روايات

ذات الوجهين للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

لما خلفت بنتي كنت فرحانة بيها فرحة غير طبيعية، ومش أنا بس اللي كنت فرحانة ده أهل جوزي كلهم كانوا فرحانيين وجوزي كمان كان طاير من الفرحة، وده لأننا كنا على وشك الطلاق بسبب المشاكل اللي حصلت بيني وبين أهله بسبب انعدام الخلفة لمدة سنتين كاملين، وكنت هخسر بيتي وحياتي لولا إن ربنا كرمنا وحملت وخلفت..

وعرفت من الدكتور إن الحمل صعب جدًا يتكرر مرة تانية، عشان كدا كانت بنتي دي أهم حاجة حصلت في حياتي، وبقيت بهتم بيها اهتمام غير طبيعي، وبعد ما عملنا أسبوع كبير وعزمنا كل الناس وكنت مُصممة أعزم كل اللي قال في حقي كلمة عشان أتشفى فيهم وأحس إني باخد حقي أخيرًا بعد قهر لمدة سنتين كاملين..
وفعلًا أتعمل السبوع وجمعت مبالغ وهدايا كبيرة جدًا لأن عيلة جوزي كانت كبيرة ومرتاحين ماديًا، ويمكن ده سبب رئيسي إني كنت خايفة أتطلق وأخسر المكانة اللي أنا فيها دي، وسافر جوزي مرة تانية عشان شغله وبقا شغلي الشاغل إني أهتم ببنتي اهتمام كامل..

ومع الأسف بنتي مع الوقت كانت بتتعب كل شوية، لسة يادوب أول شهر وكل شوية تعب وسخونية وكنت بجري بيها على الدكتور دايمًا، وكان الدكتور بيقول إن البنت مناعتها ضعيفة وأي حاجة ممكن تأثر فيها تأثير كبير..
عشان كدا كنت شبه بحافظ عليها حتى من الهوا اللي في الجو، كنت قاعدة جنبها براعيها ٢٤ ساعة كاملين، لحد ما بنتي تعبت بعدها تعب أكبر وبقيت مش عارفة أتصرف ازاي، غير إن وشها بدأت تظهر فيه حبوب كتير وكأن جالها مرض جلدي غريب ومش مفهوم..

كلمت جوزي وعرفته كل حاجة وقولتله إني همنع عنها الزيارات لحد ما تتعالج، مش هخلي أي حد يشوفها ولا من أهله ولا من أهلها، كمان أنا خايفة البنت تتحسد لأن البنت كانت جميلة جدًا ومُلفتة للأنظار..
وفعلًا بقيت بمنع إن أي حد يشوفها مهما كان ودايمًا بقول إنها نايمة وإن الدكتور قال محدش يشوفها لحد ما تتعافى، فضلت على الحال ده يمكن سنة كاملة، سنة كاملة محدش بيشوف بنتي إطلاقًا ولا بيقرب منها لحد ما كبرت واتعافت تمامًا وجوزي نزل إجازة من السفر..

وقتها بس كشفتها للناس، والكل مدح في جمالها وبقت بتمشي وتتحرك وتتكلم مع الوقت، وبقت كل حاجة في حياتي وحسيت إني خلاص اتحررت من أكبر عِبئ نزل عليا في حياتي، حتى جوزي بقا بينزل إجازة كل ٣ شهور لأنه روحه بقت في البنت ومبقاش بيقدر يغيب عنها نهائيًا..

بس مع الوقت بقيت بلاحظ حاجة غريبة أوي على بنتي، حاجة مكنتش بفهمها لكن كل ما كانت بتكبر كنت بفهمها، بنتي كان وشها وكأنه مقسوم نصين، يعني لما تفرح وتتبسط كان نص وشها بس اللي بيضحك وتظهر عليه ملامح السعادة، والنص التاني حزين وصامت، ولما كانت بتزعل كان نص وشها يبكي ويزعل والنص التاني صامت وساكت تمامًا..
ملامحها مع الوقت كانت بتظهر أكتر وكانت الظاهرة دي بتتكشف أكتر، والموضوع كان بيخوف مع الوقت، حتى الناس بدأوا يلاحظوا ده وبقوا بيتكلموا عنه معايا ومبقتش عارفة أنا ممكن أعمل إيه..

روحنا لدكتور أعصاب وحاول يشخص الحالة لكنه فشل وقال أكتر من احتمال وكتبلها على حُقن عشان تهدي أعصاب الوجه وترتخي شوية، لكن للأسف الموضوع مكنش بيقل ده كان بيزيد، لحد ما كلموني في الحضانة وقالوا إن الأطفال بيخافوا من بنتي ولازم أجي أنقلها حضانة تانية، وكانوا بيسموها (العفـ,ـريتة) وهنا تأكدت إن الأيام اللي جاية هتكون صعبة، صعبة بزيادة..

بنتي بقت في أي تجمع عائلي لازم تكسر حاجة، ولازم تختار أغلى حاجة، شاشة تلفزيون، لاب توب، موبايل، ولما كنت أزعقلها كانت تبكي بنص وش، والنص التاني مبتسم بسخرية، وكأني ببص لبنتين، أو كأن بنتي جواها شخصيتين، لدرجة إن أهل جوزي طـ,ـردونا أكتر من مرة وقالوا إن البنت دي شؤم ومحدش عايز يشوفها، لحد ما كانت بتلعب مع ابن عمها الصغير وزقته من البلكونة، الواد نزل واتكـ,ـسر ولولا إنهم لحقوه كان مـ ـات، ولكن فضل متجبس شهور طويلة..

واختفيت أنا وبنتي في البيت مبقتش بخرجها إطلاقًا، وبقيت بجبرها ولا تفرح ولا تبكي عشان ملامحها تفضل ثابتة على الوش كله زي بعض، لكن مع الحبسة كل حاجة كانت بتدمـ,ـر، تفتح المية وتغرق البيت، تفتح الغاز وكان البيت هيولع أكتر من مرة، وبقت تكسر كل حاجة قدامها، وكل ما كنت أجي أضـ,ـربها اترعب، نص وشها يبكي والنص التاني يتسم، وكأنك باصص لمسخ مُرعب، لدرجة إني كنت بقفل عليا الأوضة وأفضل أبكـ ـي من الخوف..

فضلنا على الحال ده يمكن ١٠ سنين كاملين، بنتي كانت عاملة زي اللعنة اللي مش قادرة أتصرف معاها، جبتلها مشايخ، ودتها لدكاترة، حاولت معاها بكل الطُرق حتى الأطباء النفسيين فشلوا إنهم يفسروا اللي هي فيه، لحد ما ثورت في مرة وضـ,ـربتها ضـ,ـرب ممـ ـيت، كنت بطلع فيها قهر وكبت السنين، ضـ,ـربتها لحد ما البنت أُغمى عليها وسبتها مرمية في الصالة ودخلت عشان أنام..
معرفش نمت ازاي لكني صحيت على ألم رهيب، ألم بشع، ولما ركزت لقيت بنتي واقفة قدام السرير وفي إيديها سـ,ـكينة غـ,ـرقانة د م، ولقتها بتقول:
ـ عشان تبطلي تضـ,ـربيني تاني يا ماما..

وبكل ما أملك من طاقة بعت لجوزي رسالة صوتية وقولتله:
ـ ابعت أي حد يلحقني..
وضلمت الدنيا كلها تمامًا..
من حُسن حظي إن جوزي كان فاتح نت وبعتلي أخواته بسرعة ولحقوني وودوني المستشفى، الطـ,ـعنة كانت قـ,ـاتلة واضطروا يشيلوا أجزاء من الأمعاء ويستأصلوا كلية كاملة، شوفت شهر في المستشفى عامل زي الجحيم، ورجعت لشقتي متدمرة، مبقدرش أتحرك ولا أتكلم إلا بصعوبة، وعرفت إني غالبًا مش هرجع زي الأول مرة تانية إطلاقًا..

وقتها لقيت نفسي بتصل بواحدة كنت أعرفها من سنين، طلبت منها تزورني بأي طريقة، ولما جاتلي طلبت منها تحكيلي مين البنت دي وجابتها ازاي وعرضت عليها مبلغ كبير، أيوة ما هي دي مش بنتي، أنا بنتي مـ ـاتت من التعب لما تعبت في أول شهر، وأنا من خوفي من الطلاق وكلام الناس اتفقت مع واحدة وخطفنا بنت تانية من أمها..

قولت إن بنتي مريضة وإن عندها مرض جلدي عشان تكبر عندي ولما تظهر للناس محدش يبقا حافظ شكلها ولا حد يعرف إني خطفاها، لكن اللي عرفته واتفاجئت بيه انهاردة بس إن الست اللي خطفت البنت اضطرت تقـ ـتل أمها، أيوة وهي بتخطف البنت أمها صحيت..

اضطرت تخبط أمها على راسها أكتر من مرة، كل ده والبنت الصغيرة شايفة ده بنص وشها بس، شايفة أمها بتمـ ـوت ومش قادرة تلتفت لأنها لسة صغيرة، دلوقتي بس عرفت ليه البنت نص وشها عامل كدا، وليه بعاني معاها طول عمري، لأني السبب في قتـ ـل أمها، وعشان أتخلص من اللعنة دي، روحت وبلغت عن نفسي وعن الست اللي قتـ ـلت أمها، مانا كدا كدا همـ ـوت يبقا أمـ ـوت وأنا ضميري مستريح..

اتسجنت فترة طويلة أوي وواثقة إني همـ ـوت قبل ما أخرج، والبنت راحت دار أيتام، ولو ليا كلمة أخيرة للناس هقولهم إياكم تتحايلوا على أقدار ربنا، ربنا خلقك مريض أو ابتلاك بشيء تحمده عليه وتواجه الناس ومتخفش، طالما ده بلاء متهتمش لكلام الناس أبدًا، لأنك لما ترضى بالبلاء ربنا بيرفعه في لحظة، إنما تحاول تتحايل وتعمل حاجة حرام عشان تعالج البلاء للأسف أنت اللي هتندم..
يارتني واجهت جوزي وأهله وقولتلهم إن بنتي مـ ـاتت، يمكن وقتها كنت هتطلق بس أو ربنا هيعوضني ببنت تانية وكنت هاخد أجر الصابرين، إنما دلوقتي خسرت كل حاجة..

[وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ ۝ الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ ۝ أُولَٰئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ] سورة البقرة
بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى