روايات

أنفاس الستارة للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

الرعب والجنون ممكن ييجوا من أي حاجة حولينا مهما كانت هي أيه، مش شرط تكون كائن حي، لأنها ممكن تكون مجرد جماد ولا بيسمع ولا بيشوف، وأنا الرعب اقتحم حياتي فجأة وبدون أي مقدمات، وبطريقة أغرب من الخيال.. يومها كنت تعبانة ومرهقة أوي من اللف في الشوارع أنا وأمي عشان نلحق نشتري اللي ناقص في شقتي قبل الفرح اللي بعد ١٥ يوم بس من انهاردة، كنت حاسة إني بجهز نفسي للحياة الأبدية الوردية..

البنت اللي جاية من طبقة متوسطة ومع ذلك قدرت تخطف قلب الظابط الوسيم ابن الأكابر، البنت اللي هتتنقل من مكان لمكان تاني خالص، عشان كدا قررت أشتري أفخم وأحسن حاجة لجهازي، حتى لو هدفع تحويشة عمري كلها، المهم متعبش أهلي معايا، وكمان نسايبي يتشرفوا بينا في زمن بقت المظاهر هي كل حاجة فيه.. كانت دماغي شبه سايحة وأنا عمالة افتكر أدق التفاصيل عشان منساش حاجة من اللي نقصاني، ووسط الحر والتعب والحاجات التقيلة اللي شايلنها لمحتها، كانت محطوطة على واجهة محل ستاير قديم أوي، ستارة لونها شبيه بلون اللهب، لدرجة إنك لوهلة بتحس إن النار ماسكة فيها..

حسيت إن قلبي اتخطف أول بس ما لمحتها، خدت والدتي ودخلنا نتفرج رغم اعتراض والدتي، لأني كنت اشتريت ستاير بما فيه الكفاية، بس أنا مكنتش قادرة أقاوم غريزتي تجاه الستارة دي بالأخص، ودخلنا المحل واتفرجنا شوية وأنا عيني هتطلع على الستارة دي بالأخص، قطعة من اللهب الخاطف للأبصار.. سألت الراجل عن سعرها بس قالي إنها مش للبيع، وإنها محطوطة بس كزينة للمحل، وده خلى قلبي يتقبض، كأني خلفت وطفل من أطفالي ضاع..

لدرجة إن جتلي حالة من ضيق التنفس رهيبة، من الحر والتعب وصد.مة إني مش هتحصل عليها، حسيت بدوخة غريبة وقعدت مكاني وسط قلقي وقلق صاحب المحل، وفضلت أساومه بكل الطرق الممكنة وهو رافض تمامًا، لدرجة إن أمي عنفتني قدامه، وده خلاني وبطريقة مُريبة أقع في نوبة بكاء شديدة..

أمي كانت مذهولة من أفعالي الصبيانية دي، وبالأخص لما اتصلت بمعتز خطيبي وطلبت منه يجيلي فورًا، وكلها نص ساعة وكان قدامي وشكله مخضوض وقلقان، بلغته إني عايزة الستارة دي بأي ثمن، بل ومن وسط بكائي قولت إني مش هتجوز من غيرها، وده خلاه يدخل ببدلته الرسمية يتفاوض من تاني مع صاحب المحل، وبعد شد وجذب وافق في النهاية الراجل واشتريناها..

وقتها حضنتها بقوة كأني حاضنة طوق النجاة وسط المحيط، واتفرشت شقتي، وأنا كل ده تايهة في الستارة، تحفة فنية ممزوجة بالنار واللهب، لدرجة إني علقتها قصاد سرير أوضة نومي على الشباك، رغم إن لون الأوضة كان مختلف تمامًا عن لون الستارة، وقتها بس حسيت بالاطمئنان التام.. واتعمل الفرح الضخم اللي كان حديث كل الناس، ودخلت عش الزوجية مع الظابط الوسيم، اللي كان بيعتبرني هديته في الحياة، وعدت الليالي الأولى في زواجي زي الحلم الجميل، الحلم الوردي اللي مكنتش عايزة أصحا منه أبدًا..

