
اتقدملي عريس الفترة اللي فاتت دي أي واحدة تتمنى تتجوز واحد زيه، محترم بطريقة تفوق الوصف، غني ووارث بيت كبير وفلوس مالهاش أول من آخر، دكتور وعنده عيادة خاصة وكل أهل البلد بيقدروه وبيحبوه، والغريب إنه اتقدملي أنا.. البنت اللي معاها معهد وأبوها متـ,ـوفي وأمها ست بتشتغل في السوق يوميًا عشان تصرف عليها، لدرجة إني كنت خايفة أوي من الجوازة دي وشايفة نفسي قليلة جدًا، أنا لو هتقارن بيه فأنا لا شيء قدامه، ورغم كدا هو كان مُصر عليا أنا وبس، عايز يتجوزني ومستعد يقدم أي حاجة..
وقعدنا مع بعض ولقيته إنسان مُهذب بطريقة تفوق الوصف، ومثقف بطريقة كبيرة، والغريب إنه اتكلم كتير في الدين والأخلاق وإن الشخص مينفعش يتقيم بفلوسه أو تعليمه، وإن الدين والأخلاق هما رقم واحد، عشان كدا لما اتعامل مع أمي وشاف أمانتها وأخلاقها وعرف إني بنتها قرر ييجي يتقدملي وإنه هيكون سعيد لو أنا وافقت بيه.. كلمت أمي بعدها والغريب إنها مكنتش متمسكة بيه، قالتلي ده اختيارك وحياتك، أهم حاجة تستخيري لأن الاستخارة هي المفتاح اللي بيفتح كل أبواب الخير وبيقفل كل أبواب الشر، وفعلًا استخرت ولقيت نفسي مرتاحة واتخطبنا أنا وهو..
وطول فترة الخطوبة كان يوميًا بيجيب هدايا كتير وغالية أوي، لدرجة إني بقيت بزعل من الموضوع ده وبطلب منه يوفر وكفاية كدا، لكنه كان مُصر، وأوقات كتير أوي كان بيطلب منها تبطل شغل وهو هيتكفل بكل حاجة، لكن أمي رفضت وقالت إنها هتكمل لأنها محتاجة تكمل، والبيت اللي أحنا فيه إيجار ومينفعش نطلع منه بعد السنين دي كلها..
وفعلًا اتجوزنا في بيت كبير، متحاوط بسور وفيه جنينة كبيرة، وقدامه أرض زراعية كبيرة، مكان ممكن نقول هو حلم أي حد عاش في بيئة متوسطة، العزلة والرفاهية بكل أشكالها، ورغم ده مقدرتش أنسى وصية أمي، إني مخليش الدنيا تسـ,ـرقني لأن كل ده هيزول، ولازم أركز في عبادتي والتزامي وطاعة زوجي في أي حاجة يقولها طالما مش حرام..
ومن أول يوم جواز بقت كل حاجة تحت إيدي، الأكل كله بيجي بالتليفون من المحلات الكبيرة اللي بتوصل كل حاجة، معايا كل الأجهزة اللي بتعمل الأكل في أسرع وقت وبأقل مجهود، البيت نفسه دايمًا نضيف ومش محتاج مجهود كبير رغم إنه كبير ما شاء الله، الجنينة بتاعة البيت نفسها كانت حكاية تانية خالص، القعدة فيها كفيلة تنسيك كل حاجة..
كفاية شوية الهوا اللي بتحس بيهم ساعة العصرية وأنت قاعد بتشرب الشاي، لكن كانت دايمًا بتحصل معايا حاجة غريبة كل ما أمشي في الجنينة، كنت بحس إني بدوخ والأرض مش مستقرة تحت مني، كأن رجليك بتغوص في الأرض نفسها، شكيت في البداية إني تعبانة أو بتجيلي دوخة، لكن الموضوع مكنش بيحصل غير لما بنزل الجنينة، إنما في أي مكان تاني مفيش أي حاجة بتحصل إطلاقًا..
حاولت أتجاهل الموضوع وتحديدًا لما عرفت إن النجيل بتاع الجنينة صناعي، فممكن يكون هو السبب لأنه مش بيكون مستقر على الأرض نفسها وتقريبًا بيتفرش تحته رملة أو تراب، يمكن حاجة زي كدا، لحد ما كنت في مرة قاعدة في الجنينة ولمحت من شباك المطبخ واحدة واقفة بتطبخ، فضلت لثواني مش مستوعبة اللي شيفاه، لأن مفيش حد في البيت غيري..
