
يوم نتيجة الثانوية العامة الكل كان منتظر مني أكون من الأوائل على الجمهورية أو على الأقل أجيب مجموع كلية قمة، وأنا كنت منتظرة أكتر منهم كلهم لأني عندي حلم من زمان أوي، حلم إني أكون بنت مستقلة ومعايا فلوس وقادرة أحقق كل أحلامي بنفسي بعيدًا عن الجواز اللي يعتبر حلم غالبية البنات، بس كانت الصدمة اللي دمرت تخطيط السنين دي كلها، ٦٠ في المية، يعني غالبًا هدخل معهد ده إن لقيت معهد يقبل بيا..
وعدت عليا الأيام اللي بعد ظهور النتيجة بطيئة أوي، عاملة زي الكابوس اللي مكنتش قادرة إني أصحى منه، شوفت التشفي والشماتة من الأصحاب والأهل والجيران، هي دي اللي بتطلع من الأوائل كل سنة، هي دي اللي محدش بيتكلم معاها وبتقول نادوني بالدكتورة حنان، هي دي البنت اللي مفيش منها اتنين بقا..
أبويا جاله إحباط وأمي التزمت الصمت، كأننا وقعنا في مصيبة مالهاش حل، لحد ما في النهاية ظهر التنسيق، كلها معاهد خاصة، وعشان أبويا يبقا كمل رسالته معايا راح باع نص الأرض اللي بناكل منها عشان يقدملي في جامعة خاصة من اللي بتاخد رقم ضخم كل سنة، رقم عايز موظف يشتغل سنتين عشان يقدر يجيبه، أمي معترضتش وقالت: كل شيء قسمة ونصيب..
وفعلًا دخلت الجامعة الخاصة، ومن أول يوم عرفت إني أفقر بنت في الطلبة، أغلبهم معاهم عربيات، كلهم بيلبسوا ماركات، وأنا الوحيدة اللي جاية من الريف باللبس المُقرف بتاعي وشكلي اللي شبه الأولاد، وفضلت ترم كامل منبوذة، وحيدة، مش قادرة أتعايش، لحد ما لقيتها، بنت شبهي، عرفتها من أول نظرة، ظروفها شبه ظروفي جدًا وأهلها على أد حالهم وباعوا شقة كاملة عشان تكمل تعليمها، هي دي اللي هتهون عليا أيام الكلية..
بدأت أنا وحنين نراقب الطلبة، نراقبهم وجزء مننا مليان حقد وغل، كل دول تقريبًا الشغل مستنيهم من انهاردة بسبب الواسطة والمعارف والفلوس، كل دول عايشين حياتهم هزار وضحك وفسح، وأحنا متمرمطين في المواصلات والبيت والكلية، وواحدة واحدة بدأنا نندمج معاهم، بدأت أخرج مع شلة منهم نقعد على كافيهات، نخرج، نروح الساحل بعربية زميلنا..
كنت هارية أهلي مصاريف بحِجة الكتب والكورسات وغيره، لدرجة إن أبويا كان بيبع المحصول قبل أوانه عشان يلاحق على مصاريفي، كنت عايزة أعيش، ده الحلم اللي بحلم بيه من زمان، وغصب عني كرهت حياتي، وقريتي، وأهلي، كرهت الفقر والبيت والظروف الصعبة اللي مبتتغيرش، لحد ما بدأ العرسان يخبطوا على الباب، عرسان من نفس البيئة، يعني بحسبة بسيطة أوي هكرر نفس عيشة أمي مع أبويا، عشان كدا رفضت..
اتحججت بموضوع الدراسة والكلية، حتى الخطوبة كانت مرفوضة رفض قاطع، وكذلك حنين عملت نفس الموضوع، كان عندنا هدف مشترك، نفتح مشروع كبير ونبقا سيدات أعمال، نعيش زي ما كل زمايلنا هنا معاهم فلوس وعايشين، وأكبر عدو أنا واثقة إنه هيدمر كل ده هو الجواز، عشان كدا كان لازم أتخرج وأعمل المشروع أو على الأقل أشتغل وأبدأ أحقق الكارير بتاعي..
وفعلًا وبعد أربع سنين كاملين اتخرجنا أخيرًا بعد ما أبويا باع اللي وراه واللي قدامه، وجريت على سوق العمل عشان أشوف أبه اللي متاح قدامي، واتصدمت بالواقع المرير، أي شغلانة مرتبها ميكفيش الأكل والمواصلات، ولو هتنازل وأشتغل سكرتيرة ولا أكون واجهة مكان فأنا للأسف ولا شكل ولا ستايل عشان يقبلوني في شغلانة زي دي، وفضلت أنازع أنا وحنين، نتنطط من شغلانة لشغلانة، شوفت المرار اللي مشفتوش في حياتي كلها، بس كنت مكملة واستحالة حد يوقفني عن اللي أنا عاوزاه..