وفي ليلة كان معتز هيتأخر في شغله كالمعتاد قعدت على سريري اتأمل شكل الستارة في هدوء وسكينة غريبة، بس فجأة حسيت وكأن الستارة بتتحرك بطريقة غريبة، من النص، بتطلع لقدام وترجع وكأن عندها قفص صدري وبتتنفس.. الحركة كانت غريبة على الرغم إن المكان كان مقفول تمامًا، مركزتش في الموضوع ونمت، نمت مرة واحدة كأني فقدت الوعي، وبعد مدة معرفش إذا كانت طويلة ولا قصيرة حسيت بحرارة شديدة على جسمي، كأن مفيش أكسجين في الأوضة، جسمي بيعرق وعمالة أشهق وريقي ناشف أوي، فتحت عيني وأنا بنهج عشان لساني يتشل مكانه..

الستارة، الستارة اللي بينها وبين السرير يجي تلاتة متر كانت فوقي تمامًا.. كأن فيه هوا شديد رفعها من تحت وحركها لفوق لحد ما بقت مغطياني زي البطانية، وكانت بتجيب حرارة شديدة منها، شهقت شهقة عنيفة وفي لحظتها رجعت الستارة لمكانها تاني، فضلت بصالها بذهول وأنا مش مستوعبة، حتى لو اترفعت بسبب الهوا صعب توصل لسريري، لأنها أقصر من إنها تغطي المسافة دي كلها.. كمان شباك أوضة النوم مقفول، فين الهوا اللي هيحركها بالقوة دي، وهي ستارة تقيلة كمان مش خفيفة، فضلت مركزة معاها عشان اتصد.م صد.مة أكبر..

الستارة بتتنفس، أيوة بتتنفس، سامعة صوت جاي منها، صوت أنفاس، وهي بتتحرك من المنتصف زي حركات الشهيق والزفير، جسمي اتشل، حسيت إن قلبي هيقف من الرعب ده.. وقبل ما اتحرك من مكاني النور قطع تمامًا، ونزل الرعب والصمت على المكان كله زي القدر المستعجل، والمُرعب إن الستارة كان جاي منها ضوء منور الأوضة، أيوة كأنها بتتأجج باللهب، وطالع منها ضوء ناري غريب..

ولازالت بتتنفس بصوت عالي، ووسط رعبي وخوفي سمعت باب الشقة بيتفتح ووصل معتز، وقتها النور رجع وكل حاجة رجعت طبيعية، شاف وشي مخطوف وفضل يتساءل بس أنا مكنتش عارفة أنا ممكن أقول أيه، وعدت الليلة وأنا حرفيًا فاقدة النطق والإحساس.. وعدى يومين وأنا متجاهلة الستارة وكأنها شيطان ومع ذلك لا أجرؤ على إني أشيلها من مكانها، بس بعد يومين حصل الأسوأ لما كنت نايمة ومعتز كالعادة في شغله..

اتكرر نفس الجحيم، إحساس إن فيه فرن مفتوح قدام وشي بيطلع لهب، حر شديد وخنقة وحاسة إني همو.ت، فتحت عنيا لقيت الستارة فوق عنيا طايرة في الهوا، رميت طرف عيني لقيت الجزء اللي فوق متعلق في علاقة الحيطة عادي، ده معناه إنها استطالت عشان تترفع من تحت وتوصل للسرير بالطريقة دي، ومسافة ما شهقت رجعت تاني مكانها.. قمت وأنا بترعش، خايفة، مسكتها من تحت وشدتها لآخرها، بس يادوب وصلت لطرف السرير بالعافية، أنا حاسة برعب، كأن أطرافي بتتجمد، قشعريرة زي التلج بتجري في جسمي رغم إن الجو نار..

وقبل ما استوعب اللي بيحصل وفي لحظة، النور قطع مرة تانية، وفي لحظة بدأت أسمع صوت ضحكات جاية من بعيد أوي، واحدة ست بتضحك بمرح، بس في الوقت ده الرعب كان سيد الموقف، خاصة لما اكتشفت إن صوت الضحك كان جاي من الستارة نفسها.. قلبي كان هيقف، وأنفاسي بتتسارع، عنيا جاحظة بفزع، ستارة بتتنفس وتضحك، وبتخنقني وأنا نايمة، رجعت لورا خطوة ورا خطوة لحد ما وقعت على السرير، وقتها حسيت بدوخة غريبة، صداع ودماغي بتتقل بطريقة مُخيفة، ضعف رهيب بيهاجمني وبيحاول يشل أطرافي، بصيت ناحية الستارة وكان الهول كله..

فيه حد بيخربش في الستارة من ورا، كأن حد واقف وراها، شايفة تفاصيل جسمه، ضوافره اللي بتخربش عشان تقطع الستارة، عنيه كان بتلمع من ورا الستارة.. الضعف بيزيد، قلبي هيقف، بتنفس بصعوبة، وهو بيقطع في الستارة بسنانه، وضوافره، و…… ووقعت في غيبوبة عميقة، كأن حد ض.ربني بمطرقة عنيفة على راسي، بس واضح إن الجحيم كان لسة مشبعش مني، وصحيت على صوت أنفاس قدام سر.يري، انفاس غضبانة، سريعة، ملتهبة.. فتحت عيني وأنا بتنفض عشان أشوفها، واحدة ست لابسة فستان أبيض غرقان د.م، مد.بوحة ورقبتها بتسيل بالد.م، وفيه جرح غائر عند راسها، وهي واقفة مبرقة وبتتنفس بهيستريا وغضب شديد..

كنت باصة عليها وأنا بمو.ت، جسمي زي الأموات وعقلي خلاص هيشت، مشيت ناحية الستارة ومسحت الد.م فيها، ولقيتها بتصرخ صرخة رهيبة وبتشاور على الماسورة الدائرية اللي الستارة متعلقة فيها، وفجأة هجمت عليا، وقتها وقعت من على السرير، وقعت وأنا فاقدة النُطق، د.فنت راسي بين إيديا وفضلت اتنفض، واتنفض، زي اللي مدفون حي جوة قبر ومنتظر المو.ت.. معرفش فضلت كدا أد أيه، بس فجأة لقيت معتز بيهز فيا، كان قلقان، عمال يسألني، مالك، وأنا مكنتش بنطق، سندني وقومني، مشيت ناحية الستارة وبضعف شديد شاورت ناحية الماسورة الدائرية اللي متعلق فيها الستارة..

هو ظابط، وحسه الأمني عالي، خلع الماسورة من مكانها ومسكها في إيده، جه عند الطرف ولقى غطا نحاس قافل الماسورة، خلعه من مكانه و……… جوة الماسورة الضخمة كان مستقر فيها خ.نجر عليه د.م ناشف، خن.جر شكله مُرعب، حط الخ.نجر في كيس عشان البصمات وخدني برة الشقة..

فضلت كتير على ما قدرت أحكي، حكيتله كل حاجة، وهو وداني عند أهلي وبدأ يتعامل، تحقيق بالتهديد مع صاحب محل الستاير عشان يعترف إن صديقه فلان اللي جبهالو، ومنها لصديقه اللي اعترف إنه خدها من شقة جمبهم حصلت فيها جر.يمة ق.تل، ووصل معتز لملف الجر.يمة اللي اتقيدت ضد مجهول، وقدم الدليل وقدر يفتح ملف القضية من تاني..

المتهم الرئيسي في القضية كان الزوج، بس محدش قدر يثبت عليه حاجة وخد براءة، بس لما الخن.جر ظهر، وشهود شهدوا إن الخن.جر كان بتاع الزوج، ولما النيابة استدعته بالدليل الجديد حصلت المعجزة، واعترف إنه ق.تلها لأنه كان عايز يستولى على دهبها ويتجوز واحدة تانية، وخطط لجر.يمته وقت.لها وفضل أيام كأنه مسافر.. ولما رجع ولقى الستارة غرقانة د.م اخفاها عند صديق له، وبلغ عن الجثة اللي لقاها لزوجته لما رجع من السفر، ومحدش قدر يثبت عليه حاجة، بس الدليل والبصمات أثبتوا عليه الجر.يمة، واتحكم عليه بعدها بالإعد.ام، ورجعت شقتي تاني..

معتز كان عايز يشيل الستارة بس أنا رفضت، رفضت رفض قاطع، وعدت ليلة واتنين وتلاتة وكل حاجة كانت طبيعية، لحد ما في ليلة شوفتها، شوفتها في حلم بتضحك ومبتسمة وهي متعلقة في الستارة زي الأطفال، وقتها صحيت مبسوطة، مبسوطة عشان العدل اتحقق في الأرض.. العدل اللي بيقول إن مفيش قا.تل هيفلت بجر.يمته أبدًا، وإن الخالق توعد القا.تل بالعذاب الأليم، الق.تل اللي ربنا شبهه بق.تل الناس جميعًا، وإن المقتول هيتعلق في رقبة القا.تل يوم القيامة يطلب القصاص، وإن نار جهنم هتاكل الق.تلة وتحرقهم بسبب الجر.يمة العظيمة دي..

الله يرحمها.. [أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا] سورة المائدة بقلم/ أحمد محمود شرقاوي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى