روايات

مُغسلة الج.ثث للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

أمي الله يرحمها كانت بتشتغل مُغسلة أموات، كانت ست بيطلبوها مخصوص في بلدان كتير من كتر ما كانت متدينة ومؤمنة بقضاء الله وقدره، وياما شافت وحكتلي مواقف تشيب حرفيًا، كانت بتعرف حُسن الخاتمة من سوء الخاتمة، تعرف مين كان بيتكلم في أعراض الناس ومين كان بيذكر الله ليل نهار، شافت ج.ثث بتتحرك وج.ثث بتتكلم، وكانت دايمًا متماسكة، وعلى لسانها جملة واحدة بس: ـ ادعوا للميت لأنه أحوج ما يكون للدعاء دلوقتي..

وكانت دايمًا بتحفظ سر الميت ومتحكيش عن اللي حصل إلا لأقرب الأقربين، وأكتر حكاية حكتهالي وأثرت فيا أوي عن بنت كانت بتغسلها عندها عشرين سنة تقريبًا كانت ماتت في حادثة وكانت حرفيًا مش عارفة تشيل البنطلون الجينز من عليها، ولا بالمقص ولا بأي حاجة، وفي النهاية اضطروا إنهم يكفنوها بالبلوزة والبنطلون الضيق، وكانت بتحكيلي الحكاية دي عشان تعرفني إن أكبر كارثة ممكن تعملها البنت في حق نفسها إنها تلبس لبس فاضح يكشف جسمها..

لحد ما كبرت شوية شوية ولقيت نفسي عاوزة أورث الشغلانة، الشغلانة اللي بتعلمك تتعظ وتبعد عن أغلب الحرام في حياتك، بس بعد وفاة أمي مقدرتش أكسب ثقة الناس زي ما كانت أمي كسباها، وقليل أوي لما كانوا بيطلبوني وحسيت إني مش هلاقي نفسي في الشغلانة دي.. لحد ما اقترح عليا حد إني أشتغل في المستشفى العام، موظفة بمرتب ثابت وهمارس الشغلانة اللي أنا لاقية نفسي فيها، وفعلًا قدمت في المستشفى العام واختبروني أكتر من مرة وخدوا رأي المغسلة القديمة وقالت إني خبرة وهنفع في الشغلانة الحساسة دي..

كنت بشتغل تلت أيام لمدة ٢٤ ساعة في المستشفى وأريح تلت أيام في البيت، بنبدل أنا وزميلتي اللي كانت أقدم مني بمراحل، وطبعًا طبيعة الشغل تغسيل أي مريضة تمو.ت في المستشفى وتكفينها عشان أهلها ياخدوها على الد.فن على طول.. وبصراحة أغلب الحالات كانت سلسة ويمكن مشوفتش أي حاجة غريبة من الحالات اللي كنت بسمع عنها، وكأن أمي كانت بتألف عليا أو حكاياتها مكانتش حقيقية، لحد ما كنت مريحة شوية الساعة ٢ بالليل، واتصل بيا موظف الطوارئ وقالي إن فيه بنت ماتت في الطوارئ وجاية تتغسل وهتخرج..

استغربت إنها جت من الطوارئ على الغسل على طول بدون المشرحة بس أوقات أهل الميت بيبقا ليهم معارف وبيعرفوا يطلعوا الميت بسرعة في الإجراءات، ونقلوا البنت للغُسل. وسألت العاملة لقتها وشوشتني وعرفت إن أخواتها دفعوا كتير عشان تخرج بدون إجراءات، كبرت دماغي وقولت أدخل أشوف شغلي.. كانت جاية مع تلاتة، شابين وبنت، الشابين كانت نظراتهم غريبة وقاسية أوي، والبنت نظراتها كانت زي ما تكون خايفة، تجاهلت كل ده وقررت أدخل أشوف شغلي، اتصلت بالعاملة تساعدني زي ما بتعمل لقتها في الحمام وتعبانة، قولت مش مهم وهغسل أنا بنفسي..