طلعت أجري على المطبخ وأول ما وصلت ملقتش أي حد، حسيت بخوف كبير أحسن تكون واحدة كانت بتسـ,ـرق من البيت، دورت في البيت كله ملقتش أي حد، وفضلت أفكر وقلقانة ومش عارفة هل أحكي لجوزي اللي شوفته ولا أتجاهل الموضوع وأقول يمكن أوهام.. وفعلًا قررت أسكت وأخلي دايمًا البيت مقفول، لكن بعد يومين الموضوع اتكرر تاني، وشوفت نفس البنت، لكن المرة دي كنت على السطح وهي كانت في الجنينة تحت، وكانت قاعدة بتتمرجح على المرجيحة بكل هدوء، الغريب إن شعرها كان طويل ولابسة لبس قصير، مش شكل البنات هنا في البلد أبدًا..
نزلت بسرعة ولما وصلت مكنش فيه أي حد، بس المرجيحة نفسها كانت بتتحرك كأن فيه حد عليها، ولمحت الخيال، خيال المرجيحة وكانت فيه واحدة لسة بتتمرجح، خيالها ظاهر، لكن في الحقيقة هي مش موجودة.. شغلت قرآن على الموبايل لأني فعلًا بدأت أخاف، وبرضو مكنتش عارف أحكي أو أقول إيه لجوزي، لدرجة إني قضيت تاني يوم كله عند أمي لأني كنت منفعلة وحاسة بالخوف، البيت كبير ومطمع لأي حد، رغم إني عمري ما سمعت عن حـ,ـادثة سـ,ـرقة واحدة حصلت في البلد، والبيت عندي مفيش فيه حاجة ناقصة، طيب اللي بيحصل ده بيحصل ليه من الأساس..
وجوزي كان لما بيرجع كان أغلب تواجده في أوضة المكتب بتاعه، كان بيخلص فيها الشغل، وكان بيقفلها لما بيخلص وبيقولي مقربش منها لأن فيها حاجات كتير مهمة، الخزنة والورق وحاجات تاني، عشان كدا احترمت رغبته ومكنتش بقرب منها، لحد ما في ليلة سمعت صوت في الجنينة وأنا نايمة.. قومت وفتحت شباك أوضة النوم ولقيت نفس الست قاعدة وبتتمرجح مرة تانية، وقتها قولت إني لازم أبلغ جوزي وأحكيله، دورت عليه في البيت وتوقعت إنه في أوضة المكتب كالعادة واللي كان بيسهر فيها كتير أوي..
وقبل ما أخبط عليه سمعت صوت أنين غريب، كأن فيه حد بيتعذب جوه، حسيت برجفة كبيرة في قلبي، ورجعت أبص على المرجيحة تاني لقيت البنت اختفت، رجعت تاني لباب المكتب وسمعت نفس صوت الأنين من تاني، رجعت على أوضتي وأنا خايفة وكتمت في نفسي وقولت إن تاني يوم هسيب البيت خالص لحد ما ألاقي حل للي بيحصل ده.. وتاني يوم جوزي صحي ودخل الحمام وأنا قاعدة قلقانة ومش عارفة أتكلم، لحد ما لمحت المفاتيح، ولقيت نفسي بجري عليها وباخد منها مفتاح المكتب بس ورجعتها مكانها، وهو خلص اللي بيعمله ولبس هدومه ومشي من البيت، وجريت أنا على الأوضة وفتحت الباب..
الأوضة كانت ضلمة تمامًا، فتحت النور واتفاجئت بالمشهد قدامي، الأوضة كلها لونها أحمر، كل حاجة فيها حمرة، الحيطان، المكتب، حتى الإضاءة، الأوضة مالهاش أي شباك ولا أي منفذ ومبطنة من جوه بعوازل للصوت عشان تقلل الصوت أوي.. ولقيت كاميرا وموبايل وحامل في وش المكتب، وعلى حيطة المكتب كانت فيه صور غريبة، صور رجالة ماسكين أسلـ,ـحة وستات بتصرخ، وكأن الرجالة بيعذبوهم، تمالكت نفسي لحد ما فتحت درج المكتب الكبير واتفاجئت بأسـ,ـلحة كتير أوي معرفتش منهم غير السـ,ـكينة والساطور..
وقتها الخوف زاد أوي وقبل ما أخرج شهقت من الرعب لما لقيت واحدة، بنت تحت المكتب، معرفش هي ظهرت فجأة ولا كانت موجودة من أول ما دخلت، سألتها برعب: ـ أنتي مين؟! لقتها بتبكي وفضلت تقولي: ـ شايفة جوزك عمل فيا إيه.. قربت منها بخوف وسألتها: ـ عمل إيه؟! لقتها ردت ببكاء أكتر وقالت: ـ دفني في الجنينة تحت.. بصتلها بعدم فهم، ازاي دفنها وهي موجودة قدامي أصلًا، لقتها رفعت راسها، وأول ما رفعت راسها لمحت الجرح العميق اللي في رقبتها، وأدركت إن دي استحالة تكون إنسانة..
وقتها صرخت بصوت عالي وجريت من البيت كله ونزلت للجنينة، وقفت فيها وأنا بتنفس بصعوبة وبصيت على البيت لقتها واقفة عند شباك المطبخ، بتشاور على الجنينة، وفي لحظات الرعب لقتني بقطع في النجيل وبحفر في التراب، فضلت أحفر يمكن عشر دقايق لحد ما فعلًا لقيت كيس كبير، وأول ما فتحته لقيت دراع جـ,ـثة، وعرفت إن فيه مصايب في البيت ده..
خرجت أصرخ لحد ما الناس اتجمعوا من بعيد على صوتي، دخلوا الجنينة ولقوا الجـ,ـثة، اتصلوا بالشرطة اللي جت واتحفظت على كل حاجة، عملوا كمين لجوزي واتمسك أول ما رجع، والغريب إنه لما شاف الجـ,ـثة مستغربش خالص، ولقيته طلب منهم يحفروا في أكتر من مكان وطلعوا ٤ جـ,ـثث كاملين، واعترف إن هو اللي عمل كدا بكل هدوء..
واتقلبت البلد كلها بالأخبار، جوزي كان عنده هوس بالإنترنت من زمان، وعنده هوس أكتر بأفلام الرعب الدموي، شاف منها كتير ودخل على الإنترنت العميق وبقا بيتابع حاجات من اللي بتحصل على الشبكة الحمراء، كان بيتابع ويقرأ أخبار كل السفاحين ووصل لمرحلة غريبة من التعلق بيهم..
كل اللي شافه على مدار سنين خلى عنده قابلية يعمل كدا، شرط إنه يحافظ على احترامه ومكانته بين الناس، زي أغلب السفاحين، فقرر يجيب بنات ليل من مكان بعيد بعربيته ويجي بيهم بالليل على البيت، وكان بيفتح بث مباشر ويعذبهم زي الأفلام بالظبط ويدفـ,ـنهم في الجنينة، عمل كدا مرتين وفي المرة التالتة بدأت تطلع عليه سُمعة إنه بيجيب ستات البيت..
وحاجة زي دي كفيلة إن سمعته تدمر والناس تراقبه ويحاولوا يمنعوه لو تأكدوا من كدا، عشان كدا وقف الموضوع مع البنت الرابعة وقرر يقطع ألسنة الناس، هيتجوز، وهيتجوز من بنت متدينة وبنت ست غلبانة، عشان كل الناس تعرف إنها إشاعات وإنه محترم وعنده دين ونخوة، وبعد فترة يكمل اللي عايز يعمله.. لكن يشاء ربك إني أكتشف كل حاجة، وأكون السبب في كشفه بدل ما أكون السبب في الستر عليه وعلى أفعاله المشينة، بعدها حسيت لوقت طويل بتعب كبير لما ده حصل لأني كنت استخرت وكملت..
لكن أمي قالتلي إن ربنا جعلني سبب لكشفه، ودي ليها أجر كبير، وإن ربنا حماني منه ومن أفعاله لأني بدأت الطريق باستخارة وتوكل على الله، لكن فضلت مش مقتنعة لحد ما اكتشفنا إن قبل إعدامه كتب البيت باسم أمي، عشان يعمل آخر حاجة في دنيته وتكون خير، لكن أمي رفضت تاخد منه أي حاجة وكملت في البيت.. ولما انتشر الموضوع أكتر جالي اللي أحسن منه وعشت حياة مثالية مع راجل متدين بجد مش سفاح، وعرفت فعلًا وقتها قيمة الاستخارة في حياتي..
الإنترنت عالم مُرعب بكل المقاييس، أوقات بيجذبنا بغموضه ومواضيعه المعقدة، لكن تأكد إنه بيئة قادرة تكون سبب في فسادك تمامًا، قادرة تخليك مدمن إباحـ ـية، مدمن انتهاك أعراض، أو حتى سفاح.. عشان كدا إياك والتجربة، طالما المكان ده مش كويس متدخلوش، لأنك المسؤول رقم واحد عن قرارك وعن الموقع اللي بتدخل عليه واللي غالبًا هيأثر فيك أكتر ما هيتأثر بيك.. بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




