
فيه منطقة جمبنا اسمها (الشجر) منطقة بقا محظور تمامًا أي حد يعدي منها وإلا هيجراله حاجة، والحاجة دي مش عفاريت ولا جِن، الحاجة دي هي الكلاب إللي هناك إللي اتسعرت وبقت بتق.تل وتاكل لحم البشر كمان، والسبب للأسف إن المنطقة دي كانت بتترمي فيها مُخلفات الحيوانات بتاعت الجزارين، والكلاب كانت بتاكل المُخلفات دي لحد ما في مرة لقوا في المكان ده قتيل وكمان الكلاب ناهشة في جسمه وشبه متآكل، ومن يومها والكلاب هناك اتسعرت وبقت بتهاجم الأحياء وق.تلوا أكتر من حد وكلوا جثته كمان..
حاجة مرعبة أكتر من أي حاجة ممكن تسمع عنها، والمُرعب إن الأطفال كانوا بيلعبوا استغماية في المنطقة دي بالليل كتير رغم تحذيرات الأهالي، وأكتر من مرة كان طفل من الأطفال الكلاب بتصطاده زي الفريسة بالظبط ونادرًا لما كان بيتلحق جزء منه عشان يتدفن، ونادرًا لما حد كان بينجو من هجوم الكلاب وكان بيجي يحكي إللي حصل..
وفضلت المنطقة منبوذة يجي عشر سنين، بعض الأهالي حاولوا مرة واحدة يصطادوا الكلاب ويق.تلوهم بس كانت مجزرة يومها، الكلاب كانت مستخبية في الجحور وبيراقبوهم، وأول ما الشمس غابت هجموا عليهم ومات واحد والباقي اتعور واتصاب إصابات خطيرة ومفيش ولا كلب من الكلاب حصله حاجة، عشان كدا محدش فكر يدخل المنطقة دي تاني رغم إنها قريبة جدًا من بيوت الأهالي..
وكان من حظي السيء إن عم أولادي كان هو إللي مات يوم تطهير المنطقة دي وساب طفل صغير، وأمه لما عرفت ده سابت الواد وطفشت ومحدش عارف هي راحت فين، وجوزي جاب ابن أخوه عشان يتربى وسط أولادي وقالي أعتبره واحد منهم من انهاردة، ودي كانت أسوأ حاجة ممكن تحصل في حياتي إني أربي عيل صغير مش من عيالي..
والسيء في الموضوع إن جوزي كان يوميًا بيوصيني عليه لِأنه بقا يتيم، وكان طالب مني أعامله أحسن من عيالي، وكان بيسأله كل يوم أنا بعامله ازاي، وبقيت هتقهر، حاولت أرفض بس هددني بالطلاق، يا إما الواد يتربى معانا يا إما هيطلقني ويتجوز تاني يوم واحدة تربي العيال كلهم.. وبدأت أطلع خنقتي وقهرتي على الواد، كان ممنوع ياكل مع ولادي، ياكل لوحده، ممنوع يستحمى كل يوم زيهم، كنت بسيبه بنفس الهدوم وبدون نضافة لأسبوع كامل، وكنت بهدده وأخوفه يحكي لعمه أي حاجة..
لما جوزي كان بيسأل هو ليه مبيستحماش ومش نضيف كنت بشتكي وأقول إنه مطلع عيني ومش عايز يسمع الكلام على أمل إنه هيض.ربه أو هيعاقبه، بس مكنش بيعمل أي حاجة من دول، كان بيطبطب عليه ويقوله (أعمل إللي أنت عاوزه) في حين لو عيل من عيالي غلط نص غلطة كان بيتض.رب ويتعاقب فورًا..
كل ده خلى السم يزيد في دمي تجاه (يوسف) مكنتش حباه وكنت عاوزة أتخلص منه بأي طريقة، في البداية كنت بمنعه يلعب مع أولادي الاتنين في الشارع، بس لما بدأت الفكرة تكبر في راسي بقيت بخرجه، وقررت في النهاية أنفذ الخطة لما رجع جوزي في مرة وسألني ليه مأكلتوش، ولما سأله قال إني بمنعه من الأكل، ومسكني جوزي يومها بالعصاية ض.ربني علقة محترمة خلتني أحلف إني هتخلص منه..
جبت ابني الكبير ووعدته بمكافأة كبيرة أوي والمقابل ياخد يوسف ويلعبوا استغماية ويستدرجوا ناحية أرض الشجر، إللي فيها الكلاب المسعورة، بس ميقربش هو، ويسيبه ويجي، وفضلت أكرهه فيه وأقوله إنه لما يكبر هياخد حقه هو وأخواته، وفعلًا ابني بدأ يستجيب.. واستدرجوا يوسف وخدوه ناحية الأرض وخلوه يستخبى هناك، كل ده وأنا على أعصابي وخايفة تترد في ابني وهو اللي يمو.ت، بس لقيته جاي من بعيد ووشه مخطوف، خدته في ح.ضني عشان يهدى وقالي إن الكلاب مسكت يوسف دمرته، وقتها ابتسمت، وطلبت منه ميحكيش أي حاجة إطلاقًا وأديته فلوس كتيرة أوي..
حاولت أتأكد منه أحسن يوسف يهرب ما أنا عارفاه شيطان قالي استحالة، الكلب عضه من رقبته وبقا ياكل فيه، وعرفت إن خلاص كل حاجة مشيت زي ما أنا عاوزة بالظبط، ولما جه جوزي وسأل عليه قولتله يوسف خرج يلعب وابنك بيقول راح ناحية الشجر، جوزي اتنفض من مكانه وخد الشومة وطلع يجري وهو ملهوف.. مثلت قدامه إني خايفة ومرعوبة على الولد، بس من جوايا كنت فرحانة، أخيرًا الهم ده انتهى، وبعد نص ساعة لقيت جوزي راجع ومعاه يوسف وبيضحكوا مع بعض، بصيت برعب ناحية يوسف واتجمدت مكاني، جوزي سأله مين وداك هناك، بصلي بصة طويلة وغريبة وقال:
ـ مرات عمي حذرتني بس أنا روحت من وراها هي مالهاش ذنب.. بلعت ريقي بالعافية بس كنت حاسة بالرعب، ازاي نجا وابني قالي الكلب كان شبه عضه من رقبته، ده راجع من غير ولا خربوش.. في الليلة دي مقدرتش أنام ولو دقيقة، وبالأخص لما لأول مرة الباب يتفتح عليا أنا وجوزي في الضلمة وألمح يوسف بيراقبنا من ورا الباب، شكله كان صورة من صور الرعب البشعة، مبتسم في الضلمة، وعنيه وكأنها بتلمع، قمت مخضوضة وناديت عليه بس ضحك أكتر وسابني وجري..
تاني يوم بقا قاعد ساكت، ساكت بطريقة مريبة، ولا بياكل ولا بيشرب ولا بيتكلم، لحد ما دخلت المطبخ أعمل الأكل، ووسط ما أنا منهمكة سمعته من ورايا بيقول: ـ اللحمة اللي بتعمليها حلوة أوي يا مرات عمي.. شهقت من المفاجأة وبصتله بخوف، أول مرة يقول (مرات عمي) وأول مرة يتكلم بالثقة والهدوء ده، لقيته بيتكلم ويقول: ـ الكلاب سألتني عن ابنك خلي بالك منه كويس..
قالها ومشي، وحسيت برعب وقتها مالوش أول من آخر، وقفلت باب البيت بالمفتاح ومنعت أي حد إنه يخرج، أنا مبقتش عارفة ده يوسف ولا حد تاني ممكن ياخد عيل من عيالي يق.تله ولا يوديه للكلاب زي ما عملنا معاه، وفضلت يومين على أعصابي مش قادرة أتحكم فيها.. لحد ما في اليوم التالت على بعد المغرب لقيت يوسف بيخبط على الباب وقال جملة واحدة ـ ابنك بعد دقايق هيكون وجبة للكلاب حاولي تلحقيه..
اتصلت بجوزي وأنا مرعوبة مردش عليا، طلعت أجري زي المجنونة لحد ما وصلت لمنطقة الشجر، فضلت أبص يمين وشمال وأنادي على ابني برعب لحد ما سمعت صوت يوسف جمبي بيقول: ـ طلعتي ست أصيلة وهتفدي ابنك بروحك.. بصتله بكل رعب الدنيا وبعدها سمعت صوت زمجرة جمبي، بصيت لقيت كلب أبشع من الشيطان، وهجم عليا، وفي لحظة غرز سنانه في دراعي وحسيت بنار، نار ملتهبة بتاكل فيا..
فضلت أصرخ من الألم والرعب وأحاول اتخلص منه وأجري، وفي لحظة الكلاب كلهم خرجوا وهجموا عليا، والكل كان بيعض في دراعي وكتفي، شوفت لحم دراعي جوة فم الكلب وبياكله وأنا حية، شوفت صباع مقطوع وكف منهوش، شوفت بحر من الدم، وبعدها سمعت صوت رجالة كتير بتزعق وفقدت الوعي تمامًا.. من حظي إني ممو.تش، بعض الناس لحقوني لأن صوت صراخي كان عالي أوي، والدكتور عشان يلحقني عمل بتر للذراع من أول الكتف بدون حتى ما يرجع لجوزي عشان ينقذ حياتي، ورجعت بيتي بعد تلت أيام وطرف كامل من جسمي ناقص، وأول ما شوفت يوسف بقيت بصرخ وأقول:
ـ ده شيطان أق.تلوه، يوسف الحقيقي مات من أيام، ده مش يوسف.. جوزي استغرب كلامي وسألني بانفعال، وحكيتله كل حاجة، ولولا ظروفي كان مو.تني، وجاب يوسف يسأله فقاله حاجة غريبة أوي، قاله قبل ما الكلاب تمو.تني فيه راجل لابس أبيض ظهر وبعدهم عني، وبقا بيجيلي ويقولي خوف مرات عمك وأطلب منها تروح الأرض، وأنا كنت بسمع كلامه غصب عني..
جوزي لما عرف ده طلقني، فقدت بيتي ودراعي بسبب الشر إللي جوايا، جوزي وهو بيطلقني قالي اسم يوسف مفكركيش بحاجة، مفتكرتيش قصة سيدنا يوسف، برضه مكروا بيه فربنا نجاه وذلهم، متعظتيش منها وعرفتي إن المكر السيء بيضر صاحبه وبس، وإنك لو رحمتي الطفل ده كان ربنا باركلك في حياتك، الطفل إللي أبوه مات عشان يطهر البلد من الكلاب المسعورة عشان إللي زيك يعيش، لو كان يعرف إنك هتعملي كدا في ابنه مكنش ضحى بنفسه، أنتي شيطانة أسوأ من الجن إللي ظهر ليوسف وخلاه ينتقم منك، لأنك تستحقي ده..
[وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ] سورة فاطر بقلم/ أحمد محمود شرقاوي