لحد ما وصلت لـ ٢٧ سنة، بقيت البنت الوحيدة في المنطقة اللي لسة متجوزتش، اللي أصغر مني معاهم عيل واتنين كمان، ومبقتش متحملة خناقاتي مع أبويا وأمي، وحسيت فعلًا إن كارير الست ما هو إلا وهم كبير، عشان كدا اتنازلت واتجوزت، بس كان شرطي الأول والأخير عليه إني هكمل شغلي ومش هسيبه لأي سبب من الأسباب، مش مستعدة أخسر مصدر دخلي، رغم إن مصدر دخلي كان بيكفيني أكل ومواصلات بس كنت مخبية عن كل الناس الموضوع ده..
وكملت حياتي تعيسة زي ما بيقولوا من مكان لمكان لحد ما انتهى بيا الأمر لعيادة دكتور أسنان، المكان الوحيد اللي لقيت فيه مرتب محترم أوي، بس اتفاجئت إن الشغل مرهق لأبعد مدى، كنت بوصل العيادة الساعة ٣ العصر أمسحها وأنضفها، وأتابع مع المرضى وأقطع التذاكر وأتابع رسايل الواتس، وكنت بدخل مع كل حالة أساعد الدكتور وهو بيشتغل، وأفضل مكملة لحد ١٢ بالليل وأرجع ميتة من التعب على النوم..
أهملت بيتي تمامًا، ولما جوزي كان بيشتكي كنت بقوله يجيب حد ينضف أنا مش هنضف في بيتي، رغم إني كنت بنضف العيادة كل يوم عادي، كنت بصحى بعد الضهر من التعب وألحق أجهز عشان الشغل، وكان أغلب أكل البيت نواشف عشان يسكت ويبطل زن، والغريب إنه سكت وبعد عني وتجاهلني، وبقا أمر واقع هو متقبله.. صاحبتي حنين لما حكتلها قالتلي ممكن أشد حيلي شوية وأوقع الدكتور وأطلق واتجوزه وأبقا شريكة في العيادة، دكتور مُطلق ووحيد وأنا الست الوحيدة في حياته ليه لا، وفعلًا من تاني يوم أتحولت، بقيت بجهز أكل كل يوم للدكتور وجوزي لا، أنضف العيادة وأعطرها وبيتي لا..
عرضت على الدكتور أروح أنضفله شقته لو مش نضيفة، وتطور الأمر للأسف لما هو أسوأ، قدمت تنازلات وصلت للحرام، فاحشة كاملة مع الدكتور بصورة شبه يومية ولما كان جوزي بيطلب ده كنت برفض، بقت كل حاجة للدكتور مُطاعة حتى جسمي، إنما بيتي وجوزي لا، المهم الكارير والمرتب.. لحد ما جوزي عرض عليا نتطلق، لأنه مبقاش عاوزني، وحسيت إنها جت منه هو وده أحسن ألف مرة ليا، المهم أشد حيلي وأتجوز الدكتور، واتطلقت، وفضلت تلت شهور بحاول مع الدكتور اللي كان بيعشمني بالجواز بدون أي تحقيق لرغبتي، وكانت أكبر مفاجأة ليا لما لقيت جوزي هيتجوز حنين صاحبتي..
كانت صدمة عمري، ولما كلمتها وحلفت إني همو.تها وهف.ضحها وهتهمها في شر.فها لقتها بتضحك، ولقتها بعتتلي صور ليا من قلب العيادة وهي فاضية وأنا مع الدكتور، كنت أدتها المفتاح مرة تفتح العيادة بدري لأني كنت في مشوار، مكنتش أعرف إنها هتدخل وتقدر تصورني، وقالتلي إن الصور حاليًا وصلت لأهلي وطليقي، والأحسن أفضل في العيادة مرجعش بيتي إطلاقًا..
قالتلي إني نمرودة، اتجوزت راجل كويس وكان هيريحني من عناء الشغل، في حين إنها مكنش بيجلها عرسان أبدًا، كانت بتولع نار لما بتعرف إني برفضهم وبتشرط عليهم وهي مستنية ولو راجل واحد بس، ولما أنا أهملت جوزي بدأت تقرب منه يوم بعد يوم لحد ما وقعته، ولما ضمنته قررت تتخلص مني خالص عشان جوزي ميرجعليش ويطلقها في يوم من الأيام، وللأسف يومها هربت على إسكندرية وأنا معايا ملاليم..
اتمرمطت في الشوارع لحد ما اشتغلت في الحرام سنة ونص كاملين وفي النهاية اتمسكت في قضية آداب وخدت تلت سنين سجن، تلت سنين فضلت فيهم أخطط عشان أخرج وانت.قم من حنين، ولما خرجت ق.تلتها وهي حامل، ق.تلتها في قلب شقتها، بس للأسف ملحقتش أهر.ب ورجعت السجن تاني، بس رجعت بحُكم بالمو.ت والإعد.ام، حياة ممكن نقول هي الأسوأ، ومو.ته هي الأبشع على الإطلاق..
ربنا خلق الست ووكل لها الرزق من خلال ولي سواء كان أب أو زوج، والرزق ده مبينقطعش طالما هي عارفة دورها وحافظاه كويس، إنما إنها تهمل بيتها مخافة الرزق وتلهث وراه في مكان غير مكانه غالبًا بتفشل في بيتها وفي شغلها أو بتعنس وبتكون عُرضة لكل الأمراض النفسية اللي في الدنيا، لأنها قررت تاخد دور مش دورها.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