البنت كانت مجروحة جرح كبير في دماغها، إيه حادثة اللي تعمل جرح كبير زي ده، وفين معاينة الدكتور، عامة أكيد الموظف شاف شغله، حطيت دورق المية جمب رجليها وبدأت أمسح بالمية على جسمها، بس الغريب إني وأنا بمسح على جسمها رجليها اتحركت وزقت دورق المية وقعته على الأرض.. اترعبت وحسيت إنها صاحية، قست نبضات القلب بس مفيش، دي مجرد ج.ثة، مليت الدورق تاني وحطيته المرة دي جمب إيديها، بس قبل ما أحط القماشة في المية برضه حركت إيديها وقعت الدورق، تمالكت أعصابي بالعافية وحطيت دورق المية مرة تالتة بعيد عنها..

والغريب إني كنت بمسح على جسمها بالمية ألاقي المية بتمشي على جسمها وتنزل على ترابيزة الغُسل، وكأن الجسم رافض يشرب المية، الدم مبيتمسحش إطلاقًا، واللي رعبني أكتر إن خياطة الجرح بدأ ينزل منها دم من تاني.. وقتها رنت في ودني جملة أمي قالتها زمان في موقف مشابه: ـ الميت عايز يوصل رسالة.. وبدأت أفكر أيه اللي يخلي الميتة مش عاوزة تتغسل وتد.فن، وبدأت أركز، جرح كبير، فلوس عشان تخرج بدون تقرير، أختها خايفة، أخواتها نظراتهم قاسية، وبدون تفكير كتير طلبت أختها تغسل معايا وسط ذهول أخواتها الشباب، بس اتحججت وقولت عشان تكفن أختها..

وسحبت البنت لجوه وبكل قسوة قولتلها: ـ أنتي اللي ق.تلتيها صح.. لقتها بدأت تترعش وتتنفض ومنطقتش، اتأكدت من ظني وقولت: ـ أنا هبلغ عنك لو معرفتش الحقيقة.. وقتها ردت برعب وقالت: ـ أقسم بالله هما مش أنا.. ـ فهميني كل حاجة عشان حق أختك ميضعش..

خدت نفس عميق وقالتلي إنهم ورثوا حتة أرض كبيرة هي وأختها وأخواتها الاتنين، وأختي كانت عايزة تبيع وتاخد نصيبها لأنها مريضة وبتحتاج فلوس كتير لعلاجها، بس أخواتي كانوا رافضين تمامًا لأن الأرض كانت داخلة مباني قريب وسعرها هيتضاعف بعد تلت سنين، بس هي أصرت وهما هاودوها إنهم موافقين، وفي يوم كنا على السطح وشالوها ورموها قدام عنيا، ومسكوا بنتي الصغيرة وهددوني لو نطقت هيرموها وهيرموني، كتمت رعبي وبلعت لساني ومنطقتش من الرعب..

ونزلوا يجروا يصرخوا على أختهم اللي وقعت من غير قصدها وجريوا بيها على المستشفى وكأنهم خايفين عليها فعلًا، وجيت معاهم وبنتي مع واحد صاحبهم قالولي إني مش هاخدها الا لما ند.فن وكل حاجة تعدي، وانهارت في البُكا، وقتها لقيت خبط عنيف من أخواتها على الباب بيستعجلونا، فكرت وفكرت وبعدها قلتلهم أحنا خلصنا، خاصة إنهم كانوا معاهم تصريح خروج..

طلبت منها تخرج لأني هكفن خلاص، وروحت جبت مانيكان جلد من مخزن المستشفى ومليته تراب وكفنته وخليت العاملة تشيله تحطه في عربية الأموات، وركبوا كلهم وخرجوا، وحطيت ج.ثة البنت في مشرحة المستشفى بعد ما خدت بياناتها كلها، وخدت رقم أختها واستنيت يوم كامل، لحد ما رنت عليا وقالت إنهم أدوها بنتها ورايحين يد.فنوا، ومحدش لاحظ إنه مانيكان لأنه كان جلد وحطيت فيه طين ومية مع التراب، موهبة ربنا أدهاني وقتها..

ومسافة ما كلمتني بلغت نقطة شرطة المستشفى بكل حاجة، وبلغوا المديرية اللي بلغت قسم منطقتهم واتقبض على الأخين وتم التحقيق معاهم، واعترفوا، اعترفوا لما أختهم شهدت عليهم، ووقعوا في قفص الإعدام.. وحمدت ربنا إننا قدرنا نرجع حقها، وطلبت من الناس يدعولها، ودعيت لأمي اللي فهمتني إننا لازم نفكر ونعرف ليه الميت مش عاوز يتد.فن، هل طالب حقه ولا بسبب المعاصي والذنوب.. [كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ] سورة آل عمران بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى