روايات

زائر من الجـــ,,ـــن للكاتب/ أحمد محمود شرقاوي

  امبارح وإحنا حاطين الطبلية وقاعدين بناكل في الصالة باب البيت خبط خبطات هادية وبطيئة، وفورًا أمي اتنفضت من مكانها وطلبت مننا نشيل الأكل بسرعة لحد ما تفتح وتشوف مين، ولما استغربنا من موقفها قالت إن دي خبطة البت عنايات اللي بتطلب فلوس أو أكل من البيوت هي حفظاها كويس أوي، وفعلًا وبدون نقاش شلنا الأكل.. وخرجت أمي وهي بتعرج عرج مصطنع لحد ما فتحت الباب، وفعلًا كانت عنايات، بنت مسكــ,,ـــــينة وعقلها خفيف بتخبط كل كام يوم على البيوت تاخد رغيف عيش، خمسة جنيه، سندوتش، أي حاجة كانت بتاخدها كانت بتفرحها..

بس الكلام ده ممكن تلاقيه في أي بيت إلا بيتنا إحنا، أمي كانت ماشية طول حياتها بمبدأ “أكل البيت للبيت” و “اللي يحتاجه البيت يحرم على الجامع” وأي حاجة في البيت فإحنا محتاجينها، الفستان القديم المتقطع ينفع يبقا فوطة للمطبخ، رغيف العيش الزيادة يتقطع ويتحط في شوربة العدس تاني يوم، شوية المية الساقعين إحنا أولى بيهم من الضيف اللي ممكن يجي يشربهم ومنستفدش منه أي حاجة..

اتربينا على كدا ومتعلمناش غير القاعدتين دول، طالما الحاجة في بيتي فأنا هحتاجها، والضيف مالوش غير رد السلام لا أكتر ولا أقل، حتى المحتاج فهو في الأغلب متصنع ومعاه اللي يكفيه وزيادة، بس هو جشع ومبيشبعش، وبعد ثواني دخلت أمي وقفلت الباب وقعدنا نكمل أكل.. كنت بستغرب ليه عنايات بتيجي رغم سُمعة أمي في المنطقة إنها حرفيًا مبتطلعش كوباية المية لحد، بس هي فعلًا بنت عقلها خفيف، وممكن متكونش بتستوعب إنها مهما تزورنا هترجع زي ما جت..

كملنا أكل لحد ما نزلت من على سلم البيت قطة ووقفت تبص للأكل بتحفز ورغبة، ولسان حالها بيقول إنها جعانة ومحتاجة أي حاجة، تجاهلنا وجودها تمامًا بس هي بدأت تقرب وتتمسح في رجل أمي زي القطط لعل أمي تشفق عليها وتديها أي حاجة، وفورًا أمي مسكتها من رقبتها وفتحت باب الشارع ورمتها بره وقفلت الباب.. ورجعت عشان تكمل أكلها، ومفيش نص دقيقة ونزلت القطة من على السلم تاني، وبدأت تموء وتقرب من أمي لعل وعسى تاخد منها ولو لُقمة، أمي بصتلها بغضب وقالت:

ـ يا بنت الكلاب ياللي مش هنخلص منك.. وشالتها بقسوة المرة دي وقامت رمياها بره باب البيت ورجعت عشان تكمل أكلها، ومسافة ما بدأت تاكل رجعت القطة تظهر من تاني، كأنها بتطلع للسطح في لحظات وتنزل تاني، وفي سهو من أمي خطفت منها جناح صغير من الفراخ اللي كنا بناكلها، وشوفت جمر ملتهب بيولع في عنين أمي من الغضب أول ما ده حصل.. مسكت القطة بغضب شديد وجابت كيس العيش القماش وحطت فيه القطة وربطت الكيس أوي لحد ما كانت هتفرم جسم القطة، وخدت الكيس ورمته من على السطح ناحية كوم الزبالة اللي كان في ضهر البيت..

وقعدنا كملنا أكلنا ومحدش فينا ولا أنا ولا أخويا الصغير قدر يفتح بقه ويعارض أمي، ببساطة أمي كانت ست قادرة زي ما بيقولوا، أبويا نفسه متحملهاش وجاله القلب ومات، ست قادرة تتخانق مع قبيلة ومتتعبش، ويا ويل اللي يعارضها وبالأخص لو كان حد من أولادها اللي هما إحنا.. وعلى بالليل ولعت الفرن وبدأت تخبز العيش بتاع تاني يوم وأنا ساعدتها شوية وبعدين كل واحد دخل أوضته عشان ينام، كانت الساعة داخلة على ١٢ بالليل والبلد كلها في سكون تام..

ومسافة ما مددت على السر,,ـــــير سمعت صوت مواء خشن جاي من على السلم، وكأن فيه قطط بتتخانق وبيقطعوا بعض، الصوت كان مُخيف وله صدى غريب جدًا ويخلي جسمك يقشعر، حاولت أنام واتجاهل وجودهم لأن عندنا في الأرياف القطط بتظهر كتير عادي بس مقدرتش، لأن صوتهم فعلًا كان قاسي وعالي ومستفز..

خرجت من الأوضة وطلعت على السلم ولفت نظري ضوء أصفر غريب مولع على السلم، خوفت أحسن يكون حرامي خاصةً إن نور السلم لونه أبيض، طلعت بهدوء وأنا قلبي بيدق عشان اتفاجئ بمشهد مُرعب، شوفت راجل أصلع وعنيه مشقوقة بالطول وقصير أوي، شايل بين إيديه قطة غرقانة دم وعمال يهز فيها وكأنه عايزها تصحى..

مسافة ما شوفته شهقت شهقة روحي كانت هتطلع فيها، وهو بص ناحيتي بصة واحدة بس، ووقعت من على السلم واتدحرجت دور كامل لحد ما حسيت إن عضم جسمي كله اتكسر وشوفت الدم مغرق عنيا، أمي خرجت على صوت الوقعة ولقتني بالشكل ده، بدأت تصرخ برعب والجيران اتجمعوا وكانت الحالة مش صعبة، جرح في الراس اتغير عليه وكدمة في مشط رجلي، ووجع بقا في جسمي كله بس مفيش كسر..

شوية والجيران اتطمنوا عليا ومشيوا وأمي بدأت تحمر عينها عشان تعرف أنا ليه طالعة فوق بالليل في الوقت ده، اتحججت بأي حاجة ودخلت عشان أنام لأن جسمي فعلًا كان بيئن من الوجع، شوية وشوفت النور الأصفر من تاني، كان ظاهر من فتحة الباب، وده معناه إن صاحب النور ده في صالة البيت دلوقتي في الدور الأرضي.. بصيت من فتحة الباب بهدوء شديد وشوفت مشهد مُرعب، القطة الغرقانة بالدم كانت واقفة على رجليها الاتنين زي البشر وبتشاور على أوضة أمي، وفي لحظة فتح الكائن الأصلع ده أوضة أمي ودخل، واتنفض جسمي كله مرة واتنين وتلاتة من الرعب..

واتشل تفكيري تمامًا ومبقتش عارفة أنا ممكن أعمل إيه، أخرج من الأوضة وأنجد أمي من اللي ممكن يحصلها، ولا أخليني في الأوضة متحركش لأني فعلًا مش قادرة أخرج، وفي النهاية مقدرتش وفتحت الباب بهدوء شديد، كان لسة النور الأصفر في أوضة أمي من جوه، والباب بتاعها مفتوح، قربت أكتر وأنا صوت دقات قلبي سامعاه من شدة ضــ,,ـــــرباته، ومرعوبة إنه يشوفني أو يسمعني..

شوية ولمحت المشهد بالكامل، شوفت أمي نايمة وبطنها متعرية، والكائن الأصلع حاطط إيده وغارز ضوافره في بطنها بعنــ,,ـــــف وهي عمالة تتنفض وتئن في صمت، بس كانت مغمضة عنيها زي ما هي، وبدون وعي مني صرخت، صرخت بأعلى صوت ووقعت في الأرض منطقتش..

معرفش فضلت كدا أد إيه، بس اللي أعرفه إني صحيت على صوت أنين عالي، فتحت عيني وجريت على أمي لقتها نايمة على السر,,ـــــير وبتتألم بشدة، كشفنا بطنها ولقينا آثار خرابيش وعلامات زرقة كتير، مسكت نفسي بالعافية عشان محكيش حاجة وحاولت أطمنها بقدر الإمكان، بس منظر عنيها الحمرة ووشها الباهت كان بيقول غير كدا، أمي كانت مريضة، وباين عليها إنها بتعاني وكأنها في سكرات المــ,,ـــــوت..

جريت على دكتور في عيادة قريبة مننا وجبته، كشف عليها وكان شكله حيران، وكل اللي قاله إنها مرهقة ومحتاجة ترتاح، وسابنا ومشي، مشي عشان أمي تلازم السر,,ـــــير بتاعها أسبوع كامل، أسبوع مبتتكلمش، وأي حاجة بتاكلها بترجعها، وجسمها تقيل زي الأموات، وعنيها يوم بعد يوم بتدبل وكأنها هتفقد حاسة البصر قريب أوي، قعدت طول الأسبوع ببكي جنبها وأنا مش عارفة أنا ممكن أعمل إيه.. وحتى فلوس البيت معاها ومخبياها، ومش معايا جنيه أوديها مستشفى، وهي مبتساعدنيش عشان تدلني على مكان الفلوس، وأغلب الناس اللي طلبت مساعدتهم بفلوس سلف مساعدونيش، لأنهم على يقين إن أمي حتى لو قامت مش هترد الفلوس دي..

لحد ما جت الليلة الأصعب بعد سبع أيام، كنت في المطبخ بعمل شاي بالليل عشان أعرف أسهر جنبها، ومسافة ما رجعت الأوضة لقيت ست كائنات شبه الراجل الأصلع، نفس البشرة الباهتة والعيون المشقوقة، وكانت معاهم القطة بس مكانتش غرقانة دم، وكلهم كانوا متجمعين حولين أمي، ومسافة ما شوفت المشهد وقعت من طولي وحــ,,ـــــرقت نفسي بالشاي السُخن.. ولما صحيت كانت أمي بتحتضر حرفيًا، جسمها ضعف أكتر، مبقتش قادرة ترفع إيديها من مكانها، وخرجت من حزني ووجعي قعدت قدام باب البيت، كنت ببكي بصمت ورابطة إيدي لأنها كانت مُلتهبة، ووسط كل ده لقيت راجل جارنا وقف قدامي وبكل هدوء قال:

السابقانت في الصفحة 1 من 2 صفحات
Use your ← → (arrow) keys to browse

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى