا ضعيف وحتى الهوا كفيل إنه يخوفني..

وروحت لأول مرة ولوحدي أسهر في الأرض، المكان من غير أبويا مُخيف، كل حاجة في المكان تخليك خايف، صوت الرياح، الضلمة، الأصوات اللي بتيجي من وقت للتاني، لحد ما بدأت أسمع صوت من وسط النخل، ولما قربت لقتهم تلاتة بيتعاطوا مخـ ـدرات وسط النخل، والغريب إني لقيت نفسي خايف رغم إن معايا عصاية أبويا، القوة طلعت مش في العصاية، طلعت في اللي ماسك العصاية..

كان اختبار قوي وللأسف فشلت فيه وسبتهم لحد ما خلصوا قعدتهم ومشيوا، مكنتش عارف إيه اللي ممكن يحصل لو قربت منهم أو اعترضتهم، وروحت مرة تانية وتالتة لحد ما لمحت المشهد القـ ـذر ده، شاب صغير ومعاه بنت في وضع سيء جدًا، لكن الغريب إن ده تحديدًا أنا اتجرأت عليه، لأنه ضعيف، وضـ,ـربته وسحلته وهددته لحد ما هرب من قدامي وسابني معاها، وهي كانت مرعوبة ومش قادرة تتكلم..

وبدأت نفسي تراودني للحـ ـرام، وجملة أبويا بتتردد في ذهني، يا ويل اللي يتخفى من الناس ومبيتخفاش من رب الناس، لكن أنا كنت ضعيف، أضعف مما تخيلت، وعرضت عليها عرض مقابل إني أسيبها تمشي، موعظتهاش زي أبويا لا، أنا عملت زي الشاب ما عمل، وهي وافقت، وبعد ما وافقت مشيت، وقعدت أنا مش فاهم أنا عملت أيه وازاي..

وبعد يومين فوجئت بالشاب جاي، استغربت أوي لكني فوجئت بيه بيعرض عليا إنه يجيب بنتين، وأسمحله يدخل الأرض يدنسها، طالما أنا عملت ده مرة ما أعمله تاني وتالت، وده أنسب مكان لكل ده، ووافقت، وافقت لأني زي ما قولتلكم أنا ضعيف، والشاب اللي ضـ,ـربته وكان مرعوب مني، بقا مع الوقت بيتجرأ عليا ويتشرط بل وياخد مني فلوس..

ومع الوقت اتعلمت شرب المخـ ـدرات، وزي ما عملت مع الشاب عملت مع اللي بيتعاطوا، يدخلوا يتعاطوا في الأرض وآخد منهم حصة، مرة أبيعها، مرة أشربها، وأهي كلها مكاسب ليا، وفضلت على الحال ده لحد ما بقت الأرض عاملة زي الغرزة، وبقا بيجي أغراب من أماكن بعيدة، عملت تسعيرة وبقا الكل بيتبسط جوه، الكل بلا استثناء..

لحد ما جت الليلة الأسوأ في حياتي، لما كانت فيه قعدة حشيـ,ـش والناحية التانية كانت فيه جلسة دعـ ـارة، واتفاجئت لأول مرة إن واحد من اللي بيحشـ ـشوا دخل على الولد والبنت بالمطـ ـوة وكان عايز البنت بأي طريقة، ولما الشاب دافع عنها مسكوا في بعض، المشهد كان مرعب وبيقول إن فيه مصيبة ممكن تحصل في المكان، دخلت بسرعة ومسكت الشاب المتخـ ـدر.. أول ما شافني قالي كلمة وجعتني أكتر من السـ,ـكينة اللي اتغرزت في بطني..

ـ ما بقاش إلا أنت يا قـ ـواد اللي تمسك إيدي.. وقام غارز السـ,ـكينة في بطني، وأول ما شافوا الد م كلهم بلا استثناء جريوا وسابوني، ولقيت حنفية د م بتنزل مني وألم بشع بينهش فيا، كل اللي قدمته عشانهم مشفعش ليا إنهم حتى يلحقوني أو يودوني المستشفى، حاولت اتشاهد مقدرتش، أنا همـ ـوت هنا، وهبقا جـ,ـثة متعـ,ـفنة، وهدخل القبر وهقابل ربي باللي عملته ده.. لحظات بشعة متمنهاش لألد أعدائي، لحد ما الدنيا بدأت تسود قدامي فعلًا، وآخر حاجة لمحتها كانت صورة أبويا..

لما صحيت كنت فاكر نفسي في القبر بتحاسب، لكن اتفاجئت إني في المستشفى، أبويا المريض لسبب ما حس بالقلق وجه يطمن عليا ولحقني، شالني بد مي مسافة كبيرة لحد ما طلع على الطريق ولحقني.. مكنتش مصدق نفسي، كان نفسي أصرخ بأعلى صوت من الفرحة، أحمد ربنا لحد ما أمـ,ـوت إنه أداني فرصة تانية..

أبويا عرف كل حاجة، وكانت نظرته ناحيتي تقطع القلب، نظرات حسرة على ابنه، ولقيته بيحكيلي قصة الراجل اللي خرج يقطع شجرة بتأذي الناس، خرج لوجه الله ولما الشيطان منعه الراجل ضـ ـرب الشـ,ـيطان، ولما خرج مرة تانية يقطعها لأن الشيطان مبقاش يبعت الدينار، الشيطان هو اللي ضـ ـرب الراجل، عشان كدا أبويا كان بيخرج لوجه الله فمكنش حد بيتجرأ عليه إنس أو جن، أما أنا لما خرجت في سبيل الشيطان تجرأ عليا حتى اللي بيحشـ ـشوا والزنـ ـاة وفي النهاية سابوني مرمي زي الحيوان بحتضر..

درس قاسي علمني كتير أوي، علمني أكون قوي بالله ولله، وإن كل حاجة في حياتي تكون في سبيل الله، ربنا يسامحني على اللي عملته في حق نفسي.. [وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ] سورة الحج بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى